إشارة: يجمع الدكتور مجيد كياني نجاد بين كونه خبيراً في وزارة الخارجية، والدراسة في الحوزة العلمية، ونيل شهادة الدكتوراه في علم الأديان من جامعة الأديان والمذاهب. وهذه الأمور ذاتها جعلته أحد أكثر الأفراد دراية بفقه العلاقات الدولية. وقد أجرينا معه حواراً حول مستقبل فقه العلاقات الدولية. ويرى هذا الخبير في وزارة الخارجية أن مستقبل فقه العلاقات الدولية زاهر جداً، ولكن بشرط دخول الفقهاء في هذه الساحة بجدية. وهو يعتقد أن فقه أهل البيت (عليهم السلام) يستطيع بفضل معارفه وقيمه تغيير الأعراف والهيمنات والأنظمة الدولية. وهو يرى أن موضوعات عالمية مثل أزمة الأسرة تُعد من الموضوعات التي يمتلك مذهب أهل البيت (ع) معارف وقيم جمة لحلها. وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” مع هذا الباحث في فقه العلاقات الدولية:
الفقه المعاصر: هل ستتغير طريقة «البحث» و«الحل» لمسائل فقه العلاقات الدولية في المائة عام القادمة؟ وکيف تتوقعون أن تكون هذه التغييرات؟
كياني نجاد: نعم، ستتغير حتماً. انظروا، عندما ندرس مبادئ أهل البيت (ع) ندرك أن طريقة حل المسألة في محضر الإمام الهادي (ع) وطريقة إجابته عن المسائل تختلف كثيراً عن طريقة إجابة الإمام الصادق (ع) أو طريقة إجابة سائر المعصومين (عليهم السلام). والدراسة اللازمة في هذا المجال هي الدراسة في أسلوب بيان أهل البيت (ع). يجب دراسة الروايات بمعرفة المخاطَبين وملاحظة أي جانب من جوانب المسألة تناوله كل إمام (ع) في إجابته عن كل مسألة؟ فقد يكون الإمام (ع) قد تناول في إجابته عن سؤال ما جوانبه النفسية والاجتماعية والفلسفية والطبية المختلفة. وإذا نظرنا إلى الروايات بهذه الطريقة، فسيحدث نمو ممتاز جداً في علم الفقه. وحتى الأحكام التي ستصدر بهذا الأسلوب من الدراسة ستغدو مختلفة.
الفقه المعاصر: هل ستتغير إجابات الفقهاء عن مسائل فقه العلاقات الدولية في المائة عام القادمة؟ وفي أي اتجاه تتوقعون أن تكون هذه التغييرات؟
كياني نجاد: ثمة نقطة هي أننا إذا مارسنا صناعة الأعراف، فإن صناعة الأعراف بمرور الوقت ستوقع الهيمنة الصانعة للأعراف نفسها في مصيدة العرف؛ لأن النظام الدولي اتجه الآن نحو إنشاء أنظمة دولية ومنظمات مختلفة؛ وقد تشكلت هذه الأطر ولا يمكن بعد ذلك قلب كل شيء ببساطة. فنحن لا نستطيع العودة إلى الأنظمة السابقة. وهذا النظام متقدم ويسير نحو الأمام كذلك.
فعندما تُبين أعراف مذهب أهل البيت (ع) بالشكل الحديث والدولي، ستؤدي إلى نشوء أنظمة وهياكل دولية جديدة، وتدريجياً سيُضطر الآخرون أيضاً إلى إنجاز تعاملاتهم تحت مظلة هذه الهياكل ذاتها.
فنحن نملك الآن في الأديان مثل المسيحية واليهودية قيماً. وحتى في الأنظمة الحديثة مثل الديمقراطية نملك قيماً تعود جذور بعضها إلى القيم الإلهية المشتركة. فالآن إذا دخل فقهاؤنا في العمل العلمي المعرفي في فقه العلاقات الدولية، فيستطيعون بالنظر إلى قيم مذهب أهل البيت (ع) اقتراح حلول جديدة للتعاملات البشرية.
وكاقتراح عملي، فإن نظام الأسرة في العالم يعاني اليوم من أزمة حادة. وعندما تُطرح هذه المباحث في المنظمات الدولية، تدافع بعض الدول عنها وتخالفها دول أخرى وتتجه نحو أنواع أخرى من العلاقات مثل علاقة الرجل بالرجل أو المرأة بالمرأة أو حتى الإنسان بالحيوان وتعتبر ذلك تشكيلاً للأسرة. إن المذهب الذي يستطيع دعم موضوع الأسرة من الناحية الفلسفية والمعرفية والنفسية والاجتماعية وسائر الأبعاد وإنتاج المعارف والوقوف بوجه أعراف المخالفين هو مذهب أهل البيت (ع). وفي هذا المجال، أيدينا مليئة ونستطيع تفهيم الكثير من هذه الموارد ونكون عوناً كبيراً للآخرين.
وفي مواجهة هذه المشاكل، فإن أيدي الدبلوماسيين والعاملين في المنظمات الدولية والمطلعين على هذه المفاهيم وانتهاك الأعراف فارغة. والسبب في ذلك هو عدم تواصلهم مع الفقهاء. ولكن إذا دخل الفقهاء الميدان واطلعوا على المشاكل والموضوعات المطروحة في الساحة الدولية واستطاعوا تقديم إجابات في وقتها وذات كفاءة للدبلوماسيين، فحينئذٍ ستغدو أيديهم مليئة ويستطيعون طرح هذه الموارد في المحافل الدولية وتحويلها إلى أعراف، وفي النهاية ستؤدي هذه الأعراف إلى القضاء على الأنظمة الدولية والهيمنة والسلطة وتجبرهم على الخضوع لهذا الوضع.
إن أمامنا مستقبلاً مزدهراً جداً. غير أن شرطه هو ورود الفقهاء في هذه الساحة. يجب علينا ترغيب الفقهاء للورود في هذه الساحة. وبطبيعة الحال فقد دخل بعض الفقهاء في هذه الساحة، غير أن عددهم قليل ويجب ورود عدد أكبر. وفي بعض المباحث مثل النسوية والبيئة دخل الفقهاء، غير أنه من الضروري أن يُفهموا هوية العلاقات الدولية بشكل منسجم ثم تُبين لهم نظريات العلاقات الدولية ويُحدد مسار دراسي خاص للورود في هذه الساحة.
