مصطفى دُرّي (رئيس التحرير)

الأصول العملية القضائية/30

غير أنّ الأصول العملية القضائية لا تنحصر في الأصول العملية الأربعة المشهورة في أصول الفقه الشيعي، وهي: الاستصحاب، والبراءة، والتخيير، والاحتياط؛ بل تنضمّ إليها أصول خاصة أخرى تختصّ بباب فقه القضاء. فعلى سبيل المثال، تُعدّ قاعدة الدرء إحدى القواعد الفقهية الخاصة بفقه القضاء، وهي في حقيقتها ذات ماهية الأصل العملي، وتُطرح بوصفها أصلًا عمليًا قضائيًا في الفقه الجزائي.

خلال العقود الأخيرة، ولا سيما بعد انتصار الثورة الإسلامية الذي أفضى إلى حاكمية علم الفقه في البلاد، ظلّ هذا السؤال مطروحًا: هل يمكن، بالاستناد إلى الأصول العملية التي لا تتجاوز وظيفتها رفع التحيّر ولا تقوم على أساس الكشف عن الواقع، تدبير شؤون الناس الدنيوية، وهو من المهام الأساسية للسلطة الحاكمة؟

ومن ميادين حياة الناس التي يتعيّن على السلطة الحاكمة تدبيرها المجال القضائي. ومن اللافت أنّ الأصول العملية تؤدي دورًا بالغ الأهمية في هذا المجال أيضًا، وأنّ كثيرًا من النزاعات التي تُحال إلى المحاكم تنتهي إلى حكم قضائي بالتمسّك بهذه الأصول العملية نفسها. غير أنّ الأصول العملية القضائية لا تنحصر في الأصول العملية الأربعة المشهورة في أصول الفقه الشيعي، وهي: الاستصحاب، والبراءة، والتخيير، والاحتياط؛ بل تنضمّ إليها أصول خاصة أخرى تختصّ بباب فقه القضاء. فعلى سبيل المثال، تُعدّ قاعدة الدرء إحدى القواعد الفقهية الخاصة بفقه القضاء، وهي في حقيقتها ذات ماهية الأصل العملي، وتُطرح بوصفها أصلًا عمليًا قضائيًا في الفقه الجزائي.

وهنا ينبغي الالتفات إلى أنّ علم أصول الفقه قسّم الأدلة إلى قسمين: ما يكشف عن الواقع، وهو الأمارات، وما يرفع التحيّر، وهو الأصل العملي؛ خلافًا للقواعد الفقهية التي لم يجرِ فيها مثل هذا التقسيم. ومن ثمّ، لم تُطرح بعض القواعد الفقهية التي لا تتجاوز وظيفتها رفع التحيّر ولا تكشف عن الواقع بوصفها أصولًا عملية؛ بل أُدرجت جميعها تحت العنوان العام للقواعد الفقهية.

تسعى المجلة الإلكترونية «الأصول العملية القضائية» إلى استقصاء هذه الأصول الخاصة وبيان أبعادها وتداعياتها المتنوعة.

يُخصَّص الفصل الأول من المجلة لبيان ماهية هذه الأصول وأبعادها. ونظرًا إلى أنّ هذه الأصول لم تحظَ، في علم الفقه والمؤلفات الفقهية، إلا بقدر قليل من البحث المستقل والمختص بباب القضاء، فإنّ هذا الفصل يكتسب أهمية مضاعفة.

إذا اعتبرنا الظاهر بمنزلة الأمارة أو إحدى الأمارات، فإنّ الحديث عن تعارض الأصل والظاهر سيكون بمنزلة الحديث عن تعارض الأمارات والأصول العملية في فقه القضاء. ولكن هل كل ظاهر حجة ومقدَّم على الأصل؟ يتناول الفصل الثاني هذا الموضوع.

بقدر ما يفضي التمسّك بالأصول العملية في علم الفقه عمومًا إلى تحديات، تتضاعف هذه التحديات عند التمسّك بالأصول العملية القضائية في فقه القضاء؛ إذ يدور الحديث في هذا الباب الفقهي حول الحكم بالقصاص، وردّ المال، والتصرّف في أنفس الناس وأموالهم وأعراضهم. «تحديات التمسّك بالأصول العملية القضائية في فقه القضاء» هو عنوان الفصل الثالث من هذه المجلة.

وكما ينقسم علم القانون إلى قسمين: جزائي ومدني، فإنّ الفقه القضائي يشتمل أيضًا على قسمين: حقوقي وجزائي. وهذا ما دفعنا إلى دراسة مكانة الأصول العملية القضائية، ضمن فصلين مستقلين، في الفقه الجزائي والفقه المدني.

لعلّه يمكن القول إنّ أصلَي البراءة والاستصحاب يتمتعان، من بين الأصول العملية القضائية، بمكانة متميزة مقارنة بسائر الأصول، كما أنّ موارد تطبيقهما تفوق بكثير موارد تطبيق سائر الأصول العملية القضائية. ويبحث الفصلان السادس والسابع من هذه المجلة، كلٌّ على حدة، أبعاد تطبيق هذين الأصلين القضائيين المهمين والتحديات التي تعترضه.

وعلى أي حال، فإنّ التمسّك بالأصول العملية في القضاء ليس أمرًا مختصًا بالفقه الإسلامي أو الفقه الشيعي؛ بل إنّ سائر الأديان والمذاهب تستفيد أيضًا من هذه الأصول، ولا سيما من أصول مثل أصل البراءة، على نطاق واسع في عملية القضاء وحلّ النزاعات. وقد تناولنا في الفصل الثامن مكانة الأصول العملية القضائية لدى مختلف مذاهب أهل السنة، وفي الفصل التاسع مكانة هذه الأصول لدى الأديان والمدارس القانونية غير الإسلامية.

وكما هو الحال في سائر المجلات الإلكترونية التابعة لمعهد دراسات الفقه المعاصر، خُصِّص الفصل الختامي أيضًا لخلفية الأصول العملية القضائية. ويشتمل هذا القسم على فهرس المقالات، والبيبليوغرافيا، وعرض كتاب مهم في هذا الموضوع.

تمثّل هذه المجلة خطوة قصيرة ومتواضعة في سبيل تناول موضوع الأصول العملية القضائية بجدية واستقلال. ونأمل أن تكون بداية لمسار يستكمله الباحثون وأساتذة فقه القضاء. آمين.