محمد مهدي حكيمي

الأصول العملية القضائية/32

أُوكِلَت القرائن القضائية إلى نظر القاضي والحاكم القضائي، والقرينة القضائية—على خلاف القرينة القانونية—لا تقتصر على حالات خاصة، ولذا فإن حصر مصاديقها غير ممكن، وفي كل مورد تهدي فيه القرائن القاضي إلى الحقيقة، تُطرح القرينة القضائية.

إشارة: تقف الأصول العملية في مقابل الأمارات (القرائن). ولكن هل يمكن تصور قرائن قضائية كما أن لدينا أصولاً عملية قضائية؟ في هذه المقالة المنشورة على موقع معهد باقر العلوم للبحوث (٢٢ محرم ١٤٣٦ هـ)، يسعى محمد مهدي حكيمي إلى استكشاف معنى القرينة القضائية وبيان فرقها عن القرينة القانونية.

القرينة (الأمارة) في اللغة تعني العلامة والدلالة والإشارة، وجمعها أمارات أو قرائن. [١] والفرق بين الأمارات والعلامة هو أن العلامة لا تفارق الشيء، مثل الألف واللام في الاسم، أما الأمارات فتفارق الشيء، كوجود السحاب بالنسبة إلى المطر. [٢]

وفي الاصطلاح القانوني، وبموجب المادة ١٣٢١ من القانون المدني، تُعرف القرينة بأنها الأوضاع والظروف التي يُعترف بها دليلاً على أمر ما بحكم القانون أو في نظر القاضي. وبناءً على هذا التعريف للقرينة، يجب القول إن القرينة أمر معلوم في الخارج يُثبت بوساطته أمر مجهول هو موضوع ادعاء الغير؛ ولذلك فإن الأمور التي تُثبت بوساطة القرائن تُعتبر معتبرة لأن القرائن كاشفة عن الواقع. وفي الحقيقة، بالنظر إلى المعنى اللغوي، فإن القرائن أدلة تكميلية موجودة في العالم الخارجي، وتُعد علامة أو دلالة على وجود حق لصاحبه. كما أن الدليل عن طريق القرينة يكون أكثر غير مباشر من أي دليل آخر. [٣]

والقرينة في قانوننا على نوعين: القرينة القانونية والقرينة القضائية، ونستعرض كل منهما بنحو موجز:

النوع الأول) القرائن القانونية

القرائن القانونية هي الأوضاع والظروف التي جعلها القانون دليلاً على أمر ما. [٤] والشخص الذي تكون القرينة القانونية في صالح أثنائ إجراءات الدعوى معفى من تقديم دليل آخر، وإذا كان الطرف المقابل ينكر وجود القرينة، فعلى مدعي القرينة إثبات وجودها. ويجب على المحكمة أن تجعل القرينة المتبتة مبنى لحكمها، ما لم يوجد دليل على خلاف القرينة. وقد نصت المادة ١٣٣٢ من القانون المدني بشأن القرائن القانونية على أن: “القرائن القانونية هي القرائن التي جعلها القانون دليلاً على أمر ما، كالقرائن المذكورة في هذا القانون، من قبيل المواد ٣٥، و١٠٩، و١١٠، و١١٥٨، و١١٥٩ وغيرها، وسائر القرائن المنصوص عليها في القوانين الأخرى”. وبناءً على ذلك، فإن دلالة وجود أمر أو مجموعة من الأمور والأوضاع على وجود أمر آخر وهو موضوع الادعاء، إذا كانت بموجب حكم القانون، فهي قرينة قانونية، ولذا يجب أن يحدد القانون مواردها.

وجدير بالذكر أنه في القرائن القانونية، وإن كانت الدلالة بحكم القانون، إلا أنها دلالة حاصلة من استقراء أُجري في موارد مشابهة، حتى إن عامة الناس أدركوها ونفذها المشرع وأعلنها في شكل حكم كلي. [٥] فعلى سبيل المثال، يعتبر القانون الشخص الحائز للمال مالكاً له؛ لأن الحيازة إما ملازمة لملكية الحائز أو هي من آثار ملكيته. [٦] ووفقاً للمادة ٣٥ من القانون المدني: “الحيازة/التصرف بعنوان الملكية دليل على الملكية، ما لم يثبت عكس ذلك”؛ وعلى هذا فإن الحيازة قرينة. فالقانون أعفى من حاز مالاً واعتبر نفسه مالكاً له من تقديم دليل آخر، وعلى الطرف المقابل أن يثبت أن الحائز غاصب ولم يستولِ عليه بسبب ناقل للملكية. ونتيجة لذلك، لا يحتاج الحائز لإثبات ملكيته إلى دليل آخر. وفي جميع الدعاوى المتعلقة بالأموال، سواء أكانت أموالاً منقولة أم غير منقولة، يجب على المدعين إثبات حقانيتهم في مواجهة ذي اليد. [٧] وبعبارة أخرى، يكون الحائز في دعاوى الملكية دائماً في موقع المنكِر والمدعى عليه، ويكون عبء الإثبات على عاتق من يريد إثبات خلاف القرينة القانونية للحيازة.

وفي النهاية يجب الانتباه إلى هذه النقطة، وهي أن القرينة القانونية يجب أن تكون معترفاً بها في القانون، ولا يمكن للمحكمة في مقام القضاء إضافة شيء إلى القرينة القانونية بالقياس، حتى ولو كان قياس أولوية، ولذا فإن موارد القرينة القانونية محددة ومحصورة. [٨]

النوع الثاني) القرائن القضائية

القرائن القضائية هي تلك الأوضاع والظروف التي يُعترف بها في نظر القاضي دليلاً على أمر ما؛ أي إن القاضي يحصل له من تلك الأوضاع والظروف قطع ويقين بالنسبة إلى الأمر المجهول، وتدل نوعاً على صحة إظهارات أحد طرفي الدعوى. [٩] وإذا لم تُحدث الأوضاع والظروف مثل هذه الحالة للقاضي، فلا تأخذ عنوان القرينة القضائية؛ وبناءً على ذلك، فإن القرائن القضائية لم يؤسسها القانون وإنما أُوكلت إلى تقدير الحاكم والقاضي، ويسعى القاضي عن طريق بعض العلامات والدلالات وبواسطة الاستنتاج إلى اتخاذ القرار بشأن واقعة الأمر المدعى به. فعلى سبيل المثال، إذا أعاد الدائن سند الدين إلى المدين دون حيلة أو إكراه، فإن فعله هذا قد يُعتبر في نظر القاضي دليلاً على براءة الذمة.

وتُسمى القرائن القضائية في الاصطلاح الفقهي بـ “ظاهر الحال”. وظاهر الحال ليس من الظنون الخاصة المعتبَرة شرعاً؛ بل هو من الظنون غير المعتبَرة، ولا يجوز اتباعه ما لم يوجب ظاهر الحال—أي القرائن والأوضاع والظروف—اليقين أو على الأقل الاطمئنان لدى القاضي. [١٠] وبموجب المادة ١٣٢٤ من القانون المدني، فإن القرائن التي أُوكِلَت إلى نظر القاضي عبارة عن الأوضاع والظروف الخاصة بالواقعة، وتكون قابلة للاستناد إذا كانت الدعوى مما يُثبت بشهادة الشهود أو كانت مكملة للأدلة الأخرى. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المادة قُنِّنَت في زمن كان استخدام الشهادة فيه كدليل محدوداً، وغالبية الدعاوى الحقوقية لم تكن قابلة للإثبات بالشهادة، ولذا لم تكن للقرائن القضائية بموجب هذه المادة قوة إثباتية كبيرة. أما اليوم، حيث أُزيلت تلك القيود عن الشهادة وتَشدّدت شروط الشاهد وأصبحت للشهادة قيمة إثباتية في جميع الدعاوى تقريباً، فقد حدث تحول في استخدام القرائن القضائية، وأصبح بإمكان القاضي بالاعتماد على القرائن القضائية إصدار الحكم في كثير من الحالات دون حاجة إلى البحث عن دليل آخر وجعل القرينة مكملة لذلك الدليل. [١١]

وحجية القرينة القضائية قائمة على القطع واليقين اللذين يحصلان للقاضي في النظر في الدعوى من الأوضاع والظروف الموجودة في الخارج؛ وبناءً على ذلك، إذا كانت القرينة القضائية قائمة على وجود الحق للمدعي في وقت النظر في الدعوى، فإن القاضي سيحكم بموجبها؛ لأنه يحصل للقاضي بموجبها العلم بوجود الحق، وإذا لم تُحدث القرينة القضائية للعالم والقاضي علماً ويقيناً جازماً وأحدثت مجرد ظن أو تخمين، فلن تكون لها حجية شرعية. [١٢]

إن القرائن القضائية أُوكِلَت إلى نظر الحاكم والقاضي، والقرينة القضائية—على خلاف القرينة القانونية—لا تقتصر على حالات خاصة، ولذا فإن حصر مصاديقها غير ممكن، وفي كل مورد تهدي فيه القرائن القاضي إلى الحقيقة، تُطرح القرينة القضائية. [١٣]

تعارض القرينة القانونية والقرينة القضائية

في الحالات التي تكون فيها القرينة القانونية والقضائية في اتجاه واحد، فإنهما تؤديان إلى التقوية في ذلك الاتجاه وتعزيز جانب الإثبات. أما في حالات تعارض القرائن، فيجب القول إنه إذا كانت القرائن في كلا الطرفين قانونية أو قضائية ولم يكن لأحدهما ترجيح، فإنها تسقط كتعارض دليلين. ولكن إذا كانت إحدى القرائن قانونية والأخرى قضائية، فإن القرينة القضائية هي المعتبرة ويجب إهدار القرينة القانونية؛ لأن القرينة القانونية القائمة على الظن النوعي لا تصمد أمامها. ومن جهة أخرى، يمكن القول إن القرائن القضائية أقرب إلى الأدلة، والقرائن القانونية أقرب إلى الأصول العملية، وصحيح أن كلتيهما قرينة وتكشفان عن الواقع إلى حد ما، ولكن نظرًا لأن الكاشفية في القرينة القضائية أشد، فإنها تُقدَّم على القرينة القانونية. أضف إلى ذلك أنه في الحالات التي يُكلف فيها القانون القاضي بالاستفادة من القرائن القانونية أو يقدم قرينة قانونية، فإنه يعتبر حجيتها مستمرة فقط ما لم يوجد دليل على خلافها، ولذا إذا وجدت قرينة قضائية، فهي مقدمة على القرينة القانونية.

وقد أظهرت المادتان ٣٠٠ و٣٠٢ من قانون أصول المحاكمات المدنية السابق بوضوح تقدم القرينة القضائية على القرينة القانونية. [١٤] وبناءً على ذلك، إذا ادعى شخص أن الحقيبة التي بيد آخر ملك له، في حين يستند الطرف المقابل إلى قرينة الحيازة واليد المذكورة في المادة ٣٥ من القانون المدني والمعروفة كقرينة قانونية ويعتبر نفسه مالكاً استناداً إلى قرينة اليد؛ فإذا كان المدعي يعلم بالتفاصيل الداخلية للحقيبة وكان الحائز يعجز عن إعطاء أي معلومات عن تفاصيل ما داخل الحقيبة، فيجب تسليم الحقيبة للمدعي والحكم بملكيته لها؛ لأنه يحصل من القرينة القضائية في هذا المثال القطع بملكية المدعي. وبشكل عام، عند تعارض القرينة القانونية والقرينة القضائية، تُقدَّم القرينة القضائية على القرينة القانونية. [١٥] ونتيجة لذلك، فإن قرينة اليد التي هي قرينة قانونية وليست قرينة قضائية، إذا تعارضت مع القرينة القضائية، تُقدَّم القرينة القضائية على قرينة اليد.

[١] دهخدا، علي أكبر؛ معجم دهخدا، طهران، منشورات جامعة طهران، الطبعة الأولى، خريف ١٣٧٢ هـ.ش (١٤١٤ هـ)، المجلد الثاني من طبعة الدورة الجديدة، ص ٢٨٢٦؛ ومعين، محمد؛ المعجم الفارسي لمعين، طهران، منشورات أمير كبير، الطبعة ١٨، عام ١٣٨٠ هـ.ش (١٤٢٢ هـ)، المجلد الأول، ص ٣٤٦؛ وبندر ريغي، محمد؛ المعجم الجديد عربي – فارسي، ترجمة منجد الطلاب، ص ١١.
[٢] دهخدا، علي أكبر؛ معجم دهخدا، المجلد الثاني، ص ٢٨٢٦.
[٣] شمس، عبد الله؛ أصول المحاكمات المدنية، طهران، منشورات دراك، الطبعة الخامسة، ربيع ١٣٨٥ هـ.ش (١٤٢٧ هـ)، المجلد الثالث، ص ٣٦٦.
[٤] جعفري لنگرودي، محمد جعفر؛ المصطلحات القانونية (ترمينولوجي حقوق)، طهران، منشورات مكتبة گنج دانش، الطبعة التاسعة عشرة، عام ١٣٨٧ هـ.ش (١٤٢٩ هـ)، ص ٧٧.
[٥] شمس، عبد الله؛ أصول المحاكمات المدنية، المصدر نفسه، المجلد الثالث، ص ٣٦٧.
[٦] إمامي، السيد حسن؛ القانون المدني، طهران، منشورات أَبوريحان، الطبعة السادسة، ربيع ١٣٦٤ هـ.ش (١٤٠٥ هـ)، ج ٦، ص ٢٠٧.
[٧] حول خصائص القرينة القانونية وقوتها الإثباتية، يُراجع: شمس، عبد الله؛ أصول المحاكمات المدنية، المجلد ٣، ص ٣٦٧ إلى ص ٣٧٠.
[٨] السيد حسن إمامي، القانون المدني، ج ٦، ص ٢١٠.
[٩] جعفري لنگرودي، محمد جعفر؛ المصطلحات القانونية، طهران، منشورات مكتبة گنج دانش، الطبعة التاسعة عشرة، عام ١٣٨٧ هـ.ش (١٤٢٩ هـ)، ص ٧٨.
[١٠] محقق داماد، السيد مصطفى؛ أصول الفقه، الجزء الثالث، ص ١٨٦.
[١١] مدني، السيد جلال الدين؛ أدلة إثبات الدعوى، طهران، منشورات پايدار، الطبعة التاسعة، خريف ١٣٨٥ هـ.ش (١٤٢٧ هـ)، ص ٢٢٤.
[١٢] محقق داماد، السيد مصطفى؛ أصول الفقه، الجزء الثالث، ص ١٨٩؛ وإمامي، السيد حسن؛ القانون المدني، المجلد ٦، ص ٣٢١.
[١٣] حول خصائص القرينة القضائية وفارقها عن القرينة القانونية، يُراجع: شمس، عبد الله؛ أصول المحاكمات المدنية، ج ٣، ص ص ٣٧٠-٣٧٣؛ ومدني، السيد جلال الدين؛ أدلة إثبات الدعوى، ص ص ٢٢٥-٢٢٨؛ وإمامي، السيد حسن؛ القانون المدني، ج ٦، ص ٣٢١.
[١٤] نصت المادة ٣٠٠ من قانون أصول المحاكمات المدنية السابق المصدق عام ١٣١٨ هـ.ش (١٣٥٨ هـ) على ما يلي: “كلما كان السند المعين الذي هو مدرك ادعاء أو إظهار أحد الطرفين لدى الطرف الآخر، وجب إبراز ذلك السند بناءً على طلب الطرف الآخر، وكلما اعترف الطرف المقابل بوجود السند لديه ولكنه امتنع عن إبرازه، جاز للمحكمة اعتباره من جملة الأدلة المثبتة”. كما نصت المادة ٣٠٢ من قانون أصول المحاكمات المدنية المصدق عام ١٣١٨ هـ.ش على أنه: “كلما امتنع التاجر المستند إلى دفاتره عن إبراز دفاتره ولم يستطع إثبات تلفها أو عدم إمكان الوصول إليها، جاز للمحكمة جعل ذلك من الأدلة المثبتة لإظهار الطرف الآخر”.
[١٥] إمامي، السيد حسن؛ القانون المدني، المجلد ٦، ص ص ٢٢٣ و٢٢٤؛ ومدني، السيد جلال الدين؛ أدلة إثبات الدعوى، ص ص ٢٣٠ و٢٣١.