عضو المجلس العلمي لفريق "الفقه القضائي والجزائي" في معهد دراسات الفقه المعاصر يطرح:

الأصول العملية القضائية/2

وفقاً لرأي القائلين بإمكانية تمييز المدعي والمنكر بمساعدة الظاهر (مثل آية الله السيستاني)، فإن الأصل العقلائي، بل والأصل الشرعي، لا يتمتع بالفعالية في مقام تمييز المدعي من المنكر. والسبب في ذلك أن حجية الظاهر في هذه الحالة تتعلق بتمييز المدعي والمنكر، وهي أخص من الأصل العقلائي أو الشرعي، لأن الأصل العقلائي (مثل قاعدة اليد) يتمتع بحجية مطلقة.

اشارة: الحجة الإسلام والمسلمين السيد علي علوي قزويني، المولود عام ١٣٤٢ هـ في قزوين، يركز منذ سنوات، إلى جانب تدريسه للفقه والأصول، على الدراسات القانونية. سألناه عن تعارض الأصل والظاهر والآراء والنظريات المحيطة به. وقد شرح عضو الهيئة التدريسية في حرم فارابي بجامعة طهران الظاهر والأصل بدقة، وبيّن الأسس المختلفة حول تفسير هذين المفهومين مع أمثلة فقهية وقانونية.

الفقه المعاصر: ما المقصود بالظاهر والأصل في تعارض الظاهر والأصل؟

قزويني: يمكن توضيح المقصود بالظاهر والأصل من خلال مثال. على سبيل المثال، رجل يدعي بعد فترة طويلة من العيش مع زوجته أنه لم يدخل بها، وبالتالي فإنها لا تستحق إلا نصف المهر. هنا، الظاهر يؤيد قول الزوجة، لأن الرجل والمرأة اللذين عاشا معاً لفترة طويلة في مكان واحد، من المفترض عادةً أن الزوجة قد دُخِل بها، وبالتالي فإن قول الزوجة يتفق مع الظاهر. لكن الأصل (الاستصحاب) وهو عدم الدخول، يؤيد قول الزوج. وفقاً لبعض الآراء، مثل رأي الإمام الراحل (ع)، فإن الباب هو باب التداعي: «لا يبعد التداعي وتحتاج المسألة إلى زيادة تأمل» [١]. يرى الإمام أن معيار تمييز المدعي والمنكر هو مصب الدعوى، وهنا في مصب الدعوى تنازع: أحدهما يقول إنها كانت أداء دين، والآخر يقول إنها هبة. عندما يصبح الأمر تداعياً، يتم التحالف، ويقول القاضي إنه لم يتم أداء المهر ولم تكن هبة، لذا يُعاد المال الذي نعلم تفصيلاً أنه ملك الزوجة إلى الزوج، رغم أننا نعلم تفصيلاً أنه إما أداء المهر أو هبة لازمة. لا حل لدينا لهذا الفرع، لذا إذا كان الباب فعلاً باب التداعي، وكان القاضي مخولاً بإعادة هذا المال إلى الزوج، فلا توجيه لذلك إلا أن الشارع هو ولي المؤمنين وله ولاية على أموال الناس، مثل إجازة أكل المارة التي أجازها الشارع بناءً على ولايته على أموال الناس، ولا توجيه آخر لذلك. ومع ذلك، فإن قول التداعي ليس القول الوحيد في المسألة.

المرحوم الخوئي والمرحوم الأستاذ والسيد الصدر، وفقاً لآرائهم، يناقشون أن من كان غرض دعواه مخالفاً للأصل الشرعي فهو المدعي. من هو الذي غرض دعواه مخالف للأصل الشرعي؟ غرض دعوى الزوج، لأن الزوج هو من يقول إن ديني إليك سقط، بينما تقول الزوجة: لا، دينك إلي لم يسقط. وإلا ففيما يتعلق بأن هذا المال ملك الزوجة وملك لازم لها، لا خلاف بينهما، بل الخلاف يتعلق بسقوط الدين والمهر، هل أدى الزوج دين المهر أم لا؟ هنا، قول الزوج مخالف لاستصحاب عدم أداء الدين، لأن الاستصحاب يقول إن الدين لم يُؤدَّ. لا يقال إن الاستصحاب يقول إن الهبة لم تتحقق أيضاً، لأن هذا أصل مثبت؛ فإن قول عدم تحقق الهبة يعني أن الدين قد أُدي، وهذا أصل مثبت. استصحاب عدم أداء الدين يخالف ادعاء الزوج، لأن الزوج يهدف من خلال هذا الادعاء إلى إثبات سقوط الدين، وسقوط الدين يخالف الأصل الشرعي.

الفقه المعاصر: ما هي حالات تقديم الظاهر على الأصل في الفقه القضائي والجزائي؟

قزويني: في تقديم الظاهر على الأصل، هناك اختلاف بين العلماء. يرى آية الله السيستاني أن الظاهر يؤدي إلى تقديم القول الموافق له، بينما يعارضه معظم الفقهاء الآخرين.

الفقه المعاصر: بالنظر إلى العرفية في “الظاهر”، ألا يؤدي تقديم الظاهر على الأصل إلى عرفية الدين؟

قزويني: عرفية الدين في الموضوعات لا مشكلة فيها، بل إن أساس الدين قائم على إحالة تمييز الموضوع إلى العرف، ولذا يقال إن تمييز المدعي والمنكر ممكن من خلال الرجوع إلى الظاهر (آية الله السيستاني)، وهذا لا يتعارض مع عدم عرفية الدين في الأحكام الكلية.

الفقه المعاصر: هل قبول حجية “الظاهر” يعني الظاهرية والقضاء بناءً على ظواهر الأشخاص، وهو أمر مذموم؟

قزويني: قبول حجية الظاهر يقتصر على تمييز المدعي والمنكر فقط، ولا فعالية له في الأحكام الأخرى. على سبيل المثال، إذا كان ظاهر حال شخص ما هو السكر من الخمر، لا يمكن جلده، لأن الظاهر ليس حجة.

الفقه المعاصر: هل يوجد تقديم الظاهر على الأصل في المدارس القانونية الأخرى؟

قزويني: وفقاً لرأي القائلين بإمكانية تمييز المدعي والمنكر بمساعدة الظاهر (مثل آية الله السيستاني)، فإن الأصل العقلائي، بل والأصل الشرعي، لا فعالية له في مقام تمييز المدعي من المنكر. والسبب في ذلك أن حجية الظاهر في هذه الحالة تتعلق بتمييز المدعي والمنكر، وهي أخص من الأصل العقلائي أو الشرعي، لأن الأصل العقلائي (مثل قاعدة اليد) يتمتع بحجية مطلقة، ولكن كما قيل، فإن الظاهر يتمتع بالفعالية فقط في مقام تمييز المدعي والمنكر، ومن الواضح أن الأخص مقدم على الأعم.

قال آية الله السيستاني إن الظاهر أحياناً يكون لصالح أحد الطرفين. وفقاً للعرف والعادة، فإن من الخلاف مع الظاهر أن يقدم الزوج على منح زوجته هذا المقدار من المال كهدية، لذا فإن الزوجة التي تقول إنها هبة تتحدث خلاف الظاهر. وأحياناً يكون الظاهر في بعض التمليكات هو أنها هبة، مثل أن يشتري الزوج في يوم المرأة خاتماً ذهبياً لزوجته، فالظاهر هنا أنها هبة، بينما يقول الزوج إنه أدى جزءاً من المهر. كل ما يتفق مع الظاهر هو المعيار، لذا يجب أن نرى أي قول منهما يتفق مع الظاهر وأي قول يخالفه. من يخالف الظاهر هو المدعي، ولكن إذا لم يكن هناك ظاهر، قال آية الله السيستاني إننا نقبل التداعي هنا [٢].

هذا الرأي منسوب إلى الإمام مالك أيضاً، ولكن مع اختلاف. يقول مالك، وفقاً لنقل الشيخ الطوسي في “الخلاف”، إنه إذا لم يكن هناك ظاهر، فإن الزوجة هي المدعية، ولكن إذا كان هناك ظاهر، فمثلاً إذا كان قول الزوج مخالفاً للظاهر، فهو المدعي، وإذا لم يكن هناك ظاهر، فالزوجة هي المدعية. بينما قال آية الله السيستاني إنه إذا لم يكن هناك ظاهر، فالباب هو باب التداعي.

لقد أثرنا إشكالاً بأنه إذا لم يكن الظاهر معتبراً كما هو مفروض، فإنه لا يتمتع بانضباط أو اعتبار.

قد يقول آية الله السيستاني إن لدينا رواية صحيحة تحدد معيار المدعي والمنكر بناءً على الظاهر. في رواية عن امرأة جاءت بعد وفاة زوجها وقالت إنها لم تأخذ مهرها، جاء في الرواية:

صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: «لا شيء لها وقد أقامت معه مقرة حتى هلك زوجها» [٣]. امرأة عاشت مع هذا الرجل عمراً ثم تأتي الآن وتقول إنها لم تأخذ مهرها؟ أي إن قولها يخالف الظاهر. «فإن طلقها فجاءت تطلب صداقها»: إذا طلقها الرجل، فالأمر كذلك أيضاً، لأنها عاشت معه سنوات. «قد أقامت لا تطلبه حتى طلقها لا شيء لها».

نعلم أن المهر اليوم يختلف عن المهر في ذلك الزمان. في ذلك الوقت، كان المهر عاجلاً ونقداً. ما يقال اليوم “من أعطى ومن أخذ” يتعلق بالمهور الحالية، ولكن في ذلك الزمان، كان المهر نقداً، يسلمه العريس نقداً للعروس وينتهي الأمر. بخصوص المهر في ذلك الوقت، قيل إنه بعد سنوات تأتي هذه المرأة وتقول إنها لم تأخذ مهرها النقدي، وهذا يخالف الظاهر. ثم سألوا الإمام عن الحد، فقال: «إذا أهديت إليه»: عندما ذهبت إلى منزل الزوج، بعد أن تم الزواج، «وطلبت بعد ذلك فلا شيء لها»، لأن الظاهر هو أنه، وفقاً لعادة ذلك الزمان، تأخذ مهرها قبل أن تدخل بيت الزوجية.

هذا بالطبع مؤيد لآية الله السيستاني، ولكن هناك احتمال التعبد في خصوص هذه المسألة، بحيث أن ادعاء المرأة بالمهر بعد دخولها إلى منزل الزوج لم يعد مسموعاً، خاصة أن الرواية تقول في ذيلها: «إنه كثير لها أن يستحلف بالله»: من الكثير على هذه المرأة أن يطلب من الرجل أن يقسم بالله. «ما له قبله من صداقها قليل ولا كثير»، والظاهر أنه لا حاجة للقسم أصلاً. ولكن هذا لا يمكن الالتزام به بشكل عام، ففي أقصى الحالات، من يخالف الظاهر هو المدعي، ومن يتفق مع الظاهر هو المنكر. هذه المرأة تكلمت خلاف الظاهر فصارت مدعية، والزوج ليس لديه بينة فيقسم، فيصبح قوله موافقاً للظاهر، أي موافقاً لأنه أعطى الصداق مسبقاً. المدعى عليه قوله موافق للظاهر، لذا يأتي دوره للقسم، كيف؟ «ما له كثير لها أن يستحلف بالله؟». إذا كان العبارة «كثير لها أن تُستحلف بالله»، فهذا يعني أن المدعي لا يُقسم، ولكن إذا كانت «تستحلف»، فهذا يعني أن المدعي لا يقسم.

يجب أن نتعلم من العظماء. يوماً ما قال الملا الدربندي للشيخ الأنصاري: والله إن قسمي أعلم منك. فقال الشيخ الأنصاري جملة واحدة: المدعي لا يقسم. وكانت هذه الجملة كافية. فإذا كانت هذه المرأة مدعية، فالمدعي لا يقسم، وهذا صحيح.

[١]. تحرير الوسيلة، ج٢، ص٣٠١.
[٢]. منهاج الصالحين، ج٣، ص١٠٠.
[٣]. وسائل الشيعة، ج٢١، ص٢٥٧.

Source: External Source