مهدي مهريزي

دراسة الأبعاد الفقهية للعنف ضد الزوجة/17

العنف اللفظي عنوان انتزاعي يتضمن أموراً متعددة. فقد يكون العنف اللفظي شتماً، أو تحقيراً لسانياً، أو سخرية، أو رفعاً للصوت، أو أموراً أخرى. وبناءً عليه، لا يمتلك العنف اللفظي واقعاً خارجياً مستقلاً؛ بل هو عنوان انتزاعي لمجموع هذه الأمور المذكورة.

إشارة: العنف اللفظي هو أسلوب من أساليب العنف المطروحة في العقود الأخيرة. وهذا العنف قابل للتصور في أنواع العلاقات الإنسانية؛ غير أنه يمتلك مصاديق أكثر بـ الخصوص في الحياة الزوجية نظراً للخلطة الأكبر بين الرجل والمرأة. يعتقد حجة الإسلام والمسلمين مهدي مهريزي، الذي يمارس التدريس والبحث في حقل فقه النساء منذ سنوات، أن النصوص الدينية المتعلقة بمصاديق العنف اللفظي مطلقة ولا تختص بالنساء. ويرى الفائز بالجائزة العالمية للإمام الخميني في مجال الارتقاء بمكانة النساء في المجتمع أن العنف اللفظي يندرج في زمرة الأمور الأخلاقية؛ ومن ثم فهو عابر للجندر ولا يختص بأي جنس. وفيما يلي المذكرة الشفهية لمدير مكتبة الفقه والقانون:

حول الحكم الفقهي للعنف اللفظي ضد النساء، تُلاحظ عدة نقاط مهمة:

أولاً:

النقطة الأولى هي أن الأمور التي تعود لإنسانية الإنسان، سواءً كانت إيجابية أم سلبية، يجب أن ننظر إليها بنظرة عابرة للجندر. فالتقسيمات الجندرية وغير الجندرية في الأمور الإنسانية لا تمتلك قاعدة وقاعدة منطقية وعقلانية. وعدم صحة هذا التقسيم لا يرتبط بالأمور السلبية والخصال السيئة فحسب؛ بل لا ينبغي ممارسة هذه التقسيمات في الموارد الإيجابية والخصال الحسنة أيضاً. وعلى سبيل المثال، فإن التواضع، والإيثار والتضحية خصال حسنة لا تقبل التأطير الجندري. وبناءً عليه فإن الأصل هو النظر للمسائل الجندرية بنظرة عابرة للجندر وألا نلج مقولة الجنسية فيها أساساً، إلا أن يقوم دليل خاص في المسألة.

ثانياً:

العنف اللفظي عنوان انتزاعي يتضمن أموراً متعددة. فقد يكون العنف اللفظي شتماً، أو تحقيراً لسانياً، أو سخرية، أو رفعاً للصوت، أو أموراً أخرى. وبناءً عليه، لا يمتلك العنف اللفظي واقعاً خارجياً مستقلاً؛ بل هو عنوان انتزاعي لمجموع هذه الأمور المذكورة.

ثالثاً:

في النصوص الدينية لم يُنظر للعنف اللفظي بنظرة جندرية؛ بل إن ورد نص في رد هذا الأمر فهو مطلق ويشمل الرجل والمرأة معاً. فالشتم قبيح سواء وُجه للرجل أم للمرأة. والتحقير قبيح سواء في حق الرجل أم المرأة. والآية الكريمة: «وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ» لا تختص بجنس واحد. ويقول أمير المؤمنين (ع) في الخطبة ١٩١ من نهج البلاغة في وصف المتقين: «وَلَا يُنَابَزُ بِالْأَلْقَابِ وَلَا يُضَارُّ بِالْجَارِ»؛ أي لا ينادون الناس بالألقاب القبيحة ولا يضرون الجار. ويعد محمد عبده المراد من هذه الفقرة النهي عن نداء الناس باللقب القبيح.

رابعاً:

في علم الفقه، لا توجد أيضاً رؤية جندرية بالنسبة للنسب غير الأخلاقية التي قد تُوجه للأفراد. وعلى سبيل المثال، القذف بمعناه كيل التهم غير الأخلاقية للطرف المقابل. وهذا الحكم لا يختص بالنساء؛ بل يمتلك مصداقاً في حق النساء والرجال معاً؛ ومن ثَمّ فإن حد القذف يجري في حق الرجال والنساء معاً. ولا يختص هذا الحكم بالزوج والزوجة أيضاً؛ بل هو قابل للجريان في حق كل من صدرت منه هذه التهمة. واستخدام التعابير غير اللائقة الجندرية يوجب حد الجلد تارة، ويستتبع التعزير تارة أخرى، ويعتمد نوع التعزير على رأي القاضي.

خامساً:

في القرآن الكريم، طُرحت مسألة القذف بـ الخصوص في حق النساء. وذُكر هذا المطلب في الآيتين ٤ و٦ من سورة الأحزاب:

«مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ» [١].

«النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا» [٢].

وكون الله تعالى في هذه الآيات المتعلقة بعائشة والتي نزلت للنهي عن التهم الموجهة إليها، يوضح أن الله أظهر حساسية أكبر بالنسبة لقذف النساء. وبطبيعة الحال فمن الناحية الفقهية، لا يختلف قذف المرأة عن قذف الرجل؛ غير أن هذا الاختصاص بذكر النساء في مسألة القذف كان إما لحفظ احترام أكبر للنساء في المجتمع، وإما لكونهن أكثر عرضة للهشاشة في هذه الأمور بفضل العرف العام للمجتمع.

سادساً:

كانت أمور مثل الإيلاء والظهار موجودة في الجاهلية غير أنها نُسخت الآن، ولا تندرج هذه الموارد في زمرة مصاديق العنف اللفظي. وما جاء في نصوصنا الدينية بالارتباط بالعنف اللفظي هو مسألة القذف ذاتها المشتركة بين الرجل والمرأة والتي أبرزها القرآن في حق النساء.

[١]. الأحزاب: ٤.
[٢]. الأحزاب: ٦.