إشارة: ما دامت الفقهاء المعاصرة محصورة في الدائرة الضيقة للدول الشيعية أو الإسلامية، فلن تتاح لها إمكانية الحضور في الساحة الدولية والتأثير في الإنسان المعاصر. ولكن قبل بیان الحلول لـ عولمة هذه الأبواب الفقهية، يجب الحديث عما إذا كانت هذه الفقهاء تقدم مزية خاصة للمخاطَب الدولي لكي تجذبه أم لا؟ ويُطرح هذا السؤال بالارتباط بـ فقه التربية أيضاً. يتطرق حجة الإسلام والمسلمين محمد رضا بابا يي، مسؤول مجلس التفكير بمؤسسة الثورة الإسلامية الإيرانية بقم، في هذه المذكرة الخاصة إلى سبر مزايا فقه التربية الإسلامي للحضور في الساحة الدولية. وفيما يلي النص الكامل للمذكرة الخاصة لموقع “الفقه المعاصر”:
يوجد تصور شائع وربما خطأ استراتيجي في أذهان العديد من الناشطين في عرصة التبليغ وحتى بعض مدرسي السطوح العالية بالحوزات العلمية حيث يحصرون الفقه في أبواب العبادات والمعاملات ويحسبون «التربية» مجرد ساحة أخلاقية ووعظية تباين التكليف والوضع الشرعي. في حين لو نظرنا بنظارة «فقه النظام» والنظرة الكلية للشريعة، لعرفنا أن فقه التربية ليس باباً فرعياً ولا مجموعة استفتائات متشتتة في باب التشجيع والتأديب، بل هو «البنية التحتية الحقوقية لتربية الإنسان الملتزم»؛ وهي بنية تحتية تستطيع اليوم في خضم الصراعات للخطابات العالمية للتربية، بدءاً من اللبرالية التعليمية في الغرب وصولاً للأنظمة الانضباطية في الشرق الأقصى، فرض نفسها في عرصة الحوار الدولي لا كـ أيديولوجيا مدافع بل كـ نظام عقلائي يحظى بالسند الوحياني ويملك جذوراً عميقة في الحقوق الطبيعية. غير أن السؤال هو: هل يمتلك هذا الفقه أساساً طاقة الحوار مع الأجهزة الحقوقية الحديثة والنظريات البعد-حديثية للتربية أم إنه مجرد كنز من الإجابات عن أسئلة المؤمنين في داخل جغرافية ثقافية محدودة؟ وللورود في هذا الميدان ما هي المقدمات المنهجية والسياساتية التي يجب توفيرها؟
١. المزايا التنافسية؛ لماذا يحتاج عالم اليوم لمنطق فقه التربية؟
لو أردنا تلخيص أهم مزية تنافسية لـ فقه التربية الإسلامي في قبال النظريات البشرية الشائعة في عبارة موجزة ومكتنزة، فيجب القول: «التغلب على الثنائية الزائفة بين الإطلاق في الإفلات والإطلاق في التسلطية». فنظريات التربية الحديثة التأسست عمدتاً على قاعدة علم النفس التجريبي وفلسفة النفعية (البراغماتية)، إما وقعت في مصيدة «الحرية اللامشروطة للطفل» في مدرسة روسو وشراحه المحدثين والتي كانت نتيجتها أزمة الهوية وتزلزل بنيان الأسرة في المجتمعات الغربية، وإما تراه في الأنظمة الصارمة والشيوعية في الشرق كـ مادة خام يجب نحتها تحت ضغط الدولة. غير أن فقه التربية بالابتناء على أصل الولاية والأمانة يضع الطريق الثالث أمام البشرية. فالفقه الشيعي يفكك بوضوح بين «الولاية التشريعية» العائدة لله و«الولاية التأديبية» الموكلة بإذنه لولي الطفل. وفي هذا النظام الفكري، ليس الطفل مالكاً مطلقاً لمصيره (كما يتوهم النزعة الإنسانوية الإفراطية) ولا عبداً ورعية للرغبات اللامحدودة للمربي؛ بل هو أمانة إلهية يجب تحريكها في إطار «قاعدة لا ضرر» و«قاعدة العدالة» نحو الكمال. وهذا الأنموذج الوسطي، في زمن تتحدث فيه الأمم المتحدة صراحة في وثيقة ٢٠٣٠ عن «التعلم للحياة المشتركة دون دين»، هو الصوت المعارض الوحيد الأصيل الذي يقيم الحجة الشرعية والحقوقية للحريم النفسي والمعنوي للطفل. وفقه التربية بفضل قواعد كـ «حرمة الإعانة على الإثم»، و«وجوب دفع المنكر»، و«وجوب تطهير المهد والبيئة»، يقدم ترجمة تقنية تماماً عن المفهوم الحديث لـ Educational Guardianship (الوصاية التعليمية) والذي يمكن اعتباره لراسمي السياسات الغربيين العالقين في أزمة تفكك الأسرة «حلاً معيارياً» لا تهديداً.
٢. نظرية أم مجموعة فتاوى؟ كشف النظام من قلب الفروع الفقهية
إحدى الأسئلة الجادة المطروحة في المحافل الأكاديمية الدولية، وربما تتردد في أذهان بعض طلاب العلوم الدينية الشبان أيضاً، هي: هل يقتصر فقه التربية الإسلامي مجرد بيان الحكم التكليفي لـ «ضرب المعلم» أو «جواز الكذب المصلحي للطفل» أم إنه يمتلك أساساً «نظرية تربوية كبرى»؟ الإجابة هي أنه في منطق الاجتهاد الجواهري وأصول الفقه الحيوي، فإن النظر للفقه بـ نهج الفتوى القائمة خطأ منهجي. فنحن قبل مواجهة المسائل الجزئية، نواجه «نظاماً حقوقياً لتنظيم العلاقات الإنسانية». وفقه التربية يقوم على دعائم متينة من فلسفة الفقه؛ وهو أن الإنسان مخلوق ذو مراتب وكل مرتبة من وجوده (الجسم، النفس الناطقة، القلب، والروح) محكومة بـ أحكام. وهذه النظرة العابرة للساحات للإنسان تقدم مبنى يعجز عن تقديمه النظريات الأحادية البعد السلوكية (Behaviorism) أو المادية النفسية. وعلى سبيل المثال، فعندما يحكم الفقه بـ ولاية الأب على تزويج الصغيرة أو لزوم التأديب بـ «غیر المبرح» (الذي لا يسبب أذى جسدياً أو نفسياً شديداً)، فهو في الواقع يصمم نظام المسؤولية للأسرة. والفقيه بالاعتماد على المصادر الأربعة واستخدام عنصر الزمان والمكان في الاجتهاد يستنبط نظرية «الأمن النفسي القائم على الحقوق الإلهية». نعم، للأسف فإن جانباً كبيراً من هذا النظام ظل حتى الآن حبيساً بين مطاوي شروح اللمعة والمكاسب ولم يُستخرج ويُصغ كـ «خطاب تخصصي مستقل»، غير أن فقدان التدوين لا یعنی فقدان الوجود. فالنظرية الفقهية للتربية نظرية حية وفي حالة تكامل؛ لأنها بخلاف النظريات القطعية لعلم النفس التي تنهار باختبار جديد، تقوم على «الحكمة الإلهية» و«منطقة الفراغ» القائمة على المصالح المتغيرة، وتستطيع تقديم الوصفة لأزمات كـ «الذكاء الاصطناعي وشخصنة التربية» أو «الحق في التربية الدينية في المنصات العالمية».
٣. ثبات المبادئ والتحول في المنهج؛ ضرورة لا بد منها للحوار العابر للحدود
لا یعنی هذا الكلام الجمود على منهج المتقدمين وعدم الحاجة لإعادة النظر في الأدوات المعرفية. فالسؤال الثالث ناظر للواقع لهذه الحساسية تحديداً وهو: هل الحضور في النزاعات الفقهية والحقوقية للعالم يتطلب التغيير في مبادئنا التوحيدية وافتراضاتنا الكلامية المسبقة؟ الإجابة نفي قاطع. فلا نستطيع التخلي عن أصل «الولاية التشريعية لله» كـ المفتاح الأساسي لـ فقه التربية لكي يُفتح باب الحوار إرضاءً للمؤسسات الليبرالية. ولكن ما يتطلب حتماً التغيير والتحول العميق هو منهج الاستنباط ومستوى معرفة الموضوعات لدينا. ففقه التربية الذي يريد الحديث في لجنة حقوق الطفل بالأمم المتحدة أو في المحاكم الأوروبية للدفاع عن حجاب الفتيات المسلمات، لو كان لا يزال أسيراً للفقه الفردي والجزئي فلن يملك شيئاً ليقوله. يجب العبور من هذه النظرة القائلة بأن «التربية هي علاقة خاصة بين الأب والابن» نحو فقه نظام التربية؛ وهو فقه يستطيع وضع الحكم الوضعي لـ «مؤسسة التربية والتعليم»، و«رسم سياسات وسائل الإعلام الجمعية»، و«ضوابط إنتاج محتوى الأطفال». وللأسف في الوقت الحالي، فإن تقصيرنا في الفهم الدقيق لمفاهيم كـ الحق في التعليم (Right to Education) في وثائق حقوق الإنسان أو نظرية البنائية الاجتماعية (Social Constructionism) في فلسفة التعليم والتربية، يتسبب أحياناً في تقديم الأحكام الفقهية المتقنة بأدبيات جافة ومتراجعة وإيجاد النفور بدلاً من الجذب. وبناءً عليه فإن التحول، ليس في النص، بل في توسيع دائرة معرفة الموضوع واستخدام المنطق الإجرائي في الاستنباط هو ضرورة استراتيجية. فيجب على فقيه اليوم لـ فقه التربية أن يكون مضطلعاً بنظريات «العدالة التعليمية لـ جان رولز» و«التعددية الثقافية» بالقدر نفسه الذي يتسلط فيه على جواهر الكلام لكي يستطيع استخراج الإجابة المتناسبة مع مقتضيات الزمان.
٤. رسم السياسات لـ حراك حضاري؛ الإجراءات اللازمة للورود في الميدان
برغم هذه الطاقات النظرية الفريدة، ولكي يستطيع فقه التربية الإسلامي تثبيت مكانته بين الأجهزة الفقهية لأهل السنة (كـ الأزهر والقرويين) والأجهزة الحقوقية العلمانية في العالم، فهو بحاجة لباقة سياساتية منسجمة وعالمة. الخطوة الأولى هي حركة الترجمة العكسية والمفهومية. فنحن حتى الآن ترجمنا كتبهم للجمهور العربي والفارسي لفهم الغرب؛ غير أننا في نقل المفاهيم الحوزوية الدقيقة للغات الحية في العالم أُصبنا بـ الاختزال والترجمة الحرفية. فكلمة «الولاية» لا يمكن ترجمتها لمجرد Custody؛ فهذه الكلمة تحمل شحنة حقوقية ثقيلة من «الأمانة الإلهية» و«القيومية» يجب شرحها للمخاطَب الحقوقي الغربي في قالب تركيبات كـ Divine-Trust Guardianship. والخطوة الثانية هي إيجاد المرجعية العلمية الدولية في فقه التربية. فلا يستطيع العالم الإسلامي الانتظار للمسائل المعقدة لتربية الأطفال المسلمين في الشتات (Diaspora) لاستفتاء مرجع تقليد عام غريب عن الفضاء الاجتماعي لكندا أو السويد. إن تأسيس «مؤسسة الفقه التربوي المقارن» بحضور فقهاء متخصصين في العلوم المعرفية وعلماء اجتماع الدين، يستطيع العمل كـ مرجع للإجابة عن الشبهات وتدوين وثيقة حقوقية منافسة لوثائق اليونسكو. وفي النهاية فإن أهم إقدام هو العبور من الانفعال والنقد الصرف نحو إنتاج الوثائق الاستباقية العليا. فبدلاً من الوقوع دوماً في موقع الدفاع عن «التأديب» أو «الفصل الجندري» والاتهام بـ العنف أو التمييز، يجب علينا تدوين ميثاق عالمي لحقوق الأسرة في التربية الدينية بالابتناء على فقه أهل البيت عليهم السلام وطرحه للتصويت في المحافل الدولية؛ وهو سند يُتحدث فيه عن «مسؤولية المجتمع تجاه الطهارة الروحية للجيل القادم» بدلاً من الشعارات المبهمة لـ «الحرية للطفل».
وفي الختام يجب الإقرار بأن فقه التربية الإسلامي كنز لم يُزل غبار الإهمال عن وجهه بعد. وهذا الفقه هو المزية التنافسية الكامنة لعالم التشيع في عرصة الصراع الحضاري الناعم؛ بشرط تجاوز «النص» وعولمة «منهج» عرضه؛ وبشرط الحديث مع البشر خلف الحدود بلغة العقل السليم والحقوق الفطرية بدلاً من التكرار الآلي للأحكام للمؤمنين داخل الجدران. فالإهمال لهذا الميدان ليس مجرد التخلي عن باب فقهي، بل هو التخلي عن ميدان تربية إنسان الغد وتسليمه لتيار يختزل الإنسان في حد مستهلك أو أداة للذة ويسحب الروح الإلهية من جسد التربية.
