الدكتور عليرضا عابدي سرآسيا، في حوار خاص مع فقه معاصر:

الأصول العملية القضائية/26

أول عمل يجب أن يتم لتقليل الاستناد إلى الأصول العملية هو تحديد واجب مجموعة الأمور التي يمكن للقاضي الاستناد إليها من حيث الحجية والاعتبار، وكذلك من جهة ترتيب الأدلة بوضوح. ولكن عمل ثان يبدو ضرورياً أيضاً، وهو التركيز أكثر على الواقعية بدلاً من التكليفية أو حتى القصدية الظاهرية التي سأشير إليها في المناقشة التالية.

إشارة: حجة الإسلام والمسلمين الدكتور عليرضا عابدي سرآسيا، أستاذ مشارك في جامعة فردوسي مشهد، ومن الباحثين في الفقه. هو يقوم منذ سنوات بالتدريس في مجموعة الفقه ومباني الحقوق في هذه الجامعة، في المراحل الجامعية والماجستير والدكتوراه. كتابة أكثر من ٥٠ مقالة وعدة كتب في مجال الفقه والأصول، هي ثمرة جهوده البحثية في السنوات الماضية. كتاب «الهيرمينوطيقا والأصول الفقهية؛ مدخل إلى القصدية» هو أحد أهم كتبه الذي نشرته مؤسسة البحوث الإسلامية. تحدثنا معه حول تحديات التمسك بالأصول العملية القضائية. هو بعد بيان هذه التحديات، أكد أن التمسك بالأصول العملية القضائية يبعد الفقه القضائي عن هدفه الرئيسي الذي هو كشف الواقع. تفاصيل الحوار الخاص لفقه معاصر مع هذا الأستاذ والباحث في الحوزة والجامعة، كالتالي:

فقه معاصر: ما هي التحديات والأضرار التي تتبع استخدام الأصول العملية القضائية؟ وماذا يجب فعله لحل هذه التحديات والأضرار؟

عابدي سرآسيا: الأصول العملية هي سلسلة من الافتراضات القانونية التي يُرجع إليها عند الشك في الحكم الواقعي وقصر اليد عن الإمارات، وتحدد الواجب العملي والظاهري للشخص. الواقع التاريخي هو أن هذه الأصول لم تكن تمتلك المكانة الحالية في الماضي، ولم تكن تتمتع بالوضوح والشفافية الحالية، وفي القرون الأخيرة بل في القرن الأخير وصلت إلى هذا النمو والنضج الحالي؛ بحيث إن جزءاً كبيراً من المباحث الأصولية اليوم يدور حول محور هذه الأصول، ويشغل حيزاً كبيراً من كتب الأصول. بالطبع، بعضهم ينظر إلى هذه القضية بنظرة سلبية، وحتى أحياناً يستخدم تعبير التلميح والسخرية «لعبة الأصول» له، والذي يبدو لنا غير صحيح؛ لأن هذا الفربه، عادةً ينظر إلى النمو النظري لا الإفراط العملي! في الحقيقة، هذا الحجم الحالي ناشئ من التدقيق في تبيين مكانة هذه الأصول الصحيحة نسبة إلى الإمارات وبعضها البعض، والذي بدون الالتفات إليه، لا يمكن تطبيقها الصحيح، والشخص معرض للخطأ في العمل.

ولكن بجانب ضرورة «المناقشات الدقيقة» و«التنفيذ الصحيح»، هناك تهديدان أيضاً يوجدان، وهما محل مناقشتنا الحالية؛ أي الإفراط والتفريط؛ واللذان هما مصدر نشوء تحديات أخرى.

تهديد الإفراط ينظر إلى التطبيق غير المنضبط وخارج الضابطة:

الإفراط في الاحتياط يؤدي إلى العسر والحرج والشدائد غير المبررة.

الإفراط في البراءة يؤدي إلى تجاهل الكثير من الواقعيات.

الإفراط في الاستصحاب والتخيير أيضاً كذلك، ويؤدي إلى التنازل عن الواقع؛ كما أنه مع الوقت يؤدي إلى الكسل الفقهي، والشخص يرى نفسه غنياً عن التنقيب في الحقيقة.

تهديد التفريط أيضاً ينظر إلى أن الشخص في المكان الذي يجب عليه الحكم وفقاً للأصول العملية يمتنع عن ذلك. التفريط في تطبيق الأصول العملية يجعل الشخص يلجأ إلى أدلة زائفة؛ نوع من التكلف في إحضار الدليل، وبعبارة أخرى اختلاق الدليل! استنباطات استحسانية! اجتهادات رأي محور! والتركيز على الظهورات الشخصية والظن الشخصي.

يبدو أن السبب الرئيسي لظهور هذه التهديدات والتحديات هو عدم الوضوح والشفافية في هذه الأصول ومكانتها؛ أي مع كل الجهود القيمة التي تمت حتى الآن، ما زلنا بحاجة إلى تنقيح أكثر حتى يتضح مكانة هذه الأصول في السلسلة المراتبية للأدلة.

مثلاً الرؤية المشهورة والمعتادة في ترتيب الأدلة في نظرة عامة كانت أن يُعمل أولاً بالإمارات (الأدلة الواقع نمائية) ثم بالأصول (الأدلة الناظرة إلى الواجب العملي) (الأصل دليل حيث لا دليل)؛ ولكن هذا التصنيف عام جداً، وفي العمل بحاجة إلى وضوح أكبر. المشكلة تظهر حيث تكون الإمارات أو الأصول نفسها في تعارض. إذا لم يكن ترتيب الأدلة واضحاً، نواجه مشكلة في تعارض الإمارات مع بعضها. كذلك في تعارض الأصول مع بعضها. لأن محل مناقشتنا ليس الإمارات، نترك هذه المناقشة. فيما يتعلق بالأصول العملية، بفضل المناقشات الجادة والعميقة التي شكلت مؤخراً، تم تمييز أنواع مختلفة من الأصول عن بعضها، بحيث يمكن ترتيبها إلى حد ما. مثلاً في تصنيف أولي ربما يمكن طرح هذا الترتيب:

  1. الإمارات ٢) الأصل المحرز (الاستصحاب) ٣) الأصل الموضوعي أو السببي ٤) الأصل الشرعي (مثل البراءة والاحتياط الشرعي) ٥) الأصل العقلي (مثل الاشتغال والبراءة العقلية) ٦) الأصل الأولي العقلي (الإباحة والحظر).

مع ذلك، ما زالت هناك غموضات:

أ. فيما يتعلق بالرؤية المشهورة، السؤال الأول هو: هل بين الإمارات والأصول لا يوجد أي وسيط؟

في الموضوعات، توجد إمارات قضائية هي شاهد الحال أو ظاهر الحال، والتي للأسف تم التعامل معها أقل، ولذا ليست منضبطة، وسنشير إليها.

ولكن في الأحكام كيف؟ ألا يمكن اعتبار وسيط بين الإمارات المعتبرة والأصول؟ أن يقال إن موضوع الأصول هو الشك، والمراد من الشك فقدان الدليل المعتبر (لا حجة)، فكل الأدلة غير المعتبرة موضوع الأصول؛ هل له كلية؟ هل مثلاً إذا اعتبرنا الشهرة أو الغلبة أو الاستقراء غير التام بنفسه غير معتبر، ولكنه يسبب ظناً غالباً الذي في الواقع عند العقلاء يُفضل على الشك، ألا يمكننا هنا بسهولة جريان البراءة؟ ألا يمكن اعتبار هذه الفئة من الأدلة حد وسط بين الإمارات والأصول؟

بعض الأصوليين اعتبر آثاراً أخرى غير الحجية للظنون غير المعتبرة مثل الترجيح أو تضعيف السند. هذه المناقشة على الرغم من أنها ماهيتياً مختلفة عن مناقشتنا، ولكن يمكن أن تكون مفتاحاً للمسألة، ولا أقل من أن تجعل هذه المناقشة مستحقة للتأمل.

ب. السؤال الثاني الذي يوجد في الرؤية المشهورة هو: هل الاستصحاب دائماً مقدم على سائر الأصول حتى الاحتياط في الأمور المهمة؟! الملفت أن بعضهم لا يعتبر الخبر الواحد حجة في الأمور المهمة! فكيف لم تُطرح هذه المناقشة في الاستصحاب؟ مثلاً شخص كان كافراً حربياً، والآن نعتقد أنه أسلم، هل يمكننا جريان الاستصحاب وقتله؟

من جهة أخرى، اعتبار المال أموراً مهمة أيضاً يتبعه تحديات. هل حقاً الحديث النبوي المشهور الذي قال «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» يدل على أن هذين متشابهان من جميع الجهات؟ أو في صدد بيان الحكم التكليفي للحرمة أو أعم من الحرمة التكليفية والوضعية التي تشمل الضمان أيضاً؟ ولكن هل يمكن حقاً اعتبار المال من حيث كونه أمراً مهماً مثل الجان وجعل الاحتياط فيه إلزامياً؟ في كل مال ولو قليل! بالطبع، بعضهم سعى لاختصاص المال بالمال الكثير لتقليل ثقل هذا الأمر، ولكن ذلك أيضاً محل مناقشة، وعلاوة عليه، مبهم.

إذا الحقنا المال بهذا المسألة بالجان، فإن الكثير من الأمثلة الشائعة لدى الأصوليين في مناقشة البراءة، ستكون مكان الاحتياط. إذا شككت في أصل التكليف وفقاً للرأي المشهور، مكان البراءة. حسناً، إذا كانت المسألة مالية كيف؟ هنا، يُطرح بحث الدين والديون للآخرين. حتى في بحث الخمس والزكاة، إذا قبلنا مبنى التعلق بالفقراء لأنه أمر مهم يجب الاحتياط، حتى في حالات الدوران بين الأقل والأكثر استقلالياً حيث ينحل العلم الإجمالي؛ مثل المكان الذي نعلم يقيناً أننا مدينون ولكن لا نعرف مقداره مثلاً مائة مليون أو ١٥٠ مليون. بالطبع، هنا وفقاً للرأي المشهور، لأن الشك في المكلف به مكان الاحتياط؛ ولكن وفقاً لمبنى الكثير من المعاصرين، لأن العلم الإجمالي ينحل ويتحول إلى علم تفصيلي وشك بدوي، فالكمية المشكوكة مكان البراءة. نحن إذا كان لدينا مثلاً مائة مليون علم تفصيلي، في ٥٠ مليون إضافي عليه، يصبح شكاً بدوياً ومكان البراءة. الآن هل لأن المناقشة عن المال وتندرج تحت الأمور المهمة، يجب فيه الاحتياط؟ (إلا إذا قيل إن الاحتياط في جانب الشخص نفسه، مع الاحتياط في جانب الطرف المقابل يتعارضان ويتساقطان.)

في كل حال، غموضات من هذا القبيل ما زالت موجودة وتحتاج إلى تدقيق أكثر. وإلا، سنواجه نوعاً من عدم الانضباط في تطبيق الأصول العملية الذي في المسائل القضائية، يتبعه تحديات.

فقه معاصر: هل الاستخدام الكثير للأصول العملية في فقه القضاء أمر مرغوب ومطابق للقاعدة أم أن هذه الأصول يجب أن تُستخدم في حالات محدودة وطارئة؟

عابدي سرآسيا: إذا كان المقصود من الكثير، الإفراط مقابل التفريط الذي أشرنا إليه سابقاً، فهو مذموم قطعاً؛ وإلا فالاستخدام القليل أو الكثير بنفسه، لا مطلوبية له ولا مذمومية. بل أصلاً مقدار الاستخدام ليس بيدنا؛ مجرى كل منها عندما يتضح، في ذلك المجرى يجب العمل وفقاً للأصل. الآن أحياناً في بعض المسائل، الوصول إلى الأدلة والإمارات قليل، وطبيعياً نحتاج أكثر إلى الأصول، والعكس.

ولكن تعبير الاضطرار الذي نقول فقط في الحالات الطارئة يجب العمل بالأصول، ربما لا يكون مناسباً. ربما هذا التعبير أفضل أن نستخدم الأصول في مكانها الخاص. ولكن مكانها الخاص أين؟ بعد عملية اجتهادية لتحصيل الحجة. عملية اجتهادية ماذا تعني؟ تعني «بذل الجهد والوسع في تحصيل الحجة على الواقع»؛ أي الشخص يبذل كل جهده وقدرته ولكن لم يحصل على نتيجة، ويده قصيرة حقاً عن الأدلة الاجتهادية. بالطبع، الاضطرار بهذا المعنى – الذي نقول الآن أنه بذل جهده ولكن بدون ثمر، ويده قصيرة عن الأدلة والإمارات، فلا بد أن يتمسك بالأصول العملية – ليس بلا وجه، بل يمكن أن يكون له حسن أيضاً الذي يذكر دائماً للمجتهد أو القاضي أن الأصول العملية مثل أكل الميتة. حتى تحقق شروط الاضطرار بذلك البيان الذي عرضناه أن يبذل جهداً ولم يجد حقاً، حتى لم تتحقق تلك الشروط، لا يجب الذهاب إلى الأصول؛ وهذا جيد.

فقه معاصر: مع النظر إلى الطرق الحديثة لكشف الجريمة وكشف الواقع، هل ما زال الرجوع إلى الأصول العملية القضائية أمراً مرغوباً أم أن هذه الأصول جُعلت لزمان التشريع الذي كانت طرق كشف الجريمة وكشف الواقع محدودة؟

عابدي سرآسيا: الأصول لم تُوضع لزمان خاص، ومن هذا الوجه الرجوع إليها ما زال مرغوباً ومن هذه الجهة لا فرق. مجرى الأصل هو الشك، والمراد من الشك أيضاً – وفقاً لرأي الشيخ الأنصاري والأصوليين بعده – عدم الدليل المعتبر (لا حجة). بالطبع، الفرق من ناحية أخرى. طرق كشف الجريمة إذا كانت معتبرة، تزيل موضوع الأصل ولا تترك له مكاناً، ولكن لا تغير مجرى الأصل والإمارة؛ أي فقط في مقام العمل، تجعل مكانه أضيق وتقلل مصاديقه.

أُشير إلى أن الأصل في حال عدم وجود دليل آخر، مورد الاستناد. في المباحث القضائية يُطرح بحث أدلة إثبات الدعوى أو الجريمة أيضاً. مناقشة مهمة هي ما هي الأمور التي تعتبر دليلاً؟ أصلاً هل أدلة إثبات الجريمة توقيفية أم لا؟ هل لها طريقية أم موضوعية؟ هل طرق إثبات الجريمة الحديثة مقبولة؟ خصوصاً أن في الروايات ملاك القضاء إما البينة أو اليمين. أدلة مثل رواية النبوي (ص): «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان»، [١] هذا الحصر يبلغه بوضوح. بالطبع، محل مناقشة أن حصر القضاء بالبينة والأيمان، هل حصر إضافي أم حقيقي؟ إذا كان حصر حقيقي، فما تكليف سائر الأدلة مثل الإقرار وعلم القاضي؟

هذه المناقشة واسعة النطاق وبالطبع مفيدة جداً، ولكن هنا فقط أشير إلى تلك النقطة أن هل المراد من البينة، نفس المعنى المصطلح الفقهي (شهادة الشهود)؟ يبدو أن في هذا الحديث، المراد هو المعنى اللغوي: «البَيِّنَة في اللغة هي الحجَّةُ الوَاضِحَةُ أو دَلالَةٌ واضِحَةٌ، عَقْليَّة كانَتْ أَو مَحْسوسَة».[٢] فيما يتعلق بها، لم يثبت أي اصطلاح شرعي خاص خصوصاً في زمان النبي المكرم (ص)، وهذا الاستعمال اللغوي في القرآن الكريم أيضاً شائع جداً.[٣] يمكن تسمية هذا المعنى «بينة بالمعنى الأعم»[٤] الذي يتكون من كل شيء يبين ويوضح الأمر أو الحق.[٥] على هذا الأساس، حتى إقرار المتهم أو علم القاضي أيضاً – بالطبع في حال كونه مستنداً إلى شواهد ومدارك بينة – مصداق بينة عامة.

في حال قبول هذا الأمر أن ملاك القضاء هو البينة بمعناها العام – أي كل شيء عرفاً مبين وموضح للواقعية والحقيقة – فإن الطريق لطرق كشف الجريمة الحديثة يصبح ممهداً. بالطبع، تلك الحالات أيضاً ليس لها قيمة إثباتية متساوية ويجب بحثها وترتيبها؛ مثلاً اختبار الدي إن إيه مع الهيبنوتيزم أو جهاز كشف الكذب، ليس لهما قيمة إثباتية متساوية.

بعض الطرق الحديثة الأخرى لكشف الجريمة هي:

  1. التحليل الرقمي وتعدين البيانات (Digital Forensics & Data Analytics)؛ مثلاً استخدام البرمجيات الذكية في تحليل البيانات الكبيرة (Big Data) مثل المعاملات المصرفية، الاتصالات الهاتفية والأنشطة عبر الإنترنت، فعال في «كشف أنماط الجريمة» ومثلاً، تحديد شبكات غسيل الأموال من خلال تحليل المعاملات غير العادية. كذلك «استعادة المعلومات المحذوفة» واستخراج البيانات من الهواتف الذكية، الحواسيب وخدمات السحابة، تساعد بشكل كبير في كشف الجريمة.
  2. أنظمة التعرف على الوجوه (Facial Recognition)، بصمة الإصبع الرقمية ومسح القزحية.

تتبع الموقع الجغرافي (Geolocation Tracking)؛ مثل استخدام بيانات GPS للهواتف المحمولة، السيارات والتطبيقات لتحديد مكان وجود المتهمين في وقت ارتكاب الجريمة.

فك الشفرة للاتصالات المشفرة: استخدام الأدوات المتقدمة لكسر شفرات تطبيقات المراسلة مثل Signal أو WhatsApp (رغم أن هذا الموضوع من الناحية الأخلاقية والقانونية مثير للتحديات).

تكنولوجيا كشف الصوت وتحليل العواطف؛ مثل تحديد التوتر أو الكذب في صوت الأشخاص أثناء التحقيقات باستخدام الذكاء الاصطناعي.

إنترنت الأشياء (IoT) كعين ثالثة للقانون؛ مثل الأجهزة المتصلة بالإنترنت (مثل الكاميرات الأمنية الذكية، السيارات الذاتية القيادة وحتى التلفزيونات والثلاجات الذكية) التي يمكنها جمع بيانات قيمة من الأنشطة الإجرامية.

الهولوغرام والواقع الافتراضي (VR) لإعادة بناء دقيق لمشهد الجريمة وتصور ثلاثي الأبعاد للشواهد. هذه التكنولوجيا تساعد القضاة، هيئة المحلفين والخبراء على فحص المشهد بشكل واقعي والوصول إلى تفاصيل وزوايا منه غير مرئية في الصور ثنائية الأبعاد.

هذه الأنواع من الأدوات والشواهد، في حال كونها مطمئنة هي نفس البينات التي مبينة للحق والواقع ويمكن أن تكون ملاكاً للقضاء، ومن الواضح أن طالما لدينا بينة على الواقع، لا يصل الدور إلى الأصول العملية؛ لذا تحديد وتطبيق هذه البينات وتبيين مكانتها بدقة يساعدنا على أن نحتاج أقل إلى الأصول العملية.

فقه معاصر: لتقليل استخدام الأصول العملية في فقه القضاء والعقوبات، ما هي الحلول والاقتراحات البديلة التي لديك؟

عابدي سرآسيا: الحل الأول، هو نفسه الذي أشرنا إليه في المناقشة السابقة. مع التوضيحات السابقة يمكن القول إن موضوع الأصول العملية هو عدم البينة – بمعناها العام -. البينة أيضاً تعني الشيء الذي مبين وموضح للحقيقة والواقع. نحن كلما استطعنا في المرحلة الأولى – أي الاستناد إلى البينات العامة – العمل بدقة أكبر وكمال أكثر، فإن نطاق العمل بالأصول العملية يضيق ذاتياً.

بالطبع، مناقشة مهمة جداً ومصيرية هي مناقشة ترتيب الأدلة الذي يجب بحثه وتحديده مع النظر إلى ماهية وقيمة إثبات الأدلة. كما أشرنا سابقاً في الموضوعات، أدلة أخرى قبل الأصول العملية لها تطبيق، وهذا أيضاً من المسائل المهمة جداً وحقاً محل عمل. في المباحث القضائية، يُطرح بحث أدلة إثبات الدعوى أو الجريمة أيضاً. عجالةً يمكن طرح الحالات التالية بهذا الترتيب:

علم القاضي؛ ٢. الإقرار؛ ٣. السند الكتابي؛ ٤. الشهادة؛ ٥. الخبرة؛ ٦. الإمارات القانونية[٦]؛ ٧. الإمارات القضائية؛ ٨. اليمين؛ ٩. الأصول العملية.

رغم أن في ماهية أو التقديم والتأخير لهذه الحالات اختلاف. مثلاً هل الخبرة هي نفس الإمارة القضائية أم دليل مستقل؟ وإذا مستقل، هل قبل الإمارات واليمين أم بعدها؟ كذلك التحقيق المحلي والمعاينة المحل هل دليل مستقل أم نفس الإمارة القضائية (إشارة المادة ٢٥٥ قانون أصول المحاكمات المدنية للمحاكم العامة والثورية في الأمور المدنية) أم ملحق بالخبرة؟

كذلك تقديم وتأخير الإمارات القانونية والقضائية نسبة إلى بعضهما محل اختلاف. مثلاً الدكتور لنغرودي يرى الإمارات القانونية مقدمة على الإمارات القضائية ولكن هذا الرأي مورد شك. مثلاً شخص لديه حقيبة في يده (اليد: إمارة قانونية على الملكية) ولكن لا يعلم محتواها، ولكن شخص آخر لا يد له ولكنه يعلم محتواها (إمارة قضائية) يدعي ملكية تلك الحقيبة. في هذه الحالة أيها يجب تقديمه؟[٧]

قيل إن الإمارات القضائية في الفقه تُناقش تحت عنوان شاهد الحال أو ظاهر الحال. في أن عند تعارض الأصل والظاهر، أيهما مقدم اختلاف رأي. الكثير من الفقهاء يعتقدون إذا لم يكن دليل على حجية الظاهر يجب تقديم الأصل؛ ولكن بعض مثل المحقق القمي، يطرحون مناقشة مفصلة أن يجب تقديم الظاهر. [٨] المحقق الكركي يرى تقديم الظاهر على الأصل قول الأكثر ويعتقد بهذا الرأي. [٩] هذا الكلام مع الالتفات إلى أن ظاهر الحال له جانب إماري ونوعاً من الكشفية عن الواقع يتعزز.

يجب الالتفات إلى هذا الأمر أيضاً أن حتى لو فرضنا ظنية هذه الشواهد، ولكن لأنها في الموضوعات، قبولها أسهل جداً؛ لأن الكثير من الذين لا يقبلون حجية الظن المطلق ولكن يقبلون حجية الظن في الموضوعات، والكثير من الفقهاء عملوا بالظن في الموضوعات. صاحب الجواهر في مناقشة الظن بالقبلة يقول: «ولعل هذا موافقٌ للقاعدة المعلومة وهي قيام الظنّ مقام العلم عند التعذر في موضوعات الأحكام»: في موضوعات الأحكام عندما يتعذر الوصول إلى العلم، الظن يقوم مقام العلم (وله حجية). ثم يقول: «ولذا يرجع إلى قول اللغوي والنحوي والصرفي وأصالة العدم وأصالة البقاء والقرائن الظنية وقول أهل الخبرة في الأرش وأمثاله وقول الطبيب وغير ذلك من الظنون، إنما على الشارع بيان الحكم، ويرجع في موضوعه إلى الطرق المعروفة في تحصيله». [١٠] هذه النقطة الأخيرة له مهمة جداً أن في تحصيل الموضوع يجب الرجوع إلى الطرق المعروفة عند العرف والعقلاء. حسناً، بناء العقلاء وعرف الناس في هذه الأنواع من الحالات، عدم الحاجة إلى القطع والاطمئنان، ويعتبرون حصول الظن في تشخيص الموضوعات كافياً.

كذلك إذا قبلنا قاعدة الغلبة الأمر أوضح جداً. قاعدة الغلبة أو الأكثرية أو الحاق المشكوك بالغالب مع تعبير «الظن يلحق الشيء بالأعم الأغلب»، في الأصول القديمة كانت شائعة جداً (في الفصول، هداية المسترشدين، قوانين، و…). عندما في الأصول الجديدة أسست أصل حرمت التعبد بالظن، أصبحت أرضية للمعارضة لهذه القاعدة؛ في حين أن هذه القاعدة تتعلق بالموضوعات. حتى وفقاً لاعتقادنا على الرغم من أن الأصوليين المعاصرين لم يظهروا وجهاً حسناً جداً لهذه القاعدة، ولكن الكثير من القواعد الفقهية المسلمة مثل قاعدة الصحة وقاعدة اليد وحتى المسائل الأصولية مثل الأصول اللفظية والمفاهيم، جذورها في هذه القاعدة نفسها.

بالطبع قد يقال إن حتى لو قبلنا هذا الظن في الموضوعات، ولكن في باب القضاء بسبب أهمية وحساسية المسألة، نحتاج إلى دليل أقوى، لذا هنا لا يجب أن تكون هذه الأمور الظنية ملاكاً لإصدار حكم القاضي إلا إذا أدت إلى علم أو اطمئنان. هذا الكلام على الرغم من أنه ليس بلا وجه، ولكن يجب الالتفات إلى هذه النقطة أيضاً أننا في القضاء يجب أن نبذل كل سعينا لكشف الواقع، وأن نذهب سريعاً إلى الأصول العملية – التي تعني التنازل عن الواقع – رغم أنها ربما في الأحكام أو حتى الموضوعات في الحياة الشخصية لا تخلق مشكلة، ولكن في القضاء يمكن أن تؤدي إلى تجاهل واقعيات بدون الالتفات إليها، تضييع حقوق واسعة تحدث والقضاء يبتعد عن مسار العدالة والإنصاف وإحقاق الحقوق.

في كل حال، وفقاً لاعتقادنا، إذا كان ظاهر الحال يسبب علم أو اطمئنان فهو حجة قطعاً وليس بحثاً (رغم أنه لم يعد دليلاً مستقلاً ويعود إلى علم القاضي) ولكن في غير ذلك أيضاً إذا عاد إلى أمور مثل الغلبة، العادات الجماعية وعرف عملي أو فهم عرفي، فالظن الحاصل منه حجة. بالطبع كما أشرنا محل المناقشة هو تلك الفئة التي ليس لدينا دليل لصالحها أو ضدها، ومن هذا الوجه مثلاً الحالات التي بدليل خاص يتقدم الأصل ليست محل نزاع. الشهيد الثاني في تمهيد القواعد سرد بعض هذه الحالات. [١١]

مثال يمكن ذكره لظاهر الحال المستند إلى العرف هو مناقشة اختلاف الزوج والزوجة في دفع المهر. الشهيد الأول ذيل قاعدة «تغير الأحكام بتغير العادات» يطرح مثالاً. هذه القاعدة أيضاً وفقاً لاعتقادنا من القواعد التي تم التعامل معها بلا رحمة، وفيها لم يؤد حق المطلب، وحتى بعض اتهم الشهيد بسهو القلم؛ في حين أن القاعدة إذا فهمت صحيحاً هي من القواعد القضائية البديهية أو قريبة من البديهية. القاعدة تريد القول إذا كان موضوع أو متعلق الحكم أو بعض قيوده التي دخيلة في الحكم أمراً عرفياً وتغير ذلك العرف، فالحكم أيضاً يتغير تبعاً له. أحد أمثلة الشهيد هو إذا اختلف بين الزوجة والزوج بعد الزواج في قبض المهر. طبعاً الرجل يقول دفعت المهر والمرأة تقول لم أقبضه! في الرواية جاء أن نقدم قول الزوج، وهذا بسبب عرف ذلك الزمان الذي كانوا يقدمون المهر قبل عمل الزواج؛ لذا في مثل هذه الظروف، الحياة الزوجية نفسها ووقوع الزواج، ظاهر في أن المهر قبضته الزوجة. هنا على الرغم من أن الأصل عدم يدل على عدم قبض المهر، ولكن ظاهر الحال مقدم وقول الزوج مقبول. الملفت أن الشهيد الأول، في هذا المورد على الرغم من أن الحكم مروی ولكنه يقول في الزمان الحالي يساوي تقديم قول الزوجة! [١٢] لماذا؟ لأن العرف تغير. الآن العرف عكس وأصبحت المرأة قبل قبض المهر تذهب إلى بيت الزوج وتتشكل الحياة الزوجية والزواج؛ لذا هنا لأن ظاهر حال لا يوجد أو عكس السابق وموافق للأصل، يعمل بنفس مفاد الأصل الذي هو عدم قبض المهر.

بالطبع يساوي أن في مناقشة تعارض الأصل والظاهر، معنى هذين يصبح واضحاً تماماً، وربما مع التوضيح، النزاعات أيضاً تقل لأن أحياناً المراد من الأصل فقط الاستصحاب، وأحياناً المراد من الظاهر، الظاهر اللفظي الذي يُعتبر من الإمارات وتقدمه على الأصل مورد إجماع وليس مقصودنا هنا. أحياناً أيضاً مراد معاني أخرى. ما يساوي أن يكون محل نزاع في هذه المناقشة هو نفس الشيء الذي معادل الإمارات القضائية في الحقوق، وعجالةً يمكننا تعريفه هكذا:

المراد من الظاهر أو شاهد الحال، القرائن والشواهد التي في مورد ادعاء، تفضل أحد الطرفين الصدق والكذب على الآخر وتسبب ظناً نوعياً لمطلب؛ بالطبع بعض مثل الدكتور جعفري لنغرودي، القطع آور بودن، والأستاذ المحقق داماد، القطع أو الاطمئنان آور بودن را شرط دانسته‌اند[١٣] الذي ظاهراً هذا الشرط ليس ضرورياً، وإذا كان قطع أو اطمئنان آور فدليل مستقل لا يُعتبر ويعود إلى علم القاضي نفسه؛ نفس أن عرفاً يفضل أحد الطرفين الصدق أو الكذب للادعاء، وبعبارة تسبب ظناً نوعياً كافٍ؛ مثلاً شخص تم خطفه بشكل غير قانوني وفي الحبس، ارتكب عمل قانوني (مثل توقيع عقد) أو جريمة قانونية (مثل سرقة إنترنتية) ثم يدعي الإكراه، هذا الادعاء له بوسيلة شاهد الحال، يُؤكد. تحت الحبس غير القانوني، نوعاً يعزز الظن بالإكراه ويفضل صدق ادعاء المتهم. في مناقشة تعارض الأصل والظاهر، هذه المسألة تُطرح أن الآن إذا ادعى الشخص مثلاً الإكراه، هل يجب تقديم أصل عدم الإكراه أم الظاهر الذي حاكٍ عن الإكراه؟

في الكثير من الحالات يُصرح أن ادعاء المتهم في حال كان في حقه “إمكان” و”احتمال صدق” له يُقبل. [١٤] من الدقة في حالات تطبيق هذه العبارات يُحصل أن المراد من الإمكان والاحتمال، نفس الإمكان والاحتمال العرفي لا العقلي؛ لأن في جميع الحالات التي يطرح المتهم ادعاء شيء، عقلاً إمكانه واحتماله موجود؛ مثلاً قيل: إذا ادعى العبد أن صاحبه أكرهه على عمل شنيع، هذا الاحتمال والإمكان في حقه موجود ولكن إذا ادعى صاحب العبد أن عبده أكرهه، هذا الإمكان والاحتمال غير موجود. هذا المثال، على الرغم من أنه اليوم لا تطبيق له ولكنه يظهر جيداً أن مراد الفقهاء من الإمكان والاحتمال، نفس معناه العرفي، وفي الكثير من الحالات، مطابق لشاهد الحال.

نقطة واحدة نضيفها هنا أيضاً أن: مع الدقة في الحالات المختلفة يمكن الحصول أن في المسائل الجنائية، ترتيب الأدلة بهذا الشكل أن أولاً إلى أدلة مثل العلم والإقرار والبينة (والإمارات القانونية)، ثم إلى شاهد الحال، بعد ذلك إلى قاعدة الدرء وأخيراً إلى الأصول العملية والعقلائية يُلتفت. ولكن في المسائل المدنية، قاعدة الدرء غير موجودة وبعد شاهد الحال، يصل الدور إلى الأصول العملية والعقلائية. في الأمور المدنية إذا لم تكن بينة أو شاهد حال، يُعمل بالأصول العملية مثل الاستصحاب وأصل عدم أو الأصول العقلائية مثل أصالة الجد وأصل عدم السهو والخطأ؛ ولكن في الأمور الجنائية، قاعدة الدرء مقدمة على هذه الأصول.

فيما يتعلق بقلمرو قاعدة الدرء أيضاً على الرغم من الاختلاف ولكن وفقاً لرأينا، مع بحث الأدلة المتعلقة بقاعدة الدرء، وكذلك عبارات وكلمات الفقهاء، يُعلم عمومية هذه القاعدة نسبة إلى جميع العقوبات الإسلامية (الحدود، القصاص، التعزيرات الشرعية وحتى التعزيرات الحكومية). ولكن في الديات والمسائل المدنية لا تطبيق لها.

محل النزاع هو المكان الذي يواجه القاضي شواهد وقرائن عرفية تكون نوعاً ظن آور ويمكن عرفاً أن تكون مؤيدة لصدق أو كذب ادعاء. وفقاً لاعتقاد الكثير من الفقهاء، هذه الأنواع من الشواهد، مقدمة على الأصول العملية والعقلائية أيضاً.

مثال ١: شخص يدعي الإكراه أو الاضطرار بدون شك، حالة سابقه عدم الإكراه وفقدان الاضطرار وبجريان أصل الاستصحاب، لا يبقى شك وادعاؤه يُرد؛ ولكن إذا كان مثل هذا الشخص رهينة، ادعاؤه بدون حاجة إلى دليل، وباستناد إلى شاهد الحال، يُقبل؛ لأن الحالة الغالبة في الرهينة وسرقة الإنسان والحبس غير القانوني، الإكراه والتهديد وممارسة الضغط. [١٥] (ظاهر الحال مستند إلى الغلبة)

مثال ٢: إذا دخل شخص عدوانياً ومسلحاً منزل غير، وقتله صاحب المنزل وادعى الدفاع المشروع، في حال عدم بينة ضد أو لصالح القاتل بناءً على نفس شاهد الحال، يُحكم بصدق ادعائه ويُبرأ. [١٦]

من جهة أخرى أحياناً “شهادة الحال”، ضد متهم.

مثال ٣: إذا تم القبض على شخص بكميات كبيرة من الأوراق النقدية المزورة، يدعي أنه أخذها من السوق ولا يعلم بتزويرها ولكن في منزله تم اكتشاف أدوات ولوازم تزوير الأوراق النقدية، ادعاؤه يُرد وضده يُحكم.

مثال ٤: إذا تم القبض على مدمن مع كمية من المخدرات وادعى أنه لا يعرف المخدرات وهذه المواد، اعتقد أنها أشياء أخرى غير المخدرات يحملها، هذا الادعاء له بناءً على شاهد الحال يُرد.

مثال ٥: المادة ١٢١ قانون التعزيرات تقول:

«كل من جنساً بجنس آخر يُعتبر أو يبيع قليلاً وبشكل عام كل من يخدع الزبون من حيث الكمية أو النوعية المبيع يُحكم عليه بالجلد حتى ٧٤ ضربة».

في المورد أعلاه إذا كان صاحب متجر ارتكب مثل هذا العمل نسبة إلى أشخاص متعددين، يدعي أنه خطأً اعتبر جنساً بجنس آخر أو لم يكن قصده الخداع، هذا الادعاء له يُرد؛ لأن خبرته في تمييز مثل هذه السلع بسبب اشتغاله بهذا العمل وكذلك تكرار هذا العمل، نفسها دليل على العمد وقصد الخداع.

مثال ٦: إذا ادعى شخص يعيش في أرض إسلامية أنه جاهل نسبة إلى تحريم الخمر أو الزنا، هذا الادعاء له غير مقبول على الرغم من أن الأصل عدم العلم (لأن الإنسان في بدء الولادة غير مدرك لهذه الأمور)؛ ولكن أصل عدم وبالتالي أصل البراءة هنا لا يجري؛ لأن شهادة الحال مقدمة على هذه الأصول.

في حديث صحيح، أبي عبيدة من الإمام الصادق عليه السلام في مورد امرأة يسأل التي على الرغم من وجود زوج، تزوجت مرة أخرى؛ الجواب أنه إذا كان لديها تمكن من العلاقة الجنسية مع زوجها تُرجم، وفي غير ذلك، تُجلد، الراوي يسأل إذا كانت جاهلة بحرمة عملها؟ قال: أليست في دار الهجرة (أرض المسلمين) تعيش؟ قلت: بلى. قال: ما من امرأة اليوم من نساء المسلمين إلا وهي تعلم أن المرأة المسلمة لا يحل لها أن تتزوج زوجين، وقال: لو أن المرأة إذا فجرت قالت: لم أدر أو جهلت أن الذي فعلت حرام ولم يقم عليها الحد إذاً لتعطلت الحدود. [١٧]

في حديث معتبر آخر، يزيد الكناسي أيضاً في مورد امرأة في عدة الطلاق الرجعي ارتكبت الزنا يسأل. الإمام الصادق عليه السلام يرى حكمها الرجم. الراوي يسأل إذا كانت جاهلة؟ الإمام عليه السلام يجيب: «ما من امرأة مسلمة إلا وتعلم أن في الطلاق أو الموت، العدة عليها واجبة». [١٨]

كما يُلاحظ، الإمام، العيش في أرض الإسلام في ذلك الزمان أخذ إمارة علم المرأة بحرمة الأعمال المذكورة، ونفس شاهد الحال هذا، سبب نفي الشك والشبهة ولا يصل الدور إلى الأصول العملية أو حتى قاعدة «الدرء».

لذلك، أول عمل يجب أن يتم لتقليل الاستناد إلى الأصول العملية هو أن يُحدد واجب مجموعة الأمور التي يمكن للقاضي الاستناد إليها من حيث الحجية والاعتبار وكذلك من جهة ترتيب الأدلة بوضوح. ولكن عمل ثان يبدو ضرورياً أيضاً وهو التركيز أكثر على الواقعية بدلاً من التكليفية أو حتى القصدية الظاهرية التي سأشير إليها في المناقشة التالية.

فقه معاصر: هل استخدام الأصول العملية الشرعية غير العرفية، مسألة «القضاء» الذي أساسه على حل النزاع وإقناع الطرفين بمراعاة العدالة لا يواجه تحدياً؟

عابدي سرآسيا: ما المراد من الأصول العملية الشرعية غير العرفية؟ بمعنى واحد، الأصول العملية كلها عرفية وعقلائية حتى الأصول الشرعية مثل البراءة الشرعية التي موضوعها عدم العلم؛ لأن عقلاً أيضاً الجهل القصوري يُعتبر معذراً. الاستصحاب والاشتغال والتخيير في الدوران بين محذورين أو متزاحمين في فرض فقدان مرجح، كلها أمور عرفية وعقلائية. هذا التقسيم إلى شرعي وعقلي باعتبار دليله وإلا مفاد حديث الرفع مثلاً الذي دليل البراءة الشرعية نفسه أمر عقلائي. بالطبع الحالة الوحيدة التي حقاً يمكن تسميتها شرعية غير عرفية، التخيير في الروايات المتعارضة في فرض عدم إمكان الجمع العرفي وعدم وجود مرجح. هنا القاعدة العقلائية هي التساقط ولكن الشارع المقدس من باب الإرفاق والتسهيل ولرفع الحيرة، أذن بالتخيير؛ لذا هنا التخيير غير عرفي. الذي بالطبع هذا التخيير لأنه مختص بالروايات المتعارضة وفي سائر الأدلة المتعارضة، لا دليل على التخيير؛ لذا في بحث القضاء في الزمان الحالي الذي القضاة قليل الحاجة إلى الرجوع المباشر إلى الروايات، لا مكانة كبيرة له.

ولكن بعيداً عن هذه المناقشة، في الكل ربما يمكن القول: الاستناد إلى الأصول العملية في القضاء مع الهدف الغائي له (الذي هو العدالة وإحقاق الحقوق) غير متناسب وفقط في تناسب مع هدفه المتوسط (الذي هو فصل الخصومة) وضعت؛ أي كأن الشارع لأنه رأى يد القاضي قصيرة عن الوصول إلى الهدف الرئيسي – الذي هو تحقيق العدالة في ظل كشف الواقع – ومن جهة أخرى، استمرار الحيرة والسرگردانية والنزاع والخصومة لا يراه صلاحاً، مع الاعتراف بهذه الأصول – التي في الحقيقة نوع من الافتراضات القانونية – أراد أن يفصل الخصومة والنزاع – مع التنازل عن الواقع المجهول – وبطريقة ضابطة؛ الذي بالطبع هذا نفسه نوعاً من العدالة النسبية يُعتبر ولكن ليس المطلوب الذاتي وفي مقارنة مع العدالة الواقعية ضئيل جداً. على هذا الأساس هو أن الإفراط في تطبيق الأصول العملية، يبعدنا عن الهدف الغائي للقضاء الذي هذا نفسه في الحقيقة جذر في تحدي الواقعية أو التكليفية.

في توضيح هذا الأمر، نقطة أخرى التي وعدنا سابقاً بها نبينها. سابقاً قلنا أن أحد الأعمال التي إذا تمت، ذاتياً الرجوع إلى الأصول العملية يقل هو أن في أصول الاستنباط بدلاً من التكليفية أو حتى القصدية الظاهرية، نركز على الواقعية. هذه المناقشة واسعة النطاق ونسعى للإشارة إليها مختصرة ومؤقتة.

فقهاؤنا في كشف الأحكام وفي مقام الإفتاء تكليفيون؛ أي لا يتبعون كشف الواقع بل يتبعون كشف التكليف؛ أي الشيء الذي يكون معذراً ومنجزاً. حتى في فهم الأدلة اللفظية التي نوعاً تعتبر قصدية وتتبع نية الشارع، قصديون ظاهريون لا قصديون واقعيون؛ ولهذا السبب، ملاك حجية الظهورات لا يرونه حصول الاطمئنان الشخصي؛ لذا يعملون بالظهور النوعي والشأني لا الظهورات الشخصية والفعلية. بمعنى واحد، يجب القول حتى أصول فقهنا أيضاً لم تُصمم لكشف الواقع بل للوصول إلى القصد الظاهري وكشف التكاليف المعذرة وضعت. بالطبع، هذا النوع من النظر في مكانه ربما جيد ومطلوب وبالطبع محاسن ومعايب له أيضاً وليس سيئاً الالتفات إلى النظريات البديلة أيضاً الذي ليس موضوع مناقشتنا.

ولكن ما له أهمية لنا في هذا المقام هو أن مقام القضاء مختلف عن مقام الإفتاء. في مقام القضاء، الهدف إحقاق الحق ومراعاة العدالة والإنصاف. حتى ربما يمكن القول فصل الخصومة أيضاً هدف متوسط والهدف الغائي نفس العدالة وإحقاق الحق وفي هذه الحالة هو أن فصل الخصومة الواقعي يتشكل وجذر النزاع نوعاً يُرفع. مع هذا التوضيح يتضح أن ما في مقام القضاء مرغوب هو كشف الواقع ومن هذا الوجه يجب إعادة النظر في أصوله وتكييفها وتوسيع طرق كشف الواقع أو تعزيزها والأصول التي فقط لرفع الحيرة في مقام العمل وضعت وناظرة إلى الواجب العملي تقتصر جداً وإلى نفس حد الضرورة –بذلك المعنى الذي قلنا سابقاً – فيها يُكتفى.

في النهاية بعض اقتراحات لتكميل المناقشة تُطرح:

إعادة النظر في أهداف الفهم: هدف فهم النصوص الشرعية بشكل عام والنصوص الفقهية بشكل خاص والنصوص القضائية بشكل أخص، يُعاد النظر فيه. أهداف مثل القصدية الواقعية، كشف الحقيقة الخارجية (من هايدهغر)، كشف الحقيقة الداخلية للنص (من رولان بارت) وفهم العصري (من غادامر)، بعض الأهداف التي لها قابلية الطرح في النصوص الدينية.

تدوين دلائل عملية: إنشاء دلائل عملية للقضاة والمحامين في مجال التفسير واستخدام أدلة الإمارات والأصول العملية يمكن أن يساعد في تقليل التفسيرات المتنوعة والغير متناسقة. لهذا العمل يجب مجموعة الأمور التي في مقام القضاء يمكن أن تكون مورد استناد القاضي – سواء الأمور التي واقع نمائية أو الأمور الناظرة إلى فصل الخصومة ورفع الحيرة في مقام العمل – تحديد وفهرسة وبناءً على ماهية وقيمة إثباتية، ترتيبها. كلما كانت هذه الفهرسة أدق وأكمل وترتيبها أدق تساعد الانضباط القضائي أكثر. مثلاً: ١. علم القاضي؛ ٢. الإقرار؛ ٣. السند الكتابي؛ ٤. الشهادة؛ ٥. الخبرة؛ ٦. الإمارات القانونية؛ ٧) الإمارات القضائية (والتحقيق المحلي والمعاينة المحل)؛ ٨. اليمين. ٩. الأصل المحرز (الاستصحاب) ١٠. الأصل الموضوعي أو السببي ١١. الأصل الشرعي (مثل الاحتياط والبراءة الشرعية) ١٢. الأصل العقلي (مثل الاشتغال والبراءة العقلية)١٣. الأصل الأولي العقلي (الإباحة والحظر). هذه الفهرسة قطعاً ناقصة وترتيبها أيضاً محل مناقشة الذي أشرنا إلى بعض حالاتها سابقاً. (في الأدلة الشرعية أيضاً مشابه هذا العمل ضروري.)

حوارات علمية وبحوث جماعية: تشجيع الحوارات العلمية والبحوث الجماعية بمشاركة الفقهاء والحقوقيين خصوصاً الأشخاص الذين لديهم تجربة عمل قضائي يمكن أن يساعد في تحسين الفهم والتفسير الصحيح وكذلك تطبيق شايسته للأدلة والإمارات والأصول العملية وفي النهاية يؤدي إلى تعزيز النظام القضائي.

تعليم القضاة والمحامين: عقد دورات تعليمية للقضاة والمحامين في مجال الأدلة والإمارات والأصول العملية وتفسيرها وتطبيقها الصحيح يمكن أن يساعد في تقليل التعارضات والغير متناسقات.

إنشاء مؤسسات رقابية: تأسيس مؤسسات رقابية لفحص وتقييم تطابق القرارات القضائية مع الأدلة والأصول العملية يمكن أن يساعد في زيادة الشفافية والانسجام.

مع النظر إلى هذه التحديات والحلول، يمكن المساعدة في تحسين استخدام الأصول العملية القضائية وتقليل الأضرار الناتجة عنها.

[١] – مستدرك الوسائل؛ كتاب القضاء، باب ٣ من أبواب أحكام الدعوى.

[٢] – تاج العروس من جواهر القاموس؛ ج‌١٨، ص: ٨٤

[٣] – كقوله تعالى «أَ فَمَنْ كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ»« هود؛ ١٧» وقوله «حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ» « البينة؛ ١» وقوله «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ». بالطبع استعمال البينة بمعنى الشهود العادل، في باب الدعاوى شائع والادعاء بحقيقة شرعية أو متشرعة هناك بعيد ليس؛ إلا إذا قيل: منشأ ذلك الاستعمال، كثرة الشهود وقلة سائر البينات في حين أن كثرة الوجود، لا تسبب انصراف المطلق عن إطلاقه.

[٤] – كما أن الحصر المستفاد من كلمة «إنما» في النبوي متسق مع معنى أخص البينة ليس، والبينة بمعنى أعم، تشمل الاستفاضة وعلم القاضي بل الإقرار أيضاً. حتى يمكن القول: علم محض القاضي الذي ناشئ من الحدس (أو أمور مثل العلم اللدني الذي غير مستند إلى شواهد عرفية) لا يُعتبر بينة والحديث النبوي غير شامل له؛ بل مورد الحديث وغرض بيانه الاحتراز من مثل هذه الحالات؛ ولكن العلم المستند إلى شواهد وقرائن يبقى تحت شمول البينة بمعنى أعم.

[٥] – قد يقال: البينة في الحديث لا يمكن أن تكون بمعناها اللغوي لأن في هذه الحالة فصل القسم عن البينات غير صحيح؛ لأن القسم أيضاً من جزء من البينة بمعناها اللغوي (الأمور الموضحة للحق والواقع) يُعتبر. بعض بهذا الإشكال هكذا أجابوا أن: ظاهر البينة بمعنى الشيء الذي مع صرف النظر عن مقام القضاء موضح الأمر والواقع في حين أن القسم ليس كذلك وفقط بالنظر إلى مقام القضاء في حقوق الآخرين يُعتبر موضحاً.(تبریزي، میرزا جواد، أسس القضاء والشهادة، ص٧٨) لهذا الإشكال يمكن إجابة أخرى أيضاً مبنية على أن: ربما التفريق بين هذه البينة واليمين في الرواية، حسب الفرق في متكفلها من نظر غالب؛ لأن وفقاً لقاعدة «البَيِّنَة على المُدَّعِي واليَمين على مَن أنكَرَ» وهذا الاستعمال وحالات مشابهة له، نفسه قرينة على أن مقصود البينة في هذه الأنواع من الروايات، غير اليمين؛ بل حتى بعيد ليس في استعمالات الشارع التي كثرة لها أيضاً البينة منصرفة عن اليمين نعلم.

[٦]. الإمارات القانونية أوضاع وأحوال التي القانون جعلها دليلاً على أمر.( جعفري لنغرودي، محمد جعفر، ترمينولوجيا الحقوق، ص۷۷، طهران، انتشارات كتابخانه گنج دانش، طبع نوزدهم، عام ۱۳۸۷.) في المادة ۱۳۳۲ قانون مدني في الإمارات القانونية قيل أن: الإمارات القانونية إمارات التي القانون جعلها دليلاً على أمر، مثل الإمارات المذكورة في هذا القانون، من مواد ۳۵، ۱۰۹، ۱۱۰، ۱۱۵۸ و ۱۱۵۹ وغيرها وسائر الإمارات المصرحة في قوانين أخرى.

اليد والفراش، حالتان من الإمارات القانونية التي الأولى دليل الملكية والثانية دليل النسب الشرعي.

[٧] على الرغم من أن هذا المورد اختلافی ولكن يبدو في تعارض هذين إذا كانت الإمارة القضائية تسبب قطع أو على الأقل اطمئنان من باب علم القاضي مقدمة وإلا يجب اعتبار الإمارة القانونية مقدمة؛ مثل المكان الذي قاعدة الفراش تثبت نسب شرعي الولد ولكن الشبه الظاهري للولد مع الزاني، خلاف ذلك.

[٨] ميرزاي قمي، أبوالقاسم بن محمدحسن، القوانين المحكمة في الأصول (طبع جديد) – قم، طبع: أول، ١٤٣٠ ق.

[٩] – المحقق الكركي، جامع المقاصد في شرح القواعد، ج‌١٢، ص: ٤٧٩

[١٠] – نجفي، محمد حسن، جواهر الكلام، ج٧ ص٣٤٥

[١١] – الشهيد الثاني، تمهيد القواعد، ص٣٠٠

[١٢] – الشهيد الأول، القواعد والفوائد، ج‌١، ص: ١٥٢

[١٣] – الإمارات القضائية نفس الأوضاع والأحوال التي برأي القاضي تعرف دليلاً على أمر، أي القاضي من تلك الأوضاع والأحوال نسبة إلى الأمر المجهول يحصل على قطع ويقين ونوعاً تصحيح إعلانات أحد طرفي الدعوى.(جعفري لنغرودي، محمد جعفر، ترمينولوجيا الحقوق، ص۷۸) الأستاذ المحقق داماد أيضاً يعتقد حتى الوقت الذي ظاهر الحال أي القرائن والأوضاع والأحوال تسبب يقين أو على الأقل اطمئنان القاضي، غير قابل للاتباع.( المحقق داماد، سيد مصطفى، أصول فقه، دفتر سوم، ص۱۸۶)

[١٤] – من ضمن في قانون العقوبات، مادة ١٦٦، تبصرة ١ – في حالة إذا الشارب ادعى جهل بالحكم أو الموضوع وصحة ادعائه محتمل لا يُحكم عليه بالحد.

[١٥] – المبسوط ، الشيخ الطوسي ، ج ٣ ، ص ٣٦؛ المهذب ، القاضي ابن البراج ، ج ١ ، ص ٤١٤؛ السرائر ، ابن إدريس الحلي ، ج ٢ ، ص ٥١٤؛ جامع المقاصد ، المحقق الكركي ، ج ٩ ، شرح ص ٢٠٨؛ الدروس ، الشهيد الأول ، ج ٣ ، ص ١٢٩؛مجمع الفائدة ، المحقق الأردبيلي ، ج ١٣ ، شرح ص ٣١٥؛ الينابيع الفقهية ، علي أصغر مرواريد ، ج ١٢ ، ص ١٤٠.

[١٦] – المبسوط ، الشيخ الطوسي ، ج ٨ ، ص ٧٨؛قواعد الأحكام ، العلامة الحلي ، ج ٣ ، ص ٥٧٢؛ تحرير الأحكام ، العلامة الحلي ، ج ٥ ، ص ٣٨٦؛ اللمعة الدمشقية ، الشهيد الأول ، ص ٢٤٧؛شرح اللمعة ، الشهيد الثاني ، ج ٩ ، ص ٣٥١ – ٣٥٢؛ كشف اللثام (ط.ج) ، الفاضل الهندي ، ج ١٠ ، ص ٦٥٦؛ جواهر الكلام ، النجفي ، ج ٤١ ، ص ٦٦٣ – ٦٦٤؛ مجمع الفائدة ، المحقق الأردبيلي ، ج ١٣ ، شرح ص ٣١٢ – ٣١٣؛ تقريرات الحدود والتعزيرات ، تقرير بحث الگلپايگاني ، لمقدس ، ج ٢ ، ص ٢٠٣ – ٢٠٥.

[١٧] – نص الحديث هكذا: «… قلت: فإن كانت جاهلة بما صنعت قال فقال: أليس هي في‏دارالهجرة؟ قلت: بلى قال: ما من امرأة ‏اليوم من نساء المسلمين إلا وهي تعلم أن المرأة المسلمة لايحل لها أن تتزوج زوجين، قال ولو أن المرأة إذا فجرت قالت: لم أدر أو جهلت أن الذي فعلت حرام و لم يقم عليها الحد إذا لتعطلت الحدود» (حرعاملي، وسائل الشيعة، ج ١٨، أبواب حد زنا، باب ٢٧، حديث ١).

[١٨] – نفس، حديث ٣.

Source: External Source