ركّزت هذه الندوة العلمية بشكل أساسي على التحديات الفقهية لمفهوم «الدولة-الأمة» في مواجهة وحدة الأمة الإسلامية بالاستناد إلى رؤية قائد الثورة، مؤكدةً أن النزعة الوطنية الإيرانية لا تتنافى مع النزعة الأممية فحسب، بل يمكن أن تكون مكملة لها. وفي النهاية، جرى نفي المفارقة الظاهرية بين هذين المفهومين، وأُيّد تآزرهما في إطار الفقه السياسي.
وأشار الدكتور إيزدهي إلى أداء الشهيد الفريق قاسم سليماني في تحولات المنطقة، معتبراً أن هذه الإجراءات لا تتعارض مع الهوية الإيرانية، بل تأتي في امتداد الدفاع عن المصالح والأمن القومي لإيران؛ وقال إن السلوك الإقليمي للجمهورية الإسلامية يمكن تفسيره في هذا الإطار بأنه يخدم الحفاظ على الهوية الوطنية، وفي الوقت نفسه يصب في اتجاه تطوير العمق الاستراتيجي ودعم الأمة الإسلامية.
وسعت هذه الندوة في المجمل إلى إظهار أن النسبة بين النزعة الوطنية والنزعة الأممية لا يمكن تحلیلها مجرد قالب ثنائية تقابلية؛ بل يمكن من خلال إعادة قراءة مباني الفقه السياسي والالتفات إلى المقتضيات المعاصرة، الحديث عن إمكانية التآزر بين هذين الصعيدين.

وفقًا لما أفاد به الموقع الإعلامي لمعهد دراسات الفقه المعاصر، عُقدت ١٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ، بالتزامن مع ذکرى استشهاد الأستاذ المطهري ويوم المعلم، ندوة علمية تحت عنوان «العلاقة بين النزعة الوطنية والنزعة الأممية في الفكر الإسلامي الإيراني وآية الله الخامنئي» في هذا المعهد. وتناولت هذه الندوة، التي أقيمت بهمة مركز أبحاث فقه السياسة والحكم التابع للمعهد، وبحضور حجة الإسلام والمسلمين الدكتور السيد سجاد إيزدهي بوصفه المكرّم المتحدث من مععهد الثقافة والفكر الإسلامي، والدكتور حسين جوان أراسته بوصفه الناقد من معهد الحوزة والجامعة، والدكتور علي شريفي بوصفه الأمين العلمي، دراسة التحديات الفقهية لمفهوم «الدولة-الأمة» أمام وحدة الأمة الإسلامية.

وركزت الندوة على مسائل محورية مثل: التوتر بين الدول المسلمة ذات الحدود السياسية القائمة والمصير المشترك للمسلمين، وقدمت رؤى آية الله الخامنئي كنموذج للتقارب بين الوطنية والأمة بوصفها إجابة للتحديات المعاصرة للفقه السياسي.

في البداية، ربط حجة الإسلام والمسلمين الدكتور شريفي موضوع الندوة بالأحداث الأخيرة، ومنها استشهاد القائد الشهيد، مؤكداً أن العلاقة بين النزعة الوطنية والنزعة الأممية تُعدّ إحدى المباحث الخلافية في الفقه السياسي الإسلامي. وأشار إلى الجهود الفقهية لإيجاد مبنى شرعي لـ «الدولة-الأمة»، متطرقاً إلى التحديات الرئيسية مثل تفاوت الأحكام الفقهية بين جانبي الحدود.

وبحسب الأمين العلمي، فإن حتى الأحكام الشخصية والخاصة في البلدان الإسلامية تتفاوت بسبب الحدود السياسية، وتتغير الحقوق والامتيازات بناءً على الجنسية/الوطنية. والأهم من ذلك كله، فإن هذا التحديد للحدود يربك المصير السياسي المشترك للأمة الإسلامية ويحول دون وصول المسلمين إلى هوية موحدة.

وبيان الدكتور شريفي لرؤية قائد الثورة، أكد أن النزعة الوطنية الإيرانية لا تتنافى مع النزعة الأممية، بل يمكن أن تكون مكملة لها. واستشهد باقتباس مباشر من آية الله الخامنئي في وصفه للشهيد قاسم سليماني: «كان أكثر قادة الجيش الإيراني وطنيةً وأمَميةً»، وهو ما يظهر إمكانية التعايش بين الهوية الوطنية والالتزام بالأمة الإسلامية الواحدة. وتقدم هذه الرؤية إجابة فقهية لتحديات الحدود، مقترحةً أن الوطنية أداة لتعزيز الوحدة الإسلامية وليست عاملاً لتضعيفها.

العلاقة بين النزعة الوطنية والنزعة الأممية في الفكر الإسلامي الإيراني وآية الله الخامنئي

في الاستمرار، هنّأ حجة الإسلام والمسلمين الدكتور إيزدهي بيوم المعلم وأبدى أمله في استمرار الدور التعليمي للأساتذة، ثم تناول البحث من منظار الفقه السياسي. وركّز على تحدي أصل وجود الحدود الوطنية في إطار دار الإسلام، موضحاً الأسئلة المطروحة ومنها: «هل الحدود الجغرافية القائمة على المعايير غير الإسلامية جائزة؟»، ووصف الحدود بأنها أمر اعتباري وغير ذاتي، مؤكداً أنه يمكن جعلها «رقيقة أو غليظة»؛ فعلى سبيل المثال عبر تسهيل التنقل كما في الاتحاد الأوروبي، أو تشديدها كما في قيود فترة كورونا.

ولفت الدكتور إيزدهي إلى أن النزعة الانفصالية تدمر الهوية الوطنية، وأن الوطنية تمتك اعتباراً قوياً يظهر جلياً في الحروب والخسائر الحدودية، كما شهدت إيران ذلك. وحول التعارض بين الهوية الوطنية والنزعة الأممية، ضرب مثالاً بمصر، حيث ما زال النقاش حامياً بين «مصر ما قبل الإسلام» و«مصر الإسلامية»، وفي إيران يضع البعض الوطنية تحت مظلة الإسلامية، بينما يتهمها آخرون بعبادة العرب أو عبادة الغرب.

واعتبر العضو في الهيئة التدريسية لمعهد الثقافة والفكر الإسلامي أن النزعة الوطنية مقارنة بالأمة هي من باب العام والخاص، مؤكداً أنه يجب وضع الوطنية تحت منطق أوسع كـ العالم الإسلامي أو الشيعة. ولفت إلى أن: «القومية/الوطنية ليست أمراً سيئاً بذاتها؛ بل هي أمر اعتباري تابع لما يكتنفه من مزايا ومضار. وبناءً عليه فإن النزعة الوطنية في زمن التسلط (مثل حقبة الاستعمار أو نفوذ الكنيسة) يمكن أن تكون مفيدة، لكن يجب الانتباه إلى أنها بعد الاستقلال لا ينبغي أن تؤدي إلى الضيق والانعزال».

وأضاف الدكتور إيزدهي: «في إيران، تُعدّ النزعة الوطنية رمزاً للانسجام: فرغم تنوع القوميات والمذاهب، يتم التأكيد على الإيرانية، والعلَم الواحد، والقانون الأساسي، والقائد الواحد، وهو ما يدفع حتى غير المتدينين إلى التضحية بأرواحهم في الحروب».

وفي معرض دراسته لتحدي الشبهة القائلة بالتقابل بين الوطنية والأمة بالإشارة إلى مجال الفقه، لم يعُدّ دار الإيمان (مثل إيران الشيعية) نافيةً لـ دار الإسلام، مضيفاً أن شبهة الهوية تنشأ فقط في مقام الدفاع عن الاستقلال أو تنقيص الهوية، لا في مقام التوسع. وبناءً على هذه الرؤية، فإن إجراءات الشهيد سليماني في العراق، والشام، ونيكاراجوا، وفنزويلا ليست تنقيصاً للإيرانية، بل توسيع للنفوذ الإقليمي للدفاع عن إيران، دون التنازل عن الأرض للأعداء مثل أمريكا.

وأكد حجة الإسلام والمسلمين إيزدهي على رؤية القائد الشهيد (آية الله الخامنئي) بأن الإصرار على الإيرانية، واللغة الفارسية، ووحدة القوميات، و«إيران الإسلامية» بوصفها حاضنة للثورة، لا يتنافى إطلاقاً مع الإسلامية. وبحسب رأيه، فإن الثورة الإسلامية تتطلب حاضنة كـ إيران، والتي قد تتسع لتصبح «إيران والعراق»، دون نفي الوطنية. والتحدي الرئيسي هو الحفاظ على الهوية أمام النفوذ.

ولم يرَ الدكتور إيزدهي الوطنية الإيرانية في تقابل مع العالم الإسلامي، بل عدّها مصدراً للمصالح، والانسجام، والوحدة، والدفاع، يمكن أن يؤدي إلى الحضارة الإسلامية-الإيرانية. وأشار إلى الشعراء الإيرانيين كـ حافظ، والسعدي، والفردوسي الذين جسدوا الألفاظ العربية أو الملحمة الإسلامية في قالب الشعر دون تعارض مع الإيرانية.

وفي قسم النقد، أشاد الدكتور جوان أراسته بالعرض الذي قدمه الدكتور إيزدهي مع إحيائه ليوم المعلم، معتبراً إياه مفيداً، لكنه أكد على وجود إبهامات قائلاً: إن القومية/الوطنية لا تترادف بالضرورة مع المقاومة المناهضة للاستعمار، واعتبر أن عدم الاستناد إلى تصريحات القيادة (حتى في مورد واحد) يمثل تحدياً، مبرزاً الحاجة إلى «نموذج» تلفيقي.

ومن منظور القانون الأساسي للجمهورية الإسلامية، اعتبر النظام متمركزاً حول الأمة، لكنه رأى الركن الثاني للدولة هو «الشعب/الملة»، مقترحاً تقديم نموذج يدرج الأمة داخل الملة/الشعب. ولفت إلى طرح نموذج للتابعية الخاصة (دولة معينة) تحت مظلة التابعية الإسلامية العامة للتفاعل مع مسلمي العالم دون ازدواجية، قائلاً: «إن المفتاحين المفهومين الملة والأمة يمتلكان تفكيكاً مفهومياً ويمكن تلفيقهما في الركن الإنساني للدولة، وهو الركن الثاني الذي نسميه عادة الشعب/الملة؛ أي إنه على الرغم من ذلك التفاوت المفهومي، يقدم نموذجاً من الأمة الإسلامية يضع الأمة داخل الشعب/الملة».

وفي الاستمرار، عرض حجة الإسلام والمسلمين الدكتور رهایی، أحد الأساتذة الحاضرين في الندوة، آرائه منتقداً عنوان الندوة، وعادّاً عنوان «الوطنية في مواجهة الأممية» غیر صحيح، ومطرحاً السؤال: ما المراد بالوطنية، والأممية، والملة، والأمة؟ واعتبر خلط الحدود السياسية بالوطنية التحدي الرئيسي.

وببيانه للحديث الشريف «حُبُّ الْوَطَنِ مِنَ الْإِيمَانِ»، اعتبر الحدود تابعة للحقائق (الاقترار، السلطة) لا لمجرد الاعتبارات.

ثم استعرض حجة الإسلام والمسلمين الدكتور دانش‌پژوه مطالبه نقدًا لكلام الدكتور إيزدهي، وفسّر الشعب/الملة بأنه مجتمع بلا حدود وسياسي ذو سيادة، مقترحاً قبول الوطنية تحت مظلة النزعة الأممية، ومضيفاً أن الإسلام يتقبل القوميات ولكنه يدعو إلى الوحدة.

وحول حديث «حُبُّ الْوَطَنِ مِنَ الْإِيمَانِ»، لفت إلى أن: «جذر الوطنية هو حب الذات (من حب الذات إلى الإنسانية)، أما في الإسلام، فإن حب الحق (التوجه نحو الله) هو البديل المفتقد لذلك. والدفاع عن الوطن مع العناوين متعددة الطبقات والوطنية الكبرى يضر بالأمة الإسلامية».

نفی مفارقة الوطنية والأمة: تآزر المطالبة بالحق أم تحدي النمذجة؟ الخاتمة الفقهية لإيزدهي على أرضية الفكر الخامنئي في ندوة المعهد المعاصر

في الخلاصة النهائية، أعرب الدكتور إيزدهي عن شكره للمطالب المطروحة، وعَدّ المفارقة بين الوطنية والأمة منتفية، مضيفاً: لا تتنافى هاتان المقولتان، بل تتمتعان بقابلية التآزر من منظور المباني والنفع/الضرر، ومع نفي المفارقة لا تثبت النزعة القومية المتطرفة، بل يثبت القبول بالوطنية في اتجاه الأمة. واعتبر محور المقاومة هو المطالبة بالحق (لا الحفاظ على الحدود)، وقال: إن الدفاع عن فلسطين ومواجهة الكیان الصهيوني لا حدود له، وهو درع دفاعي يتجاوز الحدود الأمنية؛ ومن هنا فإن اعتبارات الحدود تابعة للقوة والنفوذ؛ مثل الخليج الفارسي ومضيق هرمز، حيث تشكلت بناءً على معايير سابقة وتغييرها ممكن بأدوات القوة.

ووصف دار الإسلام بأنها متعدة الأوجه فقهياً، صريحاً: بمعزل عن الحكومة، تتحدد بناءً على حليّة الذبيحة، أو سوق المسلمين، أو المعتقدات؛ أما بمعناها في الحاكمية الإسلامية، فإن غیر المسلمين داخلها (مثل يهود المدينة في عصر النبي) متآزرون مع المسلمين أمام العدو.

وفي رده على الدكتور رهایی، أكد أن المراد ليس انحصار الشيعة، بل محوريتها، وأن حاضنة الإسلام في إيران هي نواة الوحدة؛ فالدفاع عن إيران هو دفاع عن الإسلام وبالعکس. ومن هنا فإن هذه المقولات ليست مفارقة ولا تناقضاً ظاهرياً، بل قابلة للجمع والتآزر».

وأضاف أن النمذجة (النسبة بين الأمة والملة) تتجاوز البحث الحالي: أولاً نفي التناقض، ثم النمذجة.

وأشار إلى رؤية القيادة مستشهداً بنقل كلامه في فترة الحرب: «عندما تدافعون عن إيران، فإنكم تدافعون تلقائياً عن الإسلام. وتدافعون عن الإسلام دون الدفاع عن إيران في هذه الظروف التي يخوض فيها صدام… هل تعلمون أي ضربة ستتلقاها البلاد؟ تلقائياً، عندما تقفون بوجه صدام، فهذا دفاع عن إيران ودفاع عن الإسلام في وقت واحد». ويعتبر هذا التعابير أن حاضنة الثورة هي إيران الإسلامية: فبدون إيران، لن تُحفظ نواة الإسلام.