قراءة في فكر آية الله الخامنئي حول ولاية الفقيه؛

عبد الوهاب فراتي

ظلت ولاية الفقيه على مدى العقود الأربعة الماضية، وأكثر من كونها مجرد نظرية فقهية صِرفة، ساحةً للصراع بين التفسيرات. ولكن من بين جميع القراءات، تتسم قراءة آية الله السيد علي الخامنئي لهذه النظرية بخصائص فريدة تميزها عن غيرها. تسعى هذه المقالة إلى اكتشاف تلك النقاط البديعة التي قلما تُناولَت بالبحث، وتوضح لماذا يجب تسمية هذه القراءة بـ "نظرية الولاية في الممارسة العملية".

إشارة: آية الله الخامنئي، وعلى الرغم من توليه أطول فترة حكم لفقیه شيعي، إلا أنه بسبب انشغالاته والمسؤوليات التي اضطلع بها خلال النصف قرن الأخير من عمره، لم يتمكن قط من تدوين آرائه حول ولاية الفقيه في كتاب فقهي مستقل. ومع ذلك، فقد أظهر في خطاباته الأبعاد المختلفة لقراءته لولاية الفقيه. وفي هذه المقالة، يسعى الدكتور عبد الوهاب فراتي، الذي يعكف منذ سنوات على دراسة التيارات السياسية والحوزوية المختلفة، إلى اكتشاف قراءة آية الله لولاية الفقيه. وبحسب هذا العضو في الهيئة العلمية لمعهد البحوث للثقافة والفكر الإسلامي، فإن قراءة هذا الفقيه لولاية الفقيه قد أجابت عن أربعة تحديات رئيسية تواجه هذه النظرية. وفيما يلي النص الكامل للمقالة الخاصة التي أعدها عضو المجلس العلمي لفرع “فقه السياسة والعلاقات الدولية” في معهد دراسات الفقه المعاصر:

ظلت ولاية الفقيه على مدى العقود الأربعة الماضية، وأكثر من كونها مجرد نظرية فقهية صِرفة، ساحةً للصراع بين التفسيرات. ولكن من بين جميع القراءات، تتسم قراءة آية الله السيد علي الخامنئي لهذه النظرية بخصائص فريدة تميزها عن غیرها. تسعى هذه المقالة إلى اكتشاف تلك النقاط البديعة التي قلما تُناولَت بالبحث، وتوضح لماذا يجب تسمية هذه القراءة بـ “نظرية الولاية في الممارسة العملية”.

القطيعة مع “الولاية الحسبية” والتجاوز لـ “الفقيه المشرف”

تتمثل النقطة البديعة الأولى في قراءته في التجاوز القاطع للاتجاهين الكلاسيكي والمتأخر. كان الاتجاه الكلاسيكي الذي ساد الحوزات العلمية قبل الثورة يقتصر بولاية الفقيه على “الأمور الحسبية”؛ أي الولاية على الأيتام والمجانين والغائبين، ولم يكن يتصور قط للفقيه حق تشكيل الحكومة وممارسة السيادة السياسية الشاملة. أما الاتجاه المتأخر، الذي يتجلى اليوم في نموذج النجف، فيختزل الفقيه في دور “المشرف الأخلاقي والمرشد الروحي” ويحذره من الاستحواذ المباشر على السلطة. غير أن آية الله الخامنئي يرى بكل صراحة أن كلا الاتجاهين غير كافٍ، ويؤكد: «إن ولاية الفقيه هي من مسلمات الفقه الشيعي، وكان الإمام الخميني أول من أخرجها من مرحلة النظرية إلى عرصة الممارسة العملية.»١ وفي هذا المنظور، ليس الفقيه قيمياً محدوداً ولا مرشداً هامشياً، بل هو “المدير التنفيذي للبلاد” و”القائد العام للقوات المسلحة”. ويُعد هذا قفزة في المفهوم الفكري (پارادايم) في الفقه السياسي الشيعي تتجاوز الحدود التقليدية للفقاهة.

لغز “الولاية المطلقة”؛ المرونة لا الاستبداد

لعل الجزء الأهم والأكثر إبداعاً في قراءته يتمثل في تبيين مفهوم “الولاية المطلقة للفقيه”. إن الفهم السطحي والمغرض لهذا المفهوم يعتبره مساوياً لـ “ديكتاتورية الفقيه” أو “كون القائد فوق القانون”. وتكرر أعداء الثورة دائماً هذه التهمة القائلة إن نظام الجمهورية الإسلامية مصاب بنوع من الشمولية الدينية. ولكن آية الله الخامنئي يفكك هذا الفهم بالكامل بدقة فلسفية-فقهية. يقول سماحته: «الولاية المطلقة للفقيه تعني مرونة جهاز الولاية. ومعنى هذه المسألة أن مجموعة أجهزة صنع القرار واتخاذه التي يقف القائد على رأسها، تُطور نفسها باستمرار وعلى نحو دائم من خلال اختيار ما هو أصح وأكمل.»٢ وبعبارة أخرى، فإن “الإطلاق” هنا لا يعني “السلطة المطلقة والمستبدة”، بل يعني “عدم التقيد بالقوالب الثابتة والمحددة مسبقاً”. وهذا هو التفكيك الدقيق بين “الصلاحية المطلقة” و”الاستبداد الشخصي” الذي تضرب جذوره في عمق فقه الحكومة. وپحذر سماحته قائلاً: «الفهم الخطير الذي يجب الحذر منه هو خلط المرونة بالانحراف والتنازل أمام الضغوط الخارجية.»٢ فالمرونة لا تعني الضعف والمساومة؛ بل هي فن تغيير المسار مع الالتزام بالأصول. وفي موضع آخر، يجيب عن تهمة الديكتاتورية بسخرية لاذعة قائلاً: «في زمن الإمام (ره) كانوا يقولون أيضاً ديكتاتورية النعلين! النعلين لا يمكن أن تكون مصدر ديكتاتورية أصلاً؛ فتلك طبيعة البوط (الجزمة) هي التي تمثل طبيعة الديكتاتورية. الإمام قال إن ولاية الفقيه تمنع الديكتاتورية.»٣

الديمقراطية الدينية؛ الحلقة المفقودة في النظرية

إحدى النقاط المذهلة في قراءته هي التأكيد المتزامن على “الولاية الإلهية” و”إرادة الشعب”. وقد ظلت هذه الثنائية غير محلولة في كثير من النظريات السياسية. كيف يمكن القول بالسيادة المطلقة لله وخلفائه وفي الوقت نفسه منح الشعب دوراً حاسماً؟ يوضح آية الله الخامنئي بالاستناد إلى منطق “الولاية الحقة” أن صوت الشعب ليس في عرض ولاية الفقيه، بل في طولها وبوصفه “مجرى لتحقق الولاية الإلهية”. يقول سماحته: «لو لم تكن هناك انتخابات، لكان هذا مجرد تهمة بل لصار واقعاً.»٣ أي إن الانتخابات نفسها وحضور الشعب هما اللذان يمنعان الاستبداد ويضفيان على ولاية الفقيه صبغة إلهية-شعبية. وفي تبيين العلاقة بين الولي والشعب، يشير سماحته إلى عمق هذه الرابطة: «في المجتمع الإسلامي، يعتمد جهاز الإدارة والحكم كله على الشعب، وهو جزء من الشعب ومع الشعب وليس منفصلاً عنه. نحن المسؤولين مكلفون بألا نبتعد عن طريق الشعب وألا ننسى أن هذا الشعب، والمحرومين، والطبقات الضعيفة، هم الملاك الأصليون للبلاد.»٤ هذه النظرة لا تقر الديمقراطية الغربية التي تكون فيها السيادة المطلقة للأمة، ولا الديكتاتورية التي لا دور للشعب فيها، بل تقدم نموذجاً بديعاً من “الديمقراطية الدينية” تتداخل فيه المشروعية المزدوجة (الإلهية والشعبية) بحيث لا يمكن الفصل بينهما.

الولاية بوصفها “ممر عبور” من الشريعة إلى الممارسة

إن أعمق تحليل فلسفي-فقهي في قراءته يظهر عندما يُعرِّف ولاية الفقيه بأنها “ممر عبور” من الأحكام الشرعية الثابتة إلى ساحة والتنفيذ المتغيرة. ويؤكد سماحته أن الأحكام الشرعية والأصول الأولية للإسلام غير قابلة للتغيير والإلغاء من قبل ولي الفقيه. ولكن تغير الظروف وتزاحم المصالح قد يضع عائقاً أمام التنفيذ المؤقت لبعض الأحكام. وهنا يأتي دور “الولاية المطلقة” كأصل مرن يتيح إدارة هذه التزاحمات. يقول سماحته: «يجب أن يكون القانون والتنفيذ وفق المعايير الإلهية والأنظمة الإلهية؛ أي منطبقاً مع الأحكام الإسلامية… الولاية التي تمتلكونها اليوم – والتشريع هو ولاية – هي ولاية إلهية؛ جذرها في الولاية الإلهية؛ وناشئة ومتحققة من الولاية الإلهية.»٥ أي إن أي قانون يُقر في مجلس الشورى الإسلامي وأي إجراء تنفيذي تُقوم به السلطات الثلاث، إذا كان في إطار الكليات والأصول الإسلامية، فهو بنفسه “ولاية إلهية” جرت عبر قناة الفقيه الجامع للشرائط. وهذه نظرية “تفويضية” حول السيادة تتمتع بتعقيد فلسفي عالٍ، وترسم الحدود بين “الشريعة الثابتة” و”الزمن المتغير” بأجمل صورة ممكنة.

النقد الضمني لنموذج النجف الانكفائي

دون أن يذكر اسماً، انتقد آية الله الخامنئي مراراً نموذج النجف الانكفائي. ففي نموذج النجف، لا يتولى الفقيه الحكم وإنما يكتفي بهداية المجتمع من هامش السلطة. والفقيه في هذا المنظور يُمثل ناظراً خارجيّاً يصدر الفتاوى ويمارس الإشراف الأخلاقي، ولكنه لا يدخل قط في معترك الإدارة التنفيذية والسياسية. أما في قراءة آية الله الخامنئي، فإن “ترك الحكم في عصر الغيبة” ليس فقط غير جائز، بل هو خلاف أوجب الواجبات. يقول سماحته بإن “الإمامة هي زمام الدين ونظام المسلمين”، ويعتقد أن “بناء النظام على أساس الفقه الإسلامي” تكليف شرعي وليس خياراً تشريفياً. وهذا الاختلاف الجذري يفصل بين حضارتين سياسيتين: إحداهما حضارة يعتكف فيها الفقيه للعبادة وإصدار الفتاوى، والأخرى حضارة يتولى فيها الفقيه في مركز السلطة مسؤولية دنيا الناس وآخرتهم. ومشيراً إلى أن أعداء النظام يتهمون الجمهورية الإسلامية بالديكتاتورية، يقول سماحته: «الديكتاتوريون في المنطقة هم أصدقاؤهم ويشتركون معهم على مائدة نهب الشعوب وسلبها، ولكنهم يتهمون الجمهورية الإسلامية.»٣ وتُعد هذه النظرة العابرة للحدود والثورية من اللوازم الحتمية لقبول الولاية المطلقة في عصر الغيبة.

معنى “الذوبان في الولاية”؛ رد على شبهة شائعة

يستخدم بعض النقاد أحياناً مفهوم “الذوبان في الولاية” كتهمة ضد النظام، قائلين إن النظام يطالب بإلغاء شخصية الأفراد أمام القائد. ويقوم آية الله الخامنئي بنفسه برفض هذا الفهم صراحة وببيان قاطع يحدد الحدود: «أنا لا أفهم معنى الذوبان في الولاية. ما معنى الذوبان في الولاية؟ يجب الذوبان في الإسلام. والولاية نفسها ذائبة في الإسلام. الذوبان في القيادة هو ذوبان في الشخص؛ وهذا لا معنى له أصلاً. من هي القيادة؟ يجب على القيادة أيضاً أن تكون ذائبة في الإسلام حتى تحظى بالاحترام. احترام القيادة هو في ظل كونها ذائبة في الإسلام وذائبة في هذه الأهداف نفسها؛ ولو زلت قدمها خطوة واحدة لسقطت. لا أحد يذوب في الشخص وفي الاتجاه؛ بل يجب الذوبان في تلك الأهداف؛ يجب الذوبان في الإسلام.»٦ وتُعبر هذه العبارة عن أقصى الدقة الفلسفية والفقهية في تعريف حدود السلطة في نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فالقيادة ليست شخصاً يذوب الأفراد فيه؛ بل القيادة خادم يجب أن يكون هو نفسه ذائباً في الإسلام والأهداف الإلهية. وإذا انحرف عن هذا المسار، فلا حق له في الطاعة فحسب، بل يسقط من منصبه ومكانته. وهذا هو أقوى ضمان إجرائي ضد أي شكل من أشكال الاستبداد والديكتاتورية.

الخاتمة: اللغز المحلول ونظرية الولاية في الممارسة العملية

في الختام، يجب القول إن قراءة آية الله الخامنئي لولاية الفقيه ليست نظرية سياسية تلفيقية أو مجرد تجميع بسيط؛ بل هي “نسق فكري منسجم” حل أربعة ألغاز كبيرة: ١) لغز الإطلاق والقيد: أظهر أن “الإطلاق” يعني المرونة لتصحيح المسار، وليس الاستبداد الشخصي وكون الحاكم فوق القانون. ٢) لغز الإلهي والشعبي: أظهر أن صوت الشعب هو مجرى لتحقق الولاية الإلهية، وليس منافساً أو مزاحماً لها. ٣) لغز الثبات والتغير: أظهر أن الشريعة ثابتة وغير قابلة للتغير، ولكن ولاية الفقيه تمتلك المرونة اللازمة للتكيف مع الظروف المتغيرة وتزاحم المصالح. إن هذه النظرية، بخلاف القراءات الجامدة والمحددة الكلاسيكية، وبخلاف نموذج النجف، وبخلاف التفسيرات المتطرفة للولاية المطلقة، هي نموذج “حي” و”حيوي” و”معتمد على التجربة العملية” تُعرَّف فيه “العقلانية الإدارية” و”الاستقرار السياسي” إلى جانب “العدالة والتقوى” و”الكفاءات العلمية”. وهذه هي “نظرية الولاية في الممارسة العملية”؛ نموذج كفء للتنظير السياسي في الإسلام المعاصر تشكل في سياق التحديات الداخلية والإقليمية وحافظ على حيوية مساره على مدى أكثر من ثلاثة عقود من إدارة نظام الجمهورية الإسلامية.

المصادر

١. كلمة مقام المعظم القيادة، ٢٠ صفر ١٤٢٠ هـ (گنجینه معارف)

٢. كلمة مقام المعظم القيادة، ٩ شوال ١٤٣٢ هـ (گنجینه معارف)

٣. كلمة مقام المعظم القيادة، ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٧ هـ (گنجینه معارف)

٤. كلمة مقام المعظم القيادة، ١٧ ذو الحجة ١٤١٠ هـ (گنجینه معارف)

٥. كلمة مقام المعظم القيادة، ٦ جمادى الثانية ١٤٢٩ هـ (گنجینه معارف)

٦. كلمة مقام المعظم القيادة، ٢٧ ربيع الثاني ١٤٢٥ هـ (گنجینه معارف)