محمد عندليب همداني

البحث الفقهي في الخلايا الجذعية/13

إشارة: يُعدّ آية الله محمد عندليب همداني فقيهاً تقليدياً من حيث التزامه بالفقه الجواهري، وفقيهاً تجديدياً من حيث اهتمامه بتناول الموضوعات المستحدثة. وبعد سنوات من تدريس دروس السطوح والبحث الخارج في الفقه والأصول في حوزة قم العلمية، اتجه إلى تدريس البحث الخارج في الفقه المعاصر. وتُعدّ «الفقه الطبي» إحدى الموضوعات التي درّسها في الفقه المعاصر خلال هذه الأعوام. ويتناول في هذه المقالة الخاصة بیان أربع نکات هامة في ارتباطها بملكية الخلايا الجذعية؛ وهي نکات يبدو أنها لم تحظَ باهتمام ودقة فقهية كافية حتى الآن. وفيما يلي النص الكامل للمقالة الخاصة لعضو المجلس العلمي الأعلى لمعهد دراسات الفقه المعاصر:

فيما يتعلق بحقوق الملكية والرضا المستنير (الواعي) في استخراج الخلايا الجذعية، هناك أربع نکات يلزم الالتفات إليها:

النكتة الأولى: فقه المصطلحات

يجب الفصل بين ثلاثة مصطلحات رئيسية في هذا الباب:

أ) المالية؛

ب) الملكية؛

ج) السلطنة، وهي بدورها على ثلاثة أقسام: الأول، السلطنة الناشئة عن المالية والملكية؛ الثاني، السلطنة المجردة عن الملكية (= إباحة التصرف)؛ والثالث، السلطنة المجردة حتى عن المالية؛ وذلك في الموارد التي لا يمتلك فيها الشيء أي مالية لدى العقلاء، ولكن حق الاختصاص يظل ثابتاً.

وفي هذا الصدد يجب الالتفات إلى ما يلي:

أولاً: قد نقول إنه في هذا العصر والزمان، ولما كان دم الحبل السرّي وسائر الخلايا الجذعية المستخرجة من الجنين أو الفرد البالغ يمتلك منفعة محللة مقصودة ويُعدّ مالاً عرفاً ولو مالاً بالقوة، فإنه يمتلك المالية شرعاً أيضاً، ولا تمنع النجاسةُ المنفعةَ المحللةَ في نظر الشارع والمقصودةَ في نظر العقلاء منه؛ وقد نقول إننا حتى لو شككنا في ماليته ومن ثم في ملكيته، فإن حق الاختصاص والسلطنة يظلان ثابتين.

ثانياً: عندما تُنفصل الخلية عن البدن، يمكن القول إنها تمتلك الملكية أيضاً (ظاهراً للأم أو للطفل أو ربما لكلايهما)، ويمكن القول مجدداً على فرض عدم الملكية، إن السلطنة وحق الاختصاص ثابتان فيها.

ثالثاً: الاحتياط هنا يكمن في إذن الأم وكذلك ولي الطفل وهو الأب عادةً.

رابعاً: هذه الخلايا الجذعية (من الكتل الدهنية وغيرها) طالما هي في بدن العاقل البالغ، فهي تحت سلطته الخاصة، ولذا يلزم إذنه في العملية الجراحية؛ لكنها عرفاً وشرعاً طالما هي في البدن، فلا تمتلك مالية ولا ملكية، ولذا لا تورث؛ أما إذا انفصلت هذه الكتل الدهنية، فحتى لو لم نقل بالمالية والملكية فيها، فإن حق الاختصاص وبالتالي السلطنة في الإذن بالنسبة لأي تصرف تظل قائمة.

النكتة الثانية: علل وأسباب حصول الملكية

تتمثل علل وأسباب حصول الملكية فيما يلي:

  1. السبب القهري؛ وهو الإرث.

  2. السبب الاعتباري؛ وهو البيع، والصلح، وما شابه ذلك من الأسباب القانونية والاعتبارية. وهذه الملكية هي ثمرة اعتبار ملكية شخص آخر وإبراز هذا الاعتبار باللفظ أو الكتابة أو غير ذلك.

  3. السبب الفعلي؛ مثل إحياء الأرض الموات.

  4. إنشاء إباحة جميع التصرفات؛ حيث تتحقق الملكية للمباح له تحت ضوابط معينة نتيجة لذلك (وطبعاً يُبحث في الفقه هل تتحقق الملكية للمباح له بمجرد القبض أم يلزم وقوع تصرف ما وما إلى ذلك؟).

والآن يجب النظر أين يقع موقع الإعراض في هذا البين؟

ربما بالنظر إلى المطالب التي يطرحها الفقهاء في باب الإعراض، نقول إن الإعراض ملحق بنحو ما بالقسم الرابع، ولكن مع قيود وشروط، وفق البيان التالي:

أولاً: إن الدليل العمدة على صحة القبض والتصرف ومن ثم التملك في الإعراض هو سيرة العقلاء؛ ولأن الدليل الأهم هو سيرة العقلاء وهو دليل ليبي، ولأن الدلیل اللبي يجب الاقتصار فيه على القدر المتيقن منه، فإن القدر المتيقن هو حيث يكون الشيء إما ضئيل القيمة واقعاً، وإما إذا كان ذا قيمة فإنه يُترك من قبل المالك مع علمه بقيمته ودون إكراه.

ثانياً: في الفرض المذكور، فإن إعراض المالك هذا یعنی بنفسه إنشاء إباحة التصرف للجميع؛ وإذا رفع شخصٌ ذلك الشيء فإنه يمتلكه (سواء أملك بمجرد القبض أم بالتصرف وما إلى ذلك).

ثالثاً: إذا كانت أم الطفل وكذلك الأب (بوصفه ولياً) غير مطلعين على القيمة الحالية لدم الحبل السرّي وسائر الخلايا الجذعية، فإن حتى إذنهما الصريح لن يوجب جواز استخراجه لبنك الدم؛ لأن الملاك الفقهي هو طيب النفس، ومع فرض الجهل بقيمة المال يكون طيب النفس حيثياً وصورياً بطبيعة الحال لا مطلقاً وواقعياً؛ وبناءً عليه فحتى لو احتملنا عدم الرضا فلا ينبغي استخراج الخلية.

رابعاً: إن عدم قدرة المالك أو السلطان على شيء ما من حيث كيفية الاستفادة منه لا يوجب المسامحة إطلاقاً في كسب الإذن من المالك؛ وبناءً عليه فإن استمارات الرضا الصوربة لا طائلة منها.

النكتة الثالثة: العقود والاتفاقيات

يمتلك كلٌّ من العقود الفقهية والحقوقية تعريفاً خاصاً، ومكانة متميزة، وأحكاماً تخصصية. ولكي لا ينشأ أي غرر أو ضرر، ولكي لا يحدث نزاع بين الطرفين، وكذلك من أجل وجود حل حقوقي وقانوني وفقهي لفض النزاع عند حدوثه، يجب ذکر نوع العقد في الاستمارات، ويبدو أن الاكتفاء بمجرد عنوان العقد لا يكفي.

إذا كان قصد الطرفين أن يكون هذا الدم لأفراد محددين بنحو لا يمتلك معه البنكُ الدمَ، فإن نوع العقد هنا هو الإجارة؛ بحيث يُستأجر المتكفلون بأخذ الدم وحفظه لقاء مبلغ معين لإعداد هذا الدم للاستفادة منه من قبل المستأجر والأفراد المدنظرين عبر القيام بأعمال فنية وحفظه في مكان خاص حتى مدة محددة. وطبعاً يمكنهم تنظيم هذا العقد في قالب عقد صلح يفيد الإجارة أيضاً.

وإذا كان القصد أن يصبح البنك مالكاً للناتج أو مسلطاً عليه، فيجب أن يملك ذلك إما عبر الإعراض بالتقريب المذكور، وإما عبر إهداء الدم من قبل الأب والأم، وإما عبر دفع عوض للوالدين؛ وإذا كان قصدهما من هذا العقد هو عقد البيع، فيجب أن يصاغ العقد بالأخذ بعين الاعتبار لجميع أحكام البيع وآثاره. كما يمكنهما، من أجل المزيد من التيسير وعدم التقيد بقيود البيع وخصوصياته والمزيد من الاطمئنان بالصحة الشرعية لهذا النقل والانتقال، اللجوء إلى الصلح البدائي المستقل والمسامحي. ومن الواضح أنه في مورد أخذ خلايا البالغ العاقل وكيفية نقلها إلى المراكز ذات الصلة، فإن الشخص نفسه هو صاحب القرار.

النكتة الرابعة: واجب الدولة

ما قيل كان بنظرة فردية مرتبطة بمواجهة بنك الدم للأفراد مباشرةً؛ لكن الهام هنا هو أنه في هذه المسألة الحيوية والمصطلَح عليها قرآنياً بـ “المعروف”، تلعب المجالس التشريعية والحكومات دوراً رئيسياً. وبناءً عليه، ولما كان على السلطتين التشريعية والتنفيذية بحكم العقل والنقل تنظيم أمور الخلق وإقامة المعروف ومن ذلك سلامتهم؛ إذن:

أولاً: يجب أن تسعى الدولة في توعية الناس بهذا الإنجاز العلمي البشري كي يقوم الناس بهذا العمل برضا تام.

ثانياً: إذا أصر الأب والأم على عدم الاستفادة من هذا الشيء وهذا العمل المنقذ وإلقائه في النفاية رغم علمهما بقيمته، فلا ينبغي للدولة مرافقتهم في هذا «المنكر الاجتماعي». وهنا، في تزاحم لزوم إذن الوالدين مع ضرورت ووجوب حفظ النفوس والمساعدة في شفاء المرضى، فإن الخيار الثاني هو الأهم قطعاً؛ ومن هذا المنطلق يسقط شرط إذن صاحب الخلية أو الوالدين. وطبعاً فإن أجهزة الحوكمة مكلفة بالجمع بين الضرورات ومراعاة حقوق الأفراد ما أمكن ذلك.

ثالثاً: حوكمة المجتمع مكلفة باتخاذ ترتيبات تجعل الاستفادة من العلاج بالخلايا متتاحةً للجميع، وتمنع نشاط أولئك الذين لا يفكرون في هذا الأمر الحيوي إلا في ربحهم الخاص.