إشارة: لا يزيد عمر طرح حق الكرامة بوصفه حقاً «إنسانياً» لا «إيمانياً»، وكذلك بوصفه قاعدة فقهية، على بضع سنوات؛ وهو يواجه من المعارضين المتشددين بقدر ما له من مؤيدين جادّين. ويستدل المؤيدون بآيات القرآن وروح الدين، فيما يطرح المعارضون النصوص المخالفة له ويبدون قلقهم من تقويض البنية العريقة للفقه. غير أن الدكتور عبد المجيد مبلّغي يرى أن الخلاف حول حق الكرامة له جذور أخرى أيضاً، وأن قبوله سيترتب عليه آثار كثيرة. ويتحدث عضو الهيئة العلمية في معهد البحوث للعلوم الإنسانية والدراسات الثقافية، في هذا الحوار الخاص، عن التحديات الفقهية لقبول حق الكرامة الإنسانية.
الفقه المعاصر: ما هو حق الكرامة، وما أبعاده؟
مبلّغي: يقوم حق الكرامة الإنسانية، بصورة محددة، على هذا المنهج المهم، وهو أن لكل إنسان قيمة ذاتية ووجهاً من وجوه الشرف يجعله مستحقاً للاحترام، وعدم الإهانة، وبمعنى ما، للتمتع بمجموعة من أشكال الحماية والفرص. وإذا أردنا أن نستخدم لغة فقهية أيضاً، فينبغي أن نميّز ونفرّق بين ثلاث مسائل أو نقاط: الكرامة بوصفها صفة وجودية ناشئة من أمر وجودي وإلهي، أي ما منحه الله للإنسان؛ والكرامة بوصفها قاعدة أخلاقية عامة؛ والكرامة في إطار حق الكرامة، الذي يمثل وضعاً حقوقياً إلزامياً في الأنظمة القانونية والفقهية.
وعليه، فللكرامة أبعاد مختلفة. فمن جهة، يمكن النظر إليها من منظور ديني داخلي والتمسك بالآيات والروايات، كما يمكن النظر إليها من منظور ديني خارجي.
ومن البعد الكلامي، فإن إثبات الكرامة هو في الحقيقة إثبات صفة من الصفات الإنسانية التي جعلها الله في متناول الإنسان.
ومن المنظور الأخلاقي، يعني قبول حق الكرامة وجوب احترام الأفراد والمجتمع لسائر البشر. ولهذا الاحترام أنواع مختلفة، تشمل المنع من إهانة الآخرين، والمنع من تحقيرهم، والمنع من تعذيبهم، وبصورة عامة، المنع من تجاهل جميع الحقوق الأساسية والجوهرية.
ويشمل البعد القانوني والقضائي للكرامة مسائل من قبيل الحق في الحياة، والحق في السلامة الجسدية، والحق في محاكمة عادلة، والحق في عدم الملاحقة القضائية، وما إلى ذلك. وبصورة محددة، فكلما منعنا قانونياً التعرّض لأحد شؤون الإنسان، فإننا في الحقيقة ندافع عن البعد القانوني لحق الكرامة.
ويمكن أيضاً القول بوجود بُعد سياسي، بل مواطني، للكرامة؛ كما في الحديث عن حق المشاركة، والحق في عدم التمييز في المؤسسات العامة والبنى البيروقراطية والتكنوقراطية.
بل يمكن الحديث كذلك عن البعد الاجتماعي والاقتصادي؛ مثل الحق في التمتع بالحد الأدنى من احتياجات الحياة في مجال المسائل الاجتماعية والاقتصادية.
الفقه المعاصر: هل إن آية «لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ»، بوصفها أهم دليل على قبول حق الكرامة، واردة في مقام البيان والإطلاق ونفي الكرامة عمن سوى بني آدم، أم إنها مجرد بيان وصفي غير احترازي وغير مطلق؟ وكيف يمكن إثبات كل واحد من هذه الأمور؟
مبلّغي: في آية «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ»، يدور البحث حول ما إذا كانت الآية تريد إعلان قانون وحكم ديني، أم أنها مجرد وصف وتذكير بلطف الله. وبعبارة أخرى، هل تقول الآية إن للناس حق الكرامة، وإنه ينبغي بطبيعة الحال احترام هذا الحق، ثم تُتَابَع وتُقَرَّر آثار هذه الحقوقية والتمتع بالحق في مختلف زوايا وجوانب حياتنا القانونية والفقهية، أم إنها تقول إن الله خلق الإنسان مكرّماً، وهذا ليس قانوناً شرعياً، بل هو تذكير ووصف؟
يرى الاتجاه الأول الآية بوصفها قانوناً وأصلاً دينياً، وفي الواقع قاعدة فقهية كلية. ووفقاً لهذه القراءة للآية، يمكن الحكم بعدم جواز الإهانة والتعذيب والتحقير والمعاملة اللاإنسانية. بل قد يفهمها بعضهم بمعنى أن الجميع يتمتعون بقدر من الاحترام. وبالطبع، يمكن طرح نقاشات مفصلة في تقرير كيفية دلالتها. ويمكن القول دفاعاً عن هذا الاتجاه إن «لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ» عام ويشمل جميع أبناء البشر. كما توجد آيات أخرى تحمل مضامين مشابهة، مثل: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ». ومن جهة أخرى، فإن الروح العامة للإسلام قائمة على حفظ حرمة الإنسان، وتوجد فيه قواعد مثل وجوب حفظ حرمة المؤمن؛ ومن ثم فنحن أمام أصل قانوني وفقهي كلي وإلزامي.
أما إذا أردنا اعتبار الآية وصفية محضة، فكأن الله تعالى يصف واقعاً ويقول إن الإنسان، من حيث الخلقة أو العقل أو الإمكانات أو القدرة مثلاً، يتصف بخصلة تسمى الكرامة؛ لكن هذه الخصلة لا تعني ترتب آثار قانونية وفقهية عليها، بل هي مجرد بيان لواقع في الإنسان. والشاهد على ذلك هو البنية الخبرية وغير الأمرية للجملة.
غير أنني أميل أكثر إلى الرأي الأول؛ إذ لو كانت الكرامة أمراً ذاتياً للإنسان، لما كان ينبغي أن يكون زوالها أو محوها ممكناً، في حين أنها طُرحت في آيات مثل آية «ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ» بوصفها أمراً قابلاً للزوال.
ويُطرح هنا سؤال آخر، وهو: هل إن البشر وحدهم هم الذين كُرّموا ويتصفون بالكرامة، أم إن الحيوانات والملائكة والموجودات الأخرى تتمتع بهذه الكرامة أيضاً؟ والجواب هو أن الكرامة لم تُنفَ عن الموجودات الأخرى في هذه الآية، ولذلك قد تكون هي أيضاً ذات كرامة.
الفقه المعاصر: إذا كانت الكرامة توقيفية، وكان يجب على الشارع المقدس تعريفها، فهل يترتب على قبول هذا الحق، في الأساس، أي اختلاف في الأحكام الشرعية؟
مبلّغي: إذا افترضنا توقيفية الكرامة، وأن الشارع قد حدّد مضمون الكرامة ومصاديقها، فإن المسألة تأخذ صورتين:
إذا قلنا إن الكرامة توقيفية، وإن الشارع عيّن صراحةً بعض مصاديقها والأحكام المتعلقة بها، فمن الطبيعي أن يكون ما تم تحديده ملزماً بلا ريب، ويجب أخذه في الحسبان. فمثلاً، إذا كانت هناك نصوص تصرّح بالمنع من التحقير أو المنع من التعذيب، فيجب العمل طبقاً لها.
وإذا قلنا إن هذه التوقيفية تعني أن الشارع أعلن فقط أصل الكرامة الكلي، لكنه لم يحدد بالضرورة، وفي الواقع، المصاديق على نحو تفصيلي، فعندئذ يعمل هذا الأصل بوصفه قاعدة تشريعية كلية تحدد بطبيعة الحال وجهة الاستنباط في عملية الاجتهاد.
والمهم أن الكرامة التوقيفية تُستعمل في الاجتهاد بوصفها قيداً تفسيرياً أو مقاصدياً. ويمكن لقبول توقيفية الكرامة أن يمهد لتأملات جديدة في مختلف جوانب مناهجنا القانونية والفقهية في منظومتنا الفكرية. ومن هذا المنظور، يمكن إعادة التفكير في مسائل من قبيل القواعد الرادعة للتعذيب والحق في محاكمة منصفة، مع ملاحظة الكرامة بوصفها أمراً توقيفياً عيّن الشارع تعريفه ومضمونه وقررهما.
الفقه المعاصر: إذا كانت الكرامة عرفية، وكان يجب على العرف تعريف مفهومها وتشخيص مصاديقها، فهل لا يؤدي قبول هذا الحق إلى عرفنة الدين وعدم الحاجة إلى الشريعة؟
مبلّغي: يتعلق هذا السؤال بعواقب اعتبار الكرامة عرفية. ومن الواضح أن هذا المنهج يوفر أمامنا نوعاً من المرونة التطبيقية وإمكاناً أوسع للتطبيق؛ أي إنه إذا أوكلنا الكرامة إلى العرف، فلعل من الممكن القول إن المزية المهمة لهذا المنهج هي أننا نستطيع فهم وتعريف علاقة الفقه بالتحولات الاجتماعية، في أفق كيفية فهم مفهوم الكرامة وأسلوب التعامل معه، بطريقة مرنة واستشرافية.
لكن ينبغي ألا ننسى أن العرف لا يستطيع إقصاء النص الشرعي الصريح أو معارضته، ولا يستطيع، بمعنى ما، تعطيل الحكم الشرعي؛ ولذلك، في مثل هذا الفهم للكرامة، ينبغي التفكير في كيفية وقوعها في مواجهة النصوص، ومراعاة أن ما يُستفاد من النصوص يحدد لنا مجال قبول الكرامة. وفي الواقع، فإن هذه الإحالة إلى العرف لا تخلق أمامنا فضاءً فارغاً وأجوفَ خالياً من أي ضوابط، بحيث لا نتمكن من الرجوع إلى النص.
الفقه المعاصر: ما سبب عدم طرح هذا الحق وعدم قبوله من قبل الفقهاء المتقدمين وكثير من الفقهاء المعاصرين؟
مبلّغي: يمكن في الإجابة عن هذا السؤال الإشارة إلى الأسباب المفهومية (conceptualization)، وبالتحديد إلى الاختلاف في معاني الكلمات والمنظومة المفهومية في العصر القديم والعصر الحديث. فنحن نعلم أن الحق في اللغة الفقهية الكلاسيكية يكتسب بعداً دلالياً في إطار حق الله أو حقوق العباد وما شابه ذلك، ويظهر غالباً ضمن المفاهيم الدينية والتكليفية؛ لكن المفهوم الحديث للحقوق، أو rights في الإنجليزية أو Recht في الألمانية، يعني الادعاء القانوني للفرد في مواجهة المؤسسة العامة، ويكتسب معناه من كونه ملزماً أو من تحوله إلى الإلزام في إطار القانون المدني والقوانين المدنية والدستور. وهنا نواجه بنية لغوية مختلفة. وبعبارة أخرى، تُطرح الحقوق في الفقه التقليدي بما يقابل الواجبات والإلزامات، كحق المؤمن على الآخر الذي يقابله تكليف الآخر، لا بوصفها حقاً فردياً ناظراً إلى علاقة الفرد بالبنى الاجتماعية والقانونية والمؤسسية التي يجب على الدولة، بمعنى ما، ضمانها. وهذا هو ما يجعل الكرامة بوصفها حق الكرامة، بالمعنى الذي نفهمه اليوم، غير مطروحة بصراحة في علم الفقه وبين المتقدمين.
وثمة نقطة أخرى، وهي أن نظامنا الفقهي التقليدي قائم في الأساس على التكليف، وناظر إلى تكاليف المكلفين، ويتحدث عما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله، ويكمن في جوهره الأمر التكليفي. وهذه النظرة تبرز الواجبات أكثر من الحقوق الفردية. وبالرجوع مرة أخرى إلى المصادر والنصوص، يمكن إدراك أن الكرامة كانت تُطرح وتُفهم بوصفها صفة إلهية أو أخلاقية للإنسان، وتُعد فضلاً ومرتبةً تكوينية؛ غير أن الانتقال من هذه الحجة الأخلاقية أو المزية التكوينية إلى أمر قانوني إلزامي لا يبدو ممكناً إلا حين تكون لدينا رؤية للمأسسة الحديثة؛ وهو أمر لم يكن حاضراً بهذا المعنى في ذهنية الفقهاء المتقدمين.
حتى في العصر الحديث، أدّت النزاعات التي وقعت في عهد المشروطة بين العلماء المؤيدين للمشروطة ومعارضيها، وطرح التفريعات الفقهية المختلفة المرتبطة بها، ثم تجربة المشروطة، إلى إيجاد نوع من الخوف والرهبة من قبول المباحث المرتبطة بخطاب الكرامة، الذي عُدَّ خطأً أمراً مستورداً وناشئاً عن الأيديولوجيا الغربية.
وثمة نقطة أخرى، وهي القلق من حدوث خلل في سائر الأحكام الفقهية. إذ إن قبول الحضور الواسع لمفهوم الكرامة بوصفه قاعدة يثير لدى الفقهاء خشية من أن يؤدي ذلك إلى اختلال ذلك الفهم الكلاسيكي والتقليدي للفقه، وإلى نوع من انهيار النظام الفقهي. وقد أدت هذه الأمور إلى عدم بروز الاهتمام بهذا الحق وظهوره بالصورة الجادة والمهمة التي ينبغي أن يكون عليها.
