حجة الإسلام والمسلمين ناصر الدين الأنصاري القمي أستاذ وباحث الحوزة العلمية في قم:

دراسة الأبعاد الفقهية للعنف ضد الزوجة/15

عندما يتزوج شاب بفتة/فتاة عاملة وهو يعلم بكونها شاغلة لوظيفة ويتزوجها مع العلم بوظيفتها وعملها، فهذا يشبه الشرط الارتكازي؛ ومن هنا يجب عليه طوال الحياة الزوجية قبول وظيفتها وخروجها من المنزل لأجل عملها.

إشارة: يُجمع فقهاء الشيعة تقريباً على أن خروج المرأة من المنزل يتطلب إذن الزوج؛ ولكن هل لزوم الاستئذان هذا مطلق أم يقتصر على الموارد التي تتنافى مع الحقوق الزوجية للزوج فحسب؟ وإذا كانت المرأة عاملة وقت الزواج أو تعيش في منطقة تخرج فيها النساء بسهولة لتلبية الاحتياجات أو صلة الرحم ولا يَرَين حاجة للاستئذان من الزوج، فهل يُعد هذا بمثابة شرط ارتكازي لعدم لزوم الاستئذان من الزوج للخروج من المنزل في عقد النكاح؟ وهل المرأة الرياضية أو التي يوجب عليها عملها الخروج من البلاد في بعض الموارد يلزمها الاستئذان من زوجها للخروج من البلاد أيضاً؟ طرحنا هذه الموضوعات مع حجة الإسلام والمسلمين ناصر الدين الأنصاري القمي، أستاذ وباحث الحوزة العلمية في قم. يعتقد عضو لجنة الاستفتاء لدى المرحوم آية الله العظمى العلوي الجرجاني أن خروج الزوجة من المنزل يتطلب إذن الزوج ولا شك في هذه المسألة؛ غير أن هذا الأمر أولاً في الموارد التي تتنافى مع شؤون الزوج، وثانياً في الموارد التي لا يكون الشرط الارتكازي عند العقد على خلاف ذلك. وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” مع هذا الأستاذ والباحث في الحوزة العلمية بقم:

الفقه المعاصر: بشكل عام، في أي الموارد تثبت ولاية الزوج على الزوجة؟

الأنصاري القمي: بالزواج تنشأ نوع رابطة ومواصلة بين الزوج والزوجة؛ ومن ثَمّ يجب في الزواج أن تكون كافة الأمور بالتوافق فيما بينهما. فالقول إن للزوج ولاية كـ ولاية السيد على العبد أو ولاية الأب على الابن ليس كذلك. فولاية الزوج ليست بمعنى الأولوية في التصرف؛ بل هي بمعنى أن يتشاورا ويتناصحا في الأمور. وبطبيعة الحال ففي بعض شؤون الحياة يُقدم قول الرجل على قول المرأة؛ غير أن هذا لا يعني ممارسة الرجل للتعسف والاستبداد بالرأي، بل يجب عليه قدر الإمكان تسيير الأمور برضا المرأة؛ ولكن في موارد تعارض قول المرأة والرجل يُقدم قول الرجل.

الفقه المعاصر: بالنظر إلى تصريحات الروايات القاضية بلزوم الإذن من الزوج لخروج الزوجة من المنزل والسيرة القطعية للمتشرعة على ذلك، هل يمكن اعتبار ذلك أمراً عرفياً وناشئاً عن مقتضيات الزمان والمكان؟

الأنصاري القمي: خروج الزوجة من المنزل إذا كان يتنافى مع شؤون الحياة فهو بحاجة لإذن الزوج؛ أما إذا لم يكن متنافياً مع شؤون الحياة، فيجب أن ننظر بأي قصد يكون الخروج من المنزل؟ فإذا كانت تخرج لعمل يُعطل بإنجازه شؤون حياة الزوج، فهنا يلزمها الإذن من الزوج للخروج؛ أما إذا كانت تخرج لعمل قصير أو بنحو لا يتنافى خروجها مع شؤون حياة الزوج، فهنا يجوز خروجها من المنزل ولا حاجة لإذن الزوج أيضاً. وعلى أي حال فهذه مسألة كلية ولا ارتباط لها بمقتضيات الزمان والمكان؛ ومن ثَمّ فهي جارية في الزمان الحالي أيضاً. وبطبيعة الحال قد تختلف شؤون الزوج في الزمان الحاضر مقارنة بالماضي، ولذلك تختلف بعض مصاديق منافاة خروج المرأة مع مراعاة شؤون الزوج، غير أن الحكم الكلي للمسألة هو نفسه ما كان في الماضي أيضاً.

الفقه المعاصر: بالنظر إلى ارتكاز المتشرعة زمن صدور النص على إناطة جواز خروج الزوجة من المنزل بإذن الزوج مطلقاً، هل يمكن حصره في موارد تنافي الخروج من المنزل مع استمتاع الزوج؟

الأنصاري القمي: هذا حكم شرعي مطلق ولا يمكن القول إنه كان يختص بزمن صدور النص والآن ليس كذلك. يقول الفقه الإمامي: يجب ألا يتنافى خروج المرأة من المنزل مع حقوق الزوج أو استمتاع الزوج أو حرمة الزوج. وهذا الحكم لا يختص بزمان أو مكان خاص. وبطبيعة الحال وكما ذكرتُ، قد تختلف مصاديق شؤون الزوج أو حرمة الزوج؛ غير أن أصل الحكم باقٍ وهو عقلائي أيضاً. يجب على الزوج والزوجة التوافق في الحياة؛ ومن ثَمّ إذا كان الرجل لا يرتضي ذهاب زوجته إلى مكان ما، فيجب على المرأة القبول والالتزام لكي لا يختل قوام الحياة.

الفقه المعاصر: بالنظر إلى عرف المدن الكبرى في إيران التي لا ترى خروج الزوجة من المنزل متوقفاً على إذن الزوج – على الأقل في النهار وللأمور المتعارفة كـ الشراء وصلة الرحم – هل يمكن اعتبار هذا العرف بمثابة شرط ارتكازي ضمن العقد والحكم بعدم لزوم إذن الزوجة من الزوج للخروج من المنزل في الموارد المتعارفة؟

الأنصاري القمي: في الوقت الذي تُجرى فيه خطبة العقد، يراعي الرجل لا شعورياً مقتضيات الزمان، وحتى إن لم يُقل ذلك ولم يُذكر في متن خطبة العقد؛ غير أن كافة العقلاء والعرف والمجتمع يقرون بأن المرأة ليست كـ الأسيرة والمسجونة لدى الرجل؛ ومن ثَمّ يلزمها طوال فترة الحياة الخروج من البيت لأمور مثل صلة الرحم أو تلبية احتياجات البيت أو بعض الأعمال النسائية كـ التجميل والإصلاح. وبناءً عليه، في هذه الأمور تستطيع الخروج من المنزل ولا حاجة لإذن الزوج أيضاً، ويمكن اعتبار ذلك شرطاً ارتكازياً ضمن العقد.

الفقه المعاصر: عندما تكون الفتاة عند الزواج عاملة أو رياضية محترفة، هل يمكن اعتبار هذا الأمر – على الأقل في خصوص المورد – بمثابة شرط ارتكازي ضمن العقد والحكم بعدم لزوم إذن هذه الزوجة من الزوج للخروج من المنزل في الموارد المرتبطة بالوظيفة أو الرياضة المحترفة؟

الأنصاري القمي: عندما يتزوج شاب بفتة/فتاة عاملة وهو يعلم بكونها شاغلة لوظيفة ويتزوجها مع العلم بوظيفتها وعملها، فهذا يشبه الشرط الارتكازي؛ ومن هنا يجب عليه طوال الحياة الزوجية قبول وظيفتها وخروجها من المنزل لأجل عملها.

الفقه المعاصر: هل يمكن اعتبار أحكام من قبيل «لزوم إذن الزوج في جواز خروج الزوجة من المنزل» ناشئة عن ماهية النكاح في زمن الشارع وهي «شراء البُضع في قبال المهر»؛ ومن ثَمّ مع تغير ماهية النكاح في الزمان الحاضر يُحكم بتغير مثل هذه الأحكام؟

الأنصاري القمي: لم تختلف ماهية النكاح على مدى التاريخ. فكما كان المهر في زمن الشارع في قبال البُضع، فهو كذلك في الزمان الحالي أيضاً. وبطبيعة الحال يجب الانتباه إلى أن النكاح ليس مجرد معاملة محضة ولا أمراً عبادياً محضاً، بل هو عقد اجتماعي يتحقق بين الرجل والمرأة. ولحل مثل هذه المشاكل، فالأولى أن يطرح الزوجان مثل هذه المسائل فيما بينهما عند الزواج ويتزوجا بعد الوصول إلى التوافق.