العنف ضد الزوج محرّم أیضاً کالعنف ضد الزوجة
دراسة الأبعاد الفقهية للعنف ضد الزوجة/27
إشارة: إن تبادر الأذهان، بمجرد ذكر العنف في العلاقات الزوجية، إلى عنف الزوج ضد الزوجة، ناشئ إما من واقع خارجي، وإما من دعايات النسويات المستمرة منذ عقود عدة. وعلى أي حال، وأيّاً كان السبب، فإن الواقع هو أنه قد جرى الحديث عن العنف ضد الزوج بشكل أقل، وبالطبع جرى تناول أبعاده الفقهية بشكل أقل أيضاً. وفي هذا الصدد، أجرينا حواراً مع حجة الإسلام والمسلمين سيد محمد علي فقيهي، أستاذ درس الخارج في الفقه والأصول في الحوزة العلمية بقم. وهو، إذ يصرّح بأن العنف ضد الزوج محرّم أيضاً كالعنف ضد الزوجة، يشير إلى أنه عند التعارض بين بيان الشارع وفهم العرف للعنف، يجب تقديم بيان الشارع؛ لأن خالق الإنسان يعلم أفضل أيّ حكم فيه صلاح ومنفعة لحياة البشر. وفيما يلي نص الحوار التفصيلي الخاص الذي أجرته «الفقه المعاصر» مع هذا الأستاذ في درس الخارج للفقه والأصول في الحوزة العلمية بقم، من نظركم:
الفقه المعاصر: هل يمكن أن يتحقق العنف في العلاقات الزوجية ضد الزوجة فقط، أم أن عنف الزوجة ضد الزوج أيضاً قابل للتصوّر؟
فقيهي: إن العنف في الإسلام محرّم سواء صدر من جانب الزوج أو من جانب الزوجة. يقول القرآن الكريم في سورة الروم: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ».
وهذه الآية لا تقتصر على الرجل، بل تشمل الرجل والمرأة معاً؛ ولذلك فإن العنف، أياً كان مصدره من هذين الطرفين، محرّم. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية المباركة المودّة؛ أي أن أوج المحبة قد خُلق بين الرجل والمرأة. وقد وردت رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «لا يكن العبوس في وجهك أبداً». وفي هذه الرواية، اعتبر الإمام (عليه السلام) العبوس مصداقاً للعنف ضد الزوجة. وفي المقابل، يقول الإمام (عليه السلام) أيضاً: «مَلعونةٌ مَلعونةٌ امرأةٌ تُؤذِي زَوجَها وتُغِمُّهُ، وسَعیدةٌ سَعِیدةٌ امرأةٌ تُکرِمُ زَوجَها ولا تُؤذِیهِ وتُطِیعُهُ فی جَمیعِ أحوالِهِ».
وبناءً على ذلك، فإن العنف محرّم من جانب الزوج ومن جانب الزوجة على حدٍّ سواء، وقد وردت أيضاً رواية عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) خاطب فيها امرأة تؤذي زوجها قائلاً: أفٍّ لكِ، لقد أضعتِ دينَك. جميع الملائكة تلعنكِ ولا تُقبل عباداتُك إلا أن تنالي رضا زوجك.
الفقه المعاصر: هل يمكن اعتبار البرودة في العلاقة الجنسية، واستخدام الزوجة ألفاظاً بذيئة خلال العلاقة الجنسية، وإجبار الرجل على أداء بعض الأوضاع في العلاقة الجنسية، مصاديق للعنف الجنسي ضد الزوج؟ وما هو الحكم الفقهي لذلك؟
فقيهي: ليس للعنف الجنسي مصداق خاص؛ بل إنه، بشكل عام وبالنظر إلى الروايات، العنف محرّم سواء كان ضد الزوج أو ضد الزوجة؛ أي إن ذُكرت بعض الحالات فهي مذكورة بوصفها مصاديق خارجية، لا أن الحرمة مقتصرة عليها؛ ولذلك، فإن العنف، سواء كان لفظياً أو سلوكياً أو غير ذلك من أنواعه، محرّم.
الفقه المعاصر: هل يمكن اعتبار احتقار الزوج، ومقارنته بالرجال الآخرين، والتهديد بالطلاق، والصراخ والفظاظة والشتم ضده، مصاديق للعنف اللفظي ضد الزوج؟ وما هو الحكم الفقهي لذلك؟
فقيهي: إن العنف أمر عرفي، ومصاديقه يحددها العرف أيضاً. فعندما يقع نزاع بين الزوجة والزوج، يقول الله سبحانه: «فاحكم بينهما…»؛ أي أن شخصاً من جانب الزوجة وشخصاً من جانب الزوج يقومان بالتحكيم وفصل النزاع بينهما. وهذه الحالات كلها عرفية، وتحديد المصاديق كله عرفي، إلا في الحالات الاستثنائية التي تدخّل فيها الشارع وقال إنها لا بأس بها؛ ففي هذه الحالة تُعدّ من الاستثناءات. ويجب أن تكون المرأة مطيعة لزوجها إلا في معصية الله، حيث تختلف الشروط في هذه الحالة.
الفقه المعاصر: بالنظر إلى أن حالات العنف ضد الرجال (الجسدي واللفظي) من قبل النساء ليست قليلة، فلماذا يُفسَّر العنف في العلاقات الزوجية على أنه عنف الرجال ضد النساء فقط؟
فقيهي: الأصل هو حكم العرف؛ لكن إذا بيّن الشارع المقدس في موضع معين مصداق العنف، وحصل تعارض بين بيان الشارع وفهم العرف، ينتفي تدخّل العرف، ويكون كلام الشارع هو المعيار. فقد يكون الشيء غير مصداق للعنف عند الشارع، بينما يراه العرف مصداقاً له. وفي هذه الحالات التي تدخّل فيها الشارع، يكون حكم الشارع مقدَّماً على حكم العرف؛ لأن خالقنا يعلم فلسفة العنف أفضل منّا. نعم، العرف حجة في المواضع التي لا يكون للشارع فيها تدخّل خاص؛ فمثلاً، قال الشارع المقدس بشأن تمكين الزوجة: إذا لم تُطع الزوجة، فاهجرها؛ وإذا لم تُطع مرة أخرى، فاضربها، بالطبع ليس ضرباً شديداً بل ضرباً خفيفاً. وهنا قد لا يقبل العرف أن يُهجَر الزوجة أو تُضرب؛ لكن لأن الشارع المقدس قد تدخّل، فإن كلام الشارع مقدَّم على فهم العرف.
إن الدين الإسلامي خالد وصالح لكل زمان ومكان وعصر. والقرآن خالد، والروايات عن الأئمة (عليهم السلام) التي تبيّن حكماً إلهياً خالدة أيضاً. و«حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة»، وهذا يعني أن حلال النبي وحرامه سارٍ حتى القيامة إلا إذا حدّدوا هم أنفسهم وقتاً لأحكامهم. والدين لا يتوافق مع مسائل التنويرية؛ ولذلك لا يمكن التلاعب بالدين بناءً على مطالب العصر. وهذا لا يعني بالطبع أن الدين لا كلام له، بل المراد أن التلاعب بالدين بناءً على رغبات شخصية غير مقبول.
إن كلّ حكم من الأحكام المشرَّعة للنساء والرجال له حكمته الخاصة. فمثلاً، تمكين الزوجة إنما هو لأن الرجل قد يقع في الفساد، وبظروفه الخاصة، إذا لم يحدث النشوز، فإن أمان الرجل من الفساد يكون في خطر. أو أن خروج الزوجة من المنزل يجب أن يكون بإذن الزوج، وذلك لأن هذه المسألة ذات طابع أمني؛ لأن الزوجة عادة أضعف وأكثر عرضة للأذى، وإلا فلا مانع أصلاً من ذلك؛ بل حتى التشدد على الزوجة قد يؤدي إلى تصدّع العلاقة أو برود المودة والمحبة بينهما.
الفقه المعاصر: هل ينحصر العنف ضد الزوج بعنف الزوج ضد الزوجة فقط، أم يشمل عنف الزوجة ضد الزوج أيضاً؟
فقيهي: كلا الأمرين محرّم؛ أي إن ممارسة الزوج العنف ضد الزوجة محرّمة، وممارسة الطرف الآخر، أي الزوجة، العنف ضد الزوج محرّمة أيضاً. يقول الإمام علي (عليه السلام): «خِيَارُ خِصَالِ النِّسَاءِ شِرَارُ خِصَالِ الرِّجَالِ: الزَّهْوُ، وَالْجُبْنُ، وَالْبُخْلُ؛ فَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مَزْهُوَّةً لَمْ تُمَكِّنْ مِنْ نَفْسِهَا، وَإِذَا كَانَتْ بَخِيلَةً حَفِظَتْ مَالَهَا وَمَالَ بَعْلِهَا، وَإِذَا كَانَتْ جَبَانَةً فَرِقَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَعْرِضُ لَهَا». وهذا الكلام يبيّن أن العلاقة بين الزوج والزوجة ينبغي أن تقوم على المحبة والمودة، وأن يكمّل كلٌّ منهما الآخر؛ فإذا كان الرجل كريماً، فلتحفظ المرأة أموال الأسرة؛ وإذا كان الرجل شجاعاً، فلتكن المرأة حذرة محافظة. أو يقول (عليه السلام) في موضع آخر: «لا يُقبَل من المرأة عمل حتى تُحصّل رضا زوجها، وإلا فحتى صلاتها لا تُقبل».