إشارة: قد يبدو في النظرة الأولى أن الحديث عن تحديات «فقه العلاقات الدولية» غير ذي جدوى؛ لأن هذا الباب الفقهي مليء بالتحديات، وقلّما نجد مسألة لا يتعارض فيها الحكم الفقهي مع الاتفاقيات الدولية. لكن الدكتور سيد صادق حقيقت يرى أن هذه التحديات ليست مرتبطة بمادة علم الفقه نفسه، بل بالمقاربة التقليدية لهذا العلم. مؤلف كتاب «الجمهورية الإسلامية والسياسة الخارجية والعلاقات الدولية» يعتقد أنه بقبول «الفقه الأدنى» والمقاربة التجديدية لعلم الفقه، تُحلّ كثير من هذه التحديات. نص الحوار الحصري الذي أجرته «فقه معاصر» مع عضو مجلس مجموعة «فقه السياسة والعلاقات الدولية» في معهد دراسات الفقه المعاصر أمام أنظاركم:
فقه معاصر: ما هي أهم التحديات التي تواجه البحث في فقه العلاقات الدولية؟
حقيقت: فقه العلاقات الدولية قائم على المقاربة القصوى للدين، أي أن الفقه يتناول كل القضايا بما فيها العلاقات الدولية. أنا أعارض هذه المقاربة القصوى للدين، وبالتالي أعارض أصل تسمية «فقه العلاقات الدولية». أقصى ما يمكن قوله هو أن الفقه يحتوي على قضايا تتعلق بالعلاقات الدولية، لكن أن يكون لنا «فقه علاقات دولية» أو «فقه فيزياء» أو «فقه كيمياء» أو «فقه نووي»… فهذا مشكلة منهجية أساسية. لذا بدلاً من عبارة «فقه العلاقات الدولية» يمكننا القول: «آراء الفقه في العلاقات الدولية»، أي أن الفقه يحتوي على قضايا بشأن العلاقات الدولية.
النقطة الثانية: هناك فرق بين «السياسة الخارجية» و«العلاقات الدولية». العلاقات الدولية هي العلاقات بين الدول (والتعبير العربي «الدولي» أدق من «الدولي»). أما السياسة الخارجية فهي مجموعة تصرفات دولة ما تجاه الدول الأخرى. إذا ميّزنا بينهما، فإن القضايا الفقهية المتعلقة بالسياسة الخارجية تختلف عن القضايا الفقهية المتعلقة بالعلاقات الدولية. أحياناً نتحدث عن مواقف دولة إسلامية تجاه دول أخرى (هنا تكون القضايا الفقهية متعلقة بالسياسة الخارجية)، وأحياناً نريد معرفة رأي الفقه في العلاقات بين الدول عموماً، سواء كانت إسلامية أم غير إسلامية.
المشكلة الرئيسية: إذا كان السؤال عن قضايا الفقه في العلاقات الدولية (أي بين الدول)، فالشارع المقدس لم يخاطب الدول غير الإسلامية أصلاً، بل خاطب الدول الإسلامية فقط. لذلك ينبغي أن تكون القضايا المستخدمة في فقه العلاقات الدولية شاملة لعلاقات الدول الإسلامية مع غير الإسلامية، مثل قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة: «إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق».
فقه معاصر: هل يمكن تنظيم فقه علاقات دولية قائم على الحقوق والمصالح المتكافئة بين الدول والشعوب بوجود قواعد مثل «نفي السبيل» وأحكام مثل الجهاد الابتدائي، جواز هتك الكافر، الغيبة، الإيذاء… التي توحي بتوقف المسلم على الكافر والشيعي على أهل السنة؟
حقيقت: على أساس الخطاب التقليدي السائد بين الفقهاء حالياً، نعم، تنشأ مشاكل كثيرة كما أشرتم. فمثلاً آية الله مطهري في كتاب «العبودية في الإسلام» (طبعة ١٣٩٣هـ.ش) يقول صراحة: قد لا تريد دولة أن تحاربنا، لكننا يجب أن نحاربها دفاعاً عن التوحيد – أي الجهاد الابتدائي التقليدي. هذا الجهاد الابتدائي يصطدم مع العلاقات الدولية؛ فنحن أعضاء في الأمم المتحدة وملتزمون بعدم الحرب، وبالدفاع عن أي عضو تُهاجم. فهل يمكن أصلاً قبول عضوية الأمم المتحدة مع نظرية الجهاد الابتدائي؟
لكن على أساس الخطاب التجديدي في الفقه، تنشأ مقاربة قائمة على السلام والتعايش في العلاقات الدولية. ففي هذه المقاربة لا يوجد جهاد ابتدائي أصلاً في زمن الغيبة، والالتزام بالقوانين والأنظمة الدولية واجب، وبالتالي يجب على الدولة الإسلامية التقيد بحدودها والتزاماتها الدولية. إذن هناك فارق جوهري بين الخطاب التقليدي والخطاب التجديدي الديني.
فقه معاصر: مع عدم قبول الفقه التقليدي للحدود الجغرافية وقولِه بدار الإسلام ودار الحرب، هل يمكن أصلاً تصوير العلاقات الدولية بالشكل الحالي داخل علم الفقه؟
حقيقت: أصلاً مصطلح «دار الإسلام» و«دار الكفر» و«دار الحرب» مصطلح فقهي وليس موجوداً في الروايات. ما ورد فقط أحكام تختلف باختلاف المكان (كاللقطة واللقيط كما ذكرت). هذا المصطلح أكثر ما ورد في كتب فقه أهل السنة.
فإذا كان مرادكم أن الشارع المقدس قسّم العالم إلى دار إسلام ودار كفر بحيث تكون حرب دائمة إلى يوم القيامة، فلا. أما إذا كان مرادكم أن الفقهاء استخدموا هذا التقسيم فهو صحيح. والإشكال موجود فعلاً؛ لأنه في الفقه التقليدي، وبموجب حكم الجهاد الابتدائي، يجب على الدولة الإسلامية أن تعلن الحرب على دار الكفر إما للإسلام أو للهجوم، بينما في العلاقات الدولية وقبول الحدود الاعتبارية، كل دولة ملزمة فقط بالدفاع عن حدودها، ولا يجوز إعلان الحرب على دولة أخرى لمجرد اختلاف المذهب.
لكن كما قلت، هذا الإشكال خاص بالمقاربة التقليدية، ولا وجود له في المقاربة التجديدية؛ لأن الجهاد الابتدائي غير مقبول في زمن الغيبة، والعلاقات السلمية مع الدول الأخرى – إسلامية كانت أم غير إسلامية – مقبولة.
فقه معاصر: إلى أي مدى يمكن التغاضي عن الأحكام الفقهية من أجل حضور فعال في الساحة الدولية، ومن لوازم ذلك الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية؟
حقيقت: الدولة الإسلامية يمكنها ألا تلزم نفسها باتفاقية من البداية، لكن إذا التزمت يجب أن تفي. إذا انضمت إلى الأمم المتحدة فعليها الالتزام بقوانينها، وإذا انضمت إلى اتفاقية فعليها قبول لوازمها، وكل ذلك تحت عنوان «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ». إذن الدولة الإسلامية مخيّرة في الانضمام من الأساس، لكن إذا انضممت فالوفاء واجب.
وقد ناقشت في كتابي «مباني وأهداف سياسة الدولة الإسلامية» إمكانية التزاحم بين قاعدتي «نفي السبيل» و«أوفوا بالعقود» عملياً، وبيّنت صور ذلك التزاحم بالتفصيل.
فقه معاصر: مع كون المسلمين – وبخاصة الشيعة – أقلية في المجتمع العالمي، هل يمكن استنباط أحكام فقه العلاقات الدولية على أساس التقه؟
حقيقت: التقه لا علاقة لها بهذه المسائل أصلاً. التقه هي إخفاء الموقف من أجل هدف ديني أعلى. إذا كان المقصود من فقه العلاقات الدولية بيان علاقة القضايا الفقهية بالعلاقات الدولية، فالمخاطب هم المسلمون أو الشيعة الملتزمون بالفقه، وليس الدول العلمانية أو غير الإسلامية. لذلك لا معنى للكلام عن التقه هنا؛ فالمخاطب هو من يلتزم بالفقه أصلاً، والتقه منه لا معنى له.
