إشارة: استمر النزاع الفقهي في بعض أحكام النساء المتميزة عن الرجال لقرون، وازداد بطبيعة الحال في العقود الأخيرة أكثر من ذي قبل. وإحدى الأسباب التي تؤثر في ظن بعض المطالبين بـ حقوق النساء في استنباط الأحكام الفقهية المتفاوتة للنساء مقارنة بالرجال هي الفهم الذكوري للفقه. ففي ظنهم، لما كان الفقهاء على مدى التاريخ من فئة الرجال دوماً؛ فقد نظروا بـ نظرة ذكورية للفقه أيضاً وأحكام هذه المسألة متأثرة بهذه الرؤية لعلم الفقه. تصدى حجة الإسلام والمسلمين مهدی شجريان، الذي يمارس البحث في حقل فقه النساء منذ سنوات، في هذه المذكرة الشفهية لـ سبر تأثير الجنسية في استنباط وفهم المقولات الفقهية للنساء. وفيما يلي النص الكامل للمذكرة الشفهية الخاصة للأستاذ المساعد بمعهد العلوم والثقافة الإسلامية البحثي:
هل الفهم النسوي مؤثر في مقولة استنباط الحكم الفقهي أم لا؟ لتبيين هذا السؤال من الضروري شرح سلفه وتاريخه. ويكمن هذا السلف في سؤال أكثر كلية. ففي الرؤية النسوية يُطرح هذا السؤال: هل تملك الجنسية تأثيراً في الفهم أم لا؟ وبناءً عليه فالسؤال يدور حول أمر كلي لا مجرد علم الفقه. السؤال هو: هل تتأثر مطلق المعرفة بالجنسية أم لا؟ وإجابة النسويات عن السؤال إيجابية. فهن في ضمن طرح الإبستمولوجيا النسوية يؤكدن كثيراً على هذا الأصل وهو أن الجنسية تؤثر في المعرفة.
ويربما أمكن تقسيم النسويات إلى مجموعتين متفاوتتين: مجموعة من النسويات يعتقدون أن هذا التأثير هو تأثير كلي وجسيم جداً، ولو دخل الفهم النسوي في جهاز الفهم البشري فسيتحول نظام المعرفة البشري برُمته من الصدر إلى الذيل، وأساساً فإن العلوم والمعارف المتاحة حالياً بين يدي البشر صيغت بناءً على الفهم الذكوري القائم على منافع الرجال، ولكن لو دخل الفهم النسوي هذه الصياغة فستتغير الصياغة من الصدر للذيل. وهذه رؤية كلية. وتوجد رؤية أصغر وأكثر تواضعاً يميل لها أغلب النسويات وتتلخص في أنه لو دخل الفهم النسوي جهاز الإبستمولوجيا فسيحدث التأثيرات؛ غير أنه ليس بنحو يقع معه التأثير على كافة العلوم البشرية من الصدر للذيل.
والآن يجب أن نرى هل ادعاء تأثير الجنسية في مقولة الفهم ادعاء سديد أم غير سديد؟ وقبل دراسة هذا المطلب، يجب أن ننتبه إلى أن هذه الرؤية متأثرة بـ الرؤية الغربية الحديثة. وبشكل عام نملك في الارتباط بـ الإبستمولوجيا رؤيتين رئيسيتين: الأولى تعتقد بـ الموضوعية وأن فهمنا هو عين العالم الواقعي؛ ومن هنا فإن الأمور الواسطية لهذه المعرفة هي طريق محض. بعبارة أخرى وطبقاً لهذه الرؤية توجد هوية تامة بين المعرفة والعالم الواقعي. وتملك هذه الرؤية قراءات مختلفة بطبيعة الحال. وعلى سبيل المثال، يرى جمع من أتباع هذه الرؤية أن خصائص الفاعل العارف تؤثر في فهمه للعالم الواقعي؛ ومن ثَمّ فليس الأمر أن يكون فهمه عين العالم الواقعي؛ بل فهمه فهم نابع من وجوده هو وتؤثر ذات وجوده. وفي هذه الرؤية، فإن إحدى الخصائص الموجودة في الفاعل العارف والمؤثرة في فهمه للعالم الواقعي هي الجنسية.
والآن هل الأمر هكذا واقعاً وتؤثر خصلة الجنسية للفاعل العارف في فهمه للأحداث؟ وفي هذا الصدد، بذل العديد من المحققين جهوداً جبارة وصنفوا كتابات جمة. وفي هذه الكتابات خضعت الرؤى النسوية للنقد، ومنها إنكار تدخل عنصر الجنسية في الفهم. والنقدان المهمان المطروحان في هذه الكتب هما:
-
النقد الأول: إن أصل تأثير الجنسية في المعرفة هو نوع من المغالطة التكوينية والتي يُطلق عليها في الاصطلاح المغالطة الجينية أيضاً. والمغالطة التكوينية هي الخلط بين منشأ نشوء معرفة ما ودلیل تلك المعرفة؛ أي بدلاً من نقد أدلة المعرفة نذهب لنقد منشأ نشوئها؛ كـ ناقدي الفلسفة الإسلامية الذين يقولون في مقام نقد الفلسفة الإسلامية: هذا النظام المعرفي باطل؛ لأن منشأ نشوئه هو الفلسفة اليونانية، ولا يلجون بعد ذلك في فحص أدلة هذا النظام المعرفي. وهؤلاء يطرحون في الحقيقة منشأ النشوء كـ دليل للنقد بدلاً من تقديم دليل النقد. أو أن بعض المفكرين الغربيين أصحاب التوجه الإلحادي قالوا إن منشأ الاعتقاد بالله أمر باطل وهو الخوف. وهؤلاء بدلاً من تقديم دليل على بطلان الاعتقاد بالله يطرحون منشأ هذا الاعتقاد كـ نقد. والآن فإن فكرة النسويات هي من هذا القبيل أيضاً، فهن بدلاً من نقد وفحص أدلة المعرفة الشائعة لدى البشر، يذهبن خلف منشأ نشوء هذه المعرفة ويعتبرن ذكورية هذه المعرفة عاملاً لبطلانها.
-
الإشكال الثاني: هو النسبية. وهـذا الجواب في الحقيقة إجابة نقضية. والإشكال هو أنه لو اعتبرنا الجنسية مؤثرة في المعرفة، فلماذا لا نعتبر العوامل الأخرى مؤثرة؟ وعلى سبيل المثال تستطيع السلطة أيضاً التأثير في المعرفة، وتستطيع الأهواء والعواطف التأثير أيضاً، وأمور أخرى. ومع هذا الوصف ستغدو المعرفة دوماً أمراً نسبياً ولن نملك أي معرفة ثابتة ومستقرة.
وبناءً عليه فإن ادعاء النسويات بأن الجنسية تؤثر في كافة أقسام المعرفة غير سديد؛ غير أنه في بعض الأمور كـ الأمور الحقوقية نستطيع قبوله؛ بـ معنى أنه لو صيغت التعاليم الحقوقية الشائعة بين البشر بتدخل النساء لأحدث ذلك تحولاً كبيراً في هذه التعاليم.
وبالنتيجة فإن المقولة القائلة بأن الجنسية تؤثر في الجملة في المعرفة مقبولة؛ لأننا لا نقول في المعرفة البشرية بـ واقعية فجة ومحضة ولا نعتبر المعارف البشرية خالية من الخطأ. فنحن نعتقد أن المعرفة البشرية في حالة صيرورة وليست كل معرفة عين الواقع؛ بل إن مجموع المعرفة البشرية تجتهد لتقريب نفسها من الواقع أكثر.
وعلى سبيل المثال فإن الفهم النسوي سيكون مؤثراً حتماً في فقهنا ويستطيع التأثير في مسار استنباط الأحكام الفقهية، كما تستطيع سائر الظواهر العينية التأثير أيضاً. وبطبيعة الحال فليس المراد أن الجنسية تؤثر بالجملة في الأحكام الفقهية وتغيرها؛ غير أن تأثيرها في الجملة لا يمكن إنكاره أيضاً.
