إشارة
ما معنى الفقه الأخلاقي؟ هل يعني أخلاقنة علم الفقه أم فقهنة علم الأخلاق أم أمر غير هذين؟ الآية الله محمد عندليب الهمداني يعتقد أنه يجب السعي وراء فقهنة علم الأخلاق؛ لأن الأخلاق بدون الفقه لا ضمان تنفيذي لها؛ وكذلك هذا العمل أسهل بكثير من أخلاقنة علم الفقه. أستاذ الدرس الخارجي القديم في الفقه والأصول في الحوزة العلمية في قم بالطبع يؤكد على ضرورة طرح المباحث الأخلاقية في علم الفقه أيضاً. تفاصيل الحوار الخاص للفقه المعاصر مع عضو المجلس العلمي الأعلى لمركز بحوث الدراسات الفقهية المعاصرة حول «الفقه الأخلاقي» تمر أمام أنظاركم:
الفقه المعاصر: ما المراد من فقه الأخلاق؟ ما الفرق بينه وبين «الفقه الأخلاقي» والعناوين الشبيهة به؟
عندليب: أعرض تفسيري الخاص. نحن بحاجة إلى تخصص بين علمي الفقه والأخلاق وهذا التخصص يمكن أن يسمى فقه الأخلاق. بالطبع الاسم لا يدخل كثيراً؛ ما هو مهم هو أن فقه الأخلاق يجعل علم الفقه أخلاقياً وعلم الأخلاق فقهياً. مرادي من الفقه الأخلاقي هو فقه يأخذ بعين الاعتبار بالإضافة إلى النصوص والمدارك نتيجة الفتوى أيضاً هل هذه النتيجة التي أحصل عليها أنا الفقهي تتوافق مع الموازين الأخلاقية أم لا؟ لا يمكن الاكتفاء بصرف اعتبار السند أو صرف الإطلاق والعموم. يجب أن يجعل علم فقه الأخلاق الفقه أخلاقياً ويقيم ترابطاً بين الأحكام؛ خاصة الترابط بين الأحكام والأهداف العليا مثل العبادة والعدالة والكرامة الإنسانية التي طرحناها في مباحثنا. يجب أن يؤكد التخصص في فقه الأخلاق على أن لدينا تعاليم لها جانب داخلي بين المؤمنين والمسلمين وجوانب فرادينية. من جميع الآيات والروايات التي تتعلق بالناس يمكن استخلاص نقاط؛ مثل: «قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً» (البقرة ٨٣) و «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ» (النحل ١٢٥) التي تعني دعوة الناس والشعب. أو الآية الشريفة التي تقول: «لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى» (المائدة ٨)؛ أي حتى مع العدو تعاملوا بالعدل وفي الحرب احترموا الأخلاق. الإمام الصادق عليه السلام يقول أيضاً: «مَنْ عَامَلَ النَّاسَ فَلَمْ يَظْلِمْهُمْ وَ حَدَّثَهُمْ فَلَمْ يَكْذِبْهُمْ وَ وَعَدَهُمْ فَلَمْ يُخْلِفْهُمْ كَانَ مِمَّنْ حُرِّمَتْ غِيبَتُهُ وَ كَمَلَتْ مُرُوءَتُهُ وَ ظَهَرَ عَدْلُهُ وَ وَجَبَتْ أُخُوَّتُهُ».
على أي حال، الروايات التي تتعلق بالناس مثل إنصاف الناس والتودد إلى الناس و… يجب أن تطرح في الفقه. هذا عمل فقه الأخلاق في بعده الأول الذي هو نفسه فقه الأخلاق؛ أما في البعد الثاني الذي هو أخلاق فقهية، فأعتقد أننا يجب أن نؤكد على هذا الأمر أن الأخلاق على الرغم من أن لها جذراً عقلانياً وعقلائياً إلا أنها يجب أن تندمج مع التعاليم الوحيانية ويجب أخذ هذه من الفقه وبنفس الإطارات الأصولية الفقهية يجب الدخول في مسائل فقه الأخلاق. مثلاً عندما نريد طرح بحث خلف الوعد لدينا نظرة فقهية ونظرة أخلاقية. في رأيي النظرة الأخلاقية المحضة أيضاً لا تملك عاملاً تنفيذياً. ماذا يجب فعله؟ هل يمكن اقتراح هنا أنه على الرغم من أن خلف الوعد لا عقاب له إلا أنه بناءً على أن أعمالنا في يوم القيامة تتجسد، تُظهر للإنسان وجهاً قبيحاً في يوم القيامة أو أن نقول إن خلف الوعد يسبب الخروج من العدالة حتى يتوجه الإنسانون نحو تنفيذ وعودهم الخاصة؟
أؤكد على أمر آخر أيضاً أنه لا ينبغي في الكتب الفقهية الإشارة فقط إلى المستحبات العبادية؛ بل كظم الغيظ، قبول العذر، عدم البغض والكينة، عدم المراء يجب أن يأتي في الرسائل الفقهية أيضاً.
الفقه المعاصر: ما مدى امتداد فقه الأخلاق؟ بمعنى آخر، ما هي العناوين الرئيسية والمسائل المهمة التي تندرج تحته؟
عندليب: بناءً على إجابة السؤال الأول، تم الإجابة على هذا السؤال أيضاً. أهم عمل يجب القيام به هو أن نحدد أولاً مكانة الإنسان في الفقه وفي الأخلاق. يجب تحديد مكانة الإنسان بنظرة ودقة فقهية دقيقة. حتى لا يتم توضيح مكانة الإنسان من وجهة نظر المعارف الدينية، فإن فقه الأخلاق لا يصل إلى مكان. يجب إعادة النظر في بحث العدالة في الجوانب المختلفة، سواء العدالة التي تشير إلى التوازن الروحي للإنسان أو العدالة في الأسرة والمجتمع. يجب فحص عنوان العدالة والكرامة بنظرة دقيقة.
الفقه المعاصر: ما الفرق بين فقه الأخلاق وعلم الأخلاق؟
عندليب: علم الأخلاق أكثر عقلانية وعقلائية. نفس الشيء الذي كان أساسه في اليونان أيضاً وبواسطة كبارنا ممزوجاً بآيات القرآن وروايات أهل البيت عليهم السلام؛ لكن هذا غير كافٍ وكما عرضت يجب أن تكون النظرة نظرة فقهية والنظرة الأخلاقية إلى الفقه. علم الأخلاق لوحده غير مفيد.
الفقه المعاصر: ما هي التحديات في تشكيل باب فقه الأخلاق والبحث فيه؟
عندليب: بعض المسائل التي نطرحها يقولون فوراً إنها أخلاقية. يجب السؤال ما المقصود من أخلاقية؟ هل المقصود المستحبات؟ أليس المستحبات في الأحكام الفقهية؟ إذا كان المقصود من أخلاقية أي أنها تتعلق بالجوانح لا بالجوارح، نسأل أليس يجب أن يتعامل الفقه مع جوانح الأفراد وقلب الإنسان؟ أن الكثير من الأوقات يقال إن فلان المسألة أخلاقية، يجب توضيح المراد. في رأيي التحدي الأساسي في أننا يجب أن نجعل الفقه أخلاقياً وهو صعب جداً ويستغرق وقتاً. فقهنة الأخلاق ربما أسهل وأقل تكلفة. بالطبع النقاش في هذا الشأن كثير جداً يطرح في مكانه.