إشارة: مع دخول الإنسان عصر الحداثة، أُعترف بالعديد من الحقوق الجديدة بين البشر. وإحدى هذه الحقوق هي «حق المساواة الإنسانية». ومن جهة أخرى، تتنافى بعض الأحكام الشرعية للوهلة الأولى مع هذا الحق؛ كالتفاوتات الحكمية بين الرجل والمرأة، والسيد وغير السيد، والمسلم والكافر، والشيعي والسني، وما إلى ذلك. يعتقد حجة الإسلام والمسلمين مهدي مهريزي، الذي يربو عمر أبحاثه في فقه المرأة والفوارق الحكمية بين النساء والرجال على ثلاثة عقود، أن هناك ثلاثة اتجاهات في التعاطي مع هذه التفاوتات. ويرى أن أفضل منهج يكمن في «إعادة قراءة الأدلة الفقهية»؛ وهي إعادة قراءة لا تؤدي بالضرورة دائماً إلى تغيير الحكم الشرعي. وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” مع هذا الأستاذ والباحث في حوزة قم العلمية:
الفقه المعاصر: ما هو حق المساواة الإنسانية وما هي أبعاده المترتبة عليه؟
مهريزي: أنا أفهم المساواة بين البشر بنحوٍ يعني أن الأفراد -بصرف النظر عن هذه الأمور الخمسة: الجنس، العرق والنسب، الجغرافيا، العقائد والإيمان، والمكانة الاجتماعية- يكونون متساوين في التمتع بمزايا الحياة والعقائد والمقررات. وفي المقابل، فإن أي شيء يفرق بين البشر بسبب هذه الأمور الخمسة يُعدّ تفاوتًا ولاتساوياً.
وسأبسط هذه الأمور الخمسة بالتفصيل: فالجنس یعنی الذكورة والأنوثة؛ والعرق والنسب مثل كون الشخص عربياً أو فارسياً، أو انتماءه إلى هذه القبيلة أو تلك؛ وجغرافيا الأرض مثل كون الشخص من أهل مكة والآخر من أهل المدينة؛ والعقائد والإيمان مثل الكافر والمسلم؛ والمكانة الاجتماعية مثل كون هذا معلماً وذاك عاملاً، وهذا رئيساً وذاك مرؤوساً.
وفيما يتعلق بهذه الأمور الخمسة، إذا وُضع تفاوت بين الأفراد في مجال مزايا الحياة والتمتع والفرص والقوانين، فإنه يتحول إلى عدم مساواة وتفاوت. هذا هو المعنى الكلي لحق المساواة الإنسانية كما أوضحتُ.
الفقه المعاصر: بشكل عام، ما هي الأحكام الشرعية التي يُعتقد أنها تتنافى مع حق المساواة الإنسانية ويجب رفع اليد عنها؟
مهريزي: مسألة أيّ الأحكام الشرعية يجب رفع اليد عنها هي محل بحث وتأمل حالياً. نحن في الوقت الحاضر نتساءل عما يمكن اعتباره تفاوتًا وعدم مساواة؛ أي ما هي الأحكام الموجودة في الفقه التي تشكل مصداقاً لعدم المساواة، كي نقرر لاحقاً ما إذا كنا سنرفع اليد عنها أم لا. لدينا في الفقه أحكام تتنافى مع بعض هذه الأقسام؛ كالأحكام التي تفرق بين الرجل والمرأة في الجنس؛ والأحكام التي تفرق بين الكافر والمسلم أو الشيعي والسني في العقائد والإيمان؛ والأحكام التي تفرق بين السيد وغير السيد في العرق.
فعلى سبيل المثال، عندما نقول إن سهم السادة في الخمس هو للسيد ولا يصل إلى غیر السيد، فهذا الحكم يعبر عن التفاوت بسبب العرق. أو عندما نقول إن غيبة السني جائزة وهي غير جائزة بالنسبة للشيعي، أو أن حكم الدية والقصاص ليس متماثلاً بين المسلم والكافر، فنحن في الحقيقة نضع تفاوتاً بينهم بسبب عقائد الأفراد وإيمانهم. والتفاوت بين الرجل والمرأة بسبب جنسهما كثير جداً.
وبناءً عليه، فنحن في الجملة نواجه في الفقه أحكاماً تشكل مصداقاً لبعض موارد عدم المساواة هذه؛ غير أن المسألة المتعلقة بما يجب علينا فعله تجاه هذه الأحكام وكيفية التعاطي معها هي بحث آخر سنخوض فيه في استمرار الحوار.
الفقه المعاصر: هل يمكن عدّ التفاوت في أحكام الرجل والمرأة في أمور مثل: الدية، الإرث، وشهاداتهما منافيًا لحق المساواة الإنسانية؟
مهريزي: سؤالك هذا لا يختص بالرجل والمرأة، بل ينطبق على الكافر والمسلم أيضاً؛ ولذا فإن توضيحاتي من الآن فصاعداً تشمل كلا الموردين.
الواقع أن هذه الموارد تشكل في الفهم العام والعقلائي نوعاً من التفاوت وعدم المساواة. وعلى الأقل في عالم اليوم، ليس مقبُولاً لدى الناس وضع تفاوت بين الرجل والمرأة أو الكافر والمسلم في أحكامهما. وربما في الماضي، وبسبب الثقافة العامة، لم يكن هذا الفهم موجُوداً، لكنه موجود اليوم.
وقد سلك علماء الدين، سواء الفقهاء منهم أم غير الفقهاء، عدة طرق أمام هذا الشعور بالتفاوت الموجود لدى البشر. أحدها هو التيار العام والشائع الذي يمكننا تسميته بـ «التيار التقليدي». وإجابة هذا التيار هي أن هذه الفوارق هي فوارق دنيوية، لكن الله في الآخرة وفي الأعمال العبادية لم يضع فرقاً بين الرجل والمرأة والسيد وغير السيد. ويلجأ هذا التيار أحياناً إلى التبرير؛ كأن يقال: إذا كان هناك فرق بين الرجل والمرأة فذلك لأن هناك جملة من النفقات والمصاريف على عاتق الرجل وليست على عاتق المرأة، أو مثلاً فيما يتعلق بالسادة، يرجِعون بعض الفوارق في الأحكام إلى الحفاظ على حريم الرسول (ص) وحرمته.
ومن بين أفراد هذه المجموعة التي تشكل التيار الأول، يعتقد البعض أننا لا نعلم فلسفة الأحكام؛ بل يعلمها الله الذي خلق البشر وهو العليم بأباطن الأمور. ولكن لما كان البشر لم يصلوا بعد إلى ذلك الوعي التام بفلسفة الأحكام، فإنهم يفهمون بعض الموارد ولا يفهمون الموارد الأخرى. ولكن على أي حال، يجب القبول بأصل هذه الأحكام، وإذا ناقش فيها أحد فإن تدينه يواجه مشكلة ويتضح أنه ليس مسلّماً أمام الله تعالى. لكن هذه المجموعة تقبل هذه الفوارق على العموم.
والتيار الثاني هو التيار الذي يتابعه «المفكرون التنويريون الدينيون». فهم يقولون بتحليل كلي وفوق-فقهي إن كل هذه الأحكام تتنافى مع حق المساواة ويجب إبعادها؛ لأننا اكتشفنا من الدين جملة من الأصول والمباني القاضية بتساوي البشر، ولذا فإن أي شيء يبدو غیر متساوٍ مثلاً، إما أن يكون مختصاً بذاك الزمان وإما أن الفقهاء أخطأوا في فهمه، ولذا يجب إبعاده كلياً. وهذا تيار أيضاً لا ينتمي أفراده غالباً إلى الحوزة العلمية ويمتلكون خافية غير حوزوية. وشخصيات كـ الدكتور سروش تندرج تحت هذه الفئة.
والتيار الثالث هو تيار حوزوي وفقهي في آنٍ واحد، ونُعرّب عنه بـ تيار «التجديديين الدينيين». يمتلك هذا التيار قاعدة حوزوية ودينية، ويعتقد بأننا فهمنا من القرآن والسنة المعتبرة مساواة البشر، ولذا فإن أي نوع من التفاوت بين البشر يجب أن يخضع لإعادة القراءة مجدداً؛ إذ ربما يكون قد وقع خطأ في فهم الآية، أو تكون الرواية غير صحيحة سنداً ودلالةً وأموراً كالمخالفة للقرآن؛ وبناءً عليه وبالنظر إلى أن هذه المسائل هي محل تساؤل الناس في عالم اليوم، يلزم إخضاعها للدراسة مجدداً. فعلى سبيل المثال، كان التوافق حاصلاً في الماضي حول اختلاف سن البلوغ بين الفتاة والصبي ولم يكن أحد يعارض ذلك؛ أما اليوم فلا يستطيع الناس إدراك فارق الـ ٦ سنوات بين سنين البلوغ هذين؛ ولذا يلزم إعادة قراءة أدلة المسألة مجدداً.
فعلى سبيل المثال، فيما يتعلق بالقصاص بين الرجل والمرأة، ورد في الآية ١٧٨ من سورة البقرة: «الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ». وهذه الآية يجب أخذها إلى جانب الآية ٤٥ من سورة المائدة التي تقول: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ». فالله تعالى لا يقول في هذه الآية: الحر مقابل الحر؛ بل يقول: النفس بالنفس، والعين بالعين. ويقول البعض إن كون الحر مقابل الحر والمرأة مقابل المرأة هو أصل قرآني. في حين أن القصة شيء آخر. يقول السيد جواد علي في كتاب «المفصل في تاریخ العرب» إنه كانت هناك قاعدة لدى العرب قبل الإسلام حيث تصنف القبائل الطبقات بينها؛ كأن تقول قبيلة: إن نساءنا مثل رجالهم، وعبيدنا مثل أحرارهم، لأننا الطبقة الأسمى. وفي هذا الجو، نزلت الآية ١٧٨ من سورة البقرة لتبطل هذه الأرستقراطية. وبناءً عليه فالآية ليست ناظرة إطلاقاً إلى أن قيمة المرأة في القصاص هي نصف قيمة الرجل؛ بل تقول إنكم كنتم تظنون أنكم الطبقة الأعلى ولذا كنتم تعتبرون أفراد الطبقات الدنيئة لدكم بمستوى أفراد الطبقات العليا لديهم، ولأنكم كنتم تظنون أن النساء أدنى والرجال أعلى، كنتم تساوون امرأة قبيلتكم برجالهم وعبد قبيلتكم بأحرارهم؛ في حين أن الأمر ليس كذلك وأنتم مخطئون؛ فالعبد عبدٌ، والمرأة امرأةٌ، والرجل رجلٌ. في الحقيقة يريد الله إبطال فهمهم للطبقات واستعلائهم على سائر القبائل. وفي تفسير هذه الآية أخطأ الفقهاء والمفسرون معاً؛ لأنهم لم يلتفتوا إطلاقاً إلى ظروف صدور هذه الآية. وعندما تتضح ظروف صدور هذه الآية، يتضح أنه لا يوجد تفاوت بين قصاص الرجل والمرأة، فالمرأة مقابل المرأة والرجل مقابل الرجل.
ومن الجهة الأخرى، لدينا آية كليّة في سورة المائدة. وسورة المائدة هي آخر سورة نزلت، وورد في روايات أهل البيت أنها «ناسخةٌ بین المنسوختين»؛ أي لم يُنسخ منها شيء. وبناءً عليه عندما نأخذ سنة نزول سورة البقرة مع سنة نزول سورة المائدة التي هي آخر سورة نزلت في القرآن، ندرك أنه يجب جعل آية سورة المائدة مبنى للعمل وأنه لا يوجد تفاوت بين الرجل والمرأة في حکم القصاص. هذا هو معنى «إعادة قراءة الأدلة»؛ أي خضوع المسألة للدراسة مرة أخرى، وهذه المرة مع الهواجس الجديدة ودراسة ظروف صدور الأدلة وسائر الأدلة الأخرى.
ومع إعادة قراءة الأدلة، تزول الكثير من موارد التفاوت في الأحكام، وطبعاً قد يتبقى عدد منها نتقبّله ونكِل فهمه إلى الله.
وفيما يتعلق بمسألة بلوغ الفتيات، فإن الأمر كذلك؛ ومع إعادة قراءة الأدلة نصل إلى نتيجة مفادها أن معيار البلوغ هو بعينه الحالة التكوينية والطببيعية للصبي والفتاة التي تتحقق معها العلامات التكوينية، ولا مدخلية للسن في ذلك. وربما يكون وجه الخلاف الشديد في سن البلوغ في المذاهب الإسلامية، حيث حدده البعض من ١٤ إلى ١٦ سنة، هو بعينه أن أصل السن ليس ملاكاً.
وقد نُقل عن النبي (ص) أنه قال: «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ»، فربما ينقل أناسٌ مطالب يفهمها الأفراد اللاحقون بنحو أفضل، ولدينا نظائر كثيرة لذلك في الفقه. فقد كان يُقال عن ماء البئر حتى عصر المحقق الحلي إنه ماء قلیل، وكانوا ينقلون روايته دون أن يتفطنوا لها؛ لكنهم قالوا منذ ذلك العصر: كلا، ماء البئر لا يُعدّ حجمه ملاكاً لأنه متصل بالمياه الجوفية، بل الملاك هو الاتصال: «مَاءُ الْبِئْرِ وَاسِعٌ لَا يُفْسِدُهُ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ»؛ فماء البئر واسع ولا يفسده شيء. وهذه الرواية عينها كانت لدى الفقهاء قبل المحقق لكنهم لم يفهموا هذه النقطة منها؛ ولذا فإن إعادة قراءة الأدلة أمرٌ لازم وضروري.
