دراسة الفقه السياسي لأهل السنة في شبه القارة الهندية؛

جرى في الندوة ٢٩٧ لمعهد دراسات الفقه المعاصر بحث السير التاريخي والتيارات الرئيسية للفقه السياسي لأهل السنة في شبه القارة الهندية وتأثير التحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة على تشكل النظريات الفقهية والسياسية
عُقدت الندوة العلمية السابعة والتسعون بعد المائتين لمعهد دراسات الفقه المعاصر تحت عنوان «دراسة تيارات الفقه السياسي لأهل السنة في شبه القارة الهندية» برعاية فريق فقه السياسة والعلاقات الدولية. وتناولت هذه الندوة بالبحث والدراسة السير التاريخي والتيارات الرئيسية للفقه السياسي لأهل السنة في شبه القارة الهندية، وتأثير التحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة على تشكل النظريات الفقهية والسياسية. كما شكل دور الاستعمار البريطاني في تحول الفكر السياسي للمسلمين، ومكانة التيارات الديوبندية والبريلوية والجماعة الإسلامية، ونسبة الفقه السياسي والفكر السياسي في شبه القارة، وتأثير المباحث الفقهية على مسار تشكل باكستان أهم المحاور الرئيسية للندوة.
كما تناول المشاركون في قسم الأسئلة والأجوبة دراسة نسبة التيارات الفكرية لأهل السنة بالشيعة وجمهورية إيران الإسلامية، وطاقات الفكر السياسي الشيعي في العالم الإسلامي، والتحديات النظرية للفقه السياسي المعاصر في شبه القارة. وتُعد هذه الندوة جزءاً من سلسلة ندوات فريق فقه السياسة والعلاقات الدولية بمعهد دراسات الفقه المعاصر المقامة بهدف معرفة التيارات الفكرية والفقهية المؤثرة في التحولات السياسية للعالم الإسلامي.

أفاد الموقع الإعلامي لمعهد دراسات الفقه المعاصر بأن حجة الإسلام والمسلمين الدكتور السيد مهدي علي زاده موسوي، عضو الهيئة التدريسية بجامعة الأديان والمذاهب، تصدى في هذه الندوة لتقديم آرائه حول السير التاريخي وتحولات الفقه السياسي لأهل السنة في شبه القارة، بينما تولى الإدارة العلمية للندوة الدكتور عبد الوهاب فراتي، عضو الهيئة التدريسية بمعهد الثقافة والفكر الإسلامي البحثي.

وفي بداية الندوة، أشار الدكتور عبد الوهاب فراتي إلى المصادقة على مشروع «دراسة تيارات الفقه السياسي لأهل السنة» في فريق فقه السياسة والعلاقات الدولية، وقال: جُعل هذا الموضوع في جدول الأعمال في قالب سلسلة ندوات بسبب ضعف الأدبيات البحثية في إيران وقلة المعرفة بالرؤى الجديدة لأهل السنة. وأضاف: تُعقد الندوة الأولى لهذه المجموعة بحضور حجة الإسلام والمسلمين السيد مهدي علي زاده موسوي وتحت موضوع دراسة تيارات الفقه السياسي لأهل السنة في شبه القارة الهندية.

واعتبر المقرر العلمي للندوة في الاستمرار شبه القارة الهندية منطقة واسعة تتضمن الهند، وباكستان، وبنغلاديش، والمالديف، ونيبال، وإلى حد ما أفغانستان وميانمار، ومؤكداً على نفوسها البالغ أكثر من ٦٠٠ مليون مسلم، قدم هذه المنطقة بوصفها ثاني أكبر حقل للمسلمين في العالم. وانتقد غفلة البحوث الفقهية السياسية في إيران تجاه هذه المنطقة قائلاً: لقت شبه القارة في دراساتنا غفلة جادة مقارنة بالشرق الأوسط.

كما اعتبر عضو الهيئة التدريسية بمعهد الثقافة والفكر الإسلامي البحثي معرفة التحولات السياسية للمنطقة مرهونة بفهم السنة الفقهية لشبه القارة، تصريحاً: إن العديد من التيارات السياسية اليوم في أفغانستان وباكستان وبنغلاديش تضرب بجذورها في السنة الفقهية للقرنين الأخيرين، ودون معرفتها لا يمكن تحليل هذه التحولات. وأضاف: مارست هذه التيارات النظرية حول الدولة، والجهاد، والبيعة، والعلاقة مع غير المسلمين، وتجاوزت هذه النظريات المستوى الأكاديمي وغدت مؤثرة في عرصة السياسة أيضاً.

واختتم الدكتور فراتي بالإشارة إلى الأهمية الاستراتيجية لهذا الموضوع لإيران قائلاً: تمتلك بعض هذه التيارات رؤية مواجهة تجاه التشيع، وتولي أخرى اهتماماً لتجربة جمهورية إيران الإسلامية. كما طرح هذا السؤال: هل يمتلك الفقه السياسي لأهل السنة في شبه القارة هوية مستقلة أم إنه مجرد امتداد لسائر تيارات عالم أهل السنة.

شبه القارة؛ إحدى أكبر حواضن الفكر الإسلامي

في بداية كلمته، اعتبر حجة الإسلام والمسلمين الدكتور علي زاده موسوي شبه القارة الهندية إحدى أهم المراكز السكانية والفكرية في العالم الإسلامي، وقال: «تُعد شبه القارة بأكثر من ٦٠٠ مليون مسلم من أكبر الحواضن السكانية للعالم الإسلامي، وتحتل مكانة بليغة الأهمية من حيث إنتاج الفكر أيضاً».

وانتقد قلة اهتمام الباحثين الإيرانيين بهذا الحقل مضيفاً: «لو أُنفقت النسبة نفسها من الطاقة والاستثمار العلمي المصروف في دراسات العالم العربي على شبه القارة، لحصلنا على إنجازات أكبر».

وأشار عضو الهيئة التدريسية بجامعة الأديان والمذاهب إلى الروابط التاريخية والثقافية لإيران وشبه القارة تصريحاً: «لا تزال آثار اللغة والثقافة الفارسية تُشاهد في هذه المنطقة، ويفخر العديد من علمائها بسعدي والحافظ الشيرازي والمولوي».

تأثير المغول والاستعمار على الفقه السياسي لأهل السنة

ومبيناً أن تيارات الفقه السياسي في شبه القارة تأثرت بالعوامل التاريخية كـ حضور المغول، صرح: «في هذه الدورة كان يُنظر للحاكم كـ ظل الله، وكان حفظ النظام السياسي، والتمكين للسلطان، والاجتناب عن مخالفة الحكومة من الأصول المهمة للفقه السياسي».

واعتبر الدكتور علي زاده موسوي الاستعمار البريطاني نقطة تحول في تحولات الفقه السياسي للمنطقة وقال: «أوجد ورود الاستعمار الإنكليزي أسئلة جديدة؛ ومنها نسبة الهند بـ دار الإسلام ودار الحرب، ووجوب الجهاد ضد الاستعمار، ومشروعية التعاون مع الدولة الاستعمارية».

رؤيتان متضادتان حول الجهاد ضد الاستعمار

وأشار هذا الباحث في حقل الفقه السياسي إلى اختلاف رؤى علماء أهل السنة حول الاستعمار وقال: «اعتبر شاه عبد العزيز الدهلوي الهند دار حرب وأكد على لزوم التحرك لإحياء قوة المسلمين؛ غير أن أحمد رضا خان البريلوي واستناداً إلى استمرار الشعائر الإسلامية لم يكن يعتبر الهند دار حرب ولا يرى الجهاد ضد بريطانيا جائزاً».

وأضاف: «أدى هذا الاختلاف في الرؤى إلى تشكل توجهات سياسية متمايزة بين تيارات أهل السنة».

الديوبنديون؛ التيار السياسي الأكثر تأثيراً لأهل السنة

وقدم علي زاده موسوي المدرسة الديوبندية بوصفها أهم تيار في الفقه السياسي لأهل السنة في شبه القارة وقال: «ليست الديوبندية مجرد تيار مذهبي، بل تمتلك حضوراً بارزاً في عرصة السياسة».

وتصرح عضو الهيئة التدريسية بجامعة الأديان والمذاهب: «إن طالبان أفغانستان، وتحريك طالبان باكستان، والعديد من مجموعات المنطقة متأثرون من الناحية الفكرية والسياسية بالسنة الديوبندية».

وأضاف في الاستمرار: «أصدر الديوبنديون أقل الفتاوى التكفيرية، غير أن أكبر نسبة من العنف سُجلت باسمهم؛ بينما يمتلك البريلويون أكبر نسبة فتاوى تكفيرية دون أن يُشاهد منهم عنف ممتد ومنظم». وأكد: «يجب التفكيك بين التكفير النظري والتكفير العملي».

البريلويون؛ نهج محافظ في السياسة

وحول التيار البريلوي صرح: «تركز البريلويون أكثر على المسائل المذهبية، والشعائر الدينية، والزيارة والتوسل، واتخذوا نهجاً محافظاً في السياسة». وأضاف: «لم يؤدِ هذا التيار دوراً بارزاً في النضالات ضد الاستعمار، ولا أظهر حضوراً فاعلاً في النزاعات السياسية للمنطقة».

المودودي وولادة الفقه السياسي الحديث

واعتبر حجة الإسلام والمسلمين علي زاده موسوي أبا الأعلى المودودي أهم منظر للفقه السياسي الحديث في شبه القارة وقال: «ينطلق التيار السياسي الحديث في شبه القارة مع المودودي». وبالإشارة إلى نظرية «الديمقراطية الثيوقراطية» أضاف: «سعى المودودي للجمع بين الحاكمية الإلهية والديمقراطية وتقديم أنموذج للدولة الإسلامية يكون ملتزماً بالشريعة ومستفيداً من الآليات الحديثة في الوقت ذاته».

وأكد: «أعاد تعريف الفقه السياسي الكلاسيكي بـ مفاهيم الدولة الحديثة، ويُعد من أهم المفكرين السياسيين في العالم الإسلامي».

التحديات اليومية للفقه السياسي في شبه القارة

وفي الجزء الأخير من كلمته، اعتبر أهم التحديات المعاصرة للفقه السياسي لأهل السنة في شبه القارة تتلخص في نسبة الإسلام بالديمقراطية، ومكانة الدستور، وحقوق الأقليات، ونسبة الشريعة بالقانون المدني، ومواجهة التطرف، وكذا مسألة مشاركة النساء في الساحة السياسية.

وأكد الدكتور علي زاده موسوي في التلخيص: «في الفضاء الفكري والسياسي لشبه القارة اليوم، يمكن تشخيص ثلاثة نماذج رئيسية؛ الأول الإسلام السياسي بمحورية فكر أبي الأعلى المودودي، والثاني تيار القومية المتعددة الأديان، والثالث تيار التقليدية الذي لا يزال يؤكد على النماذج الكلاسيكية للخلافة».

مواقف التيارات الفقهية لأهل السنة في شبه القارة تجاه الشيعة

في الجزء الأخير من الندوة، أشار حجة الإسلام والمسلمين الدكتور محسن مهاجر نيا إلى مكانة أبي الأعلى المودودي والجماعة الإسلامية في باكستان، وطرح سؤالاً حول نسبة هذه التيارات بـ جمهورية إيران الإسلامية والشيعة. واستحضر ذكراه عن قائد الثورة المعظم بشأن السعي للقاء المودودي، طارحاً هذا السؤال: هل الفاصلة لبعض التيارات الإسلامية عن جمهورية إيران الإسلامية نابعة من الخلافات المذهبية أم عوامل أخرى.

وأشار إلى المشاركة الواسعة للشيعة في شبه القارة، متسائلاً عن نوع مواجهة تيارات الفقه السياسي لأهل السنة معهم.

وأجاب الدكتور علي زاده موسوي قائلاً: «واجه الشيعة في شبه القارة دوماً نوعاً من المسألة الوجودية، وإلى ما قبل الثورة الإسلامية قلّ أن تصوروا لأنفسهم إمكانية تأدية دور سياسي جاد». وأضاف: في الهند وباكستان وبنغلاديش، كان الشيعة يقعون غالباً في هامش الفكر السياسي.

وأوضح في الاستمرار: «بعد الثورة الإسلامية، تعززت الهوية السياسية للشيعة وحظيت الأفكار والتجربة السياسية لجمهورية إيران الإسلامية باهتمام جاد». وبإشارته للأجواء الفكرية في بنغلاديش قال: يسأل العديد من الطلاب والنخب المسلمين اليوم عن قدرة المقاومة لدى جمهورية إيران الإسلامية بوجه القوى الكبرى.

وأكد الدكتور علي زاده موسوي أن تبیين المبادئ الفكرية للمقاومة في جمهورية إيران الإسلامية أمر ضروري للإجابة عن هذه الأسئلة، وأضاف: أدت التحولات الأخيرة لاهتمام أكبر من نخب شبه القارة بالتجربة السياسية للشيعة.

التفكيك بين الفقه السياسي والفكر السياسي في شبه القارة

في استمرار الندوة، أيد الدكتور السيد صادق حقيقت تقسيم التيارات الفقهية لأهل السنة (الديوبندية، والبريلوية، وأهل الحديث)، وطرح هذا السؤال: هل يجب التفكيك بين «الفقه السياسي» و«الفكر السياسي»، وإلى أي مدى كان دور الفقه السياسي حاسماً في تشكل باكستان.

وأجاب حجة الإسلام والمسلمين علي زاده موسوي قائلاً: «صعوبة التفكيك الكامل بين الفقه السياسي والفكر السياسي في شبه القارة تعود إلى أن العديد من الشخصيات هم فقهاء ومنظرون سياسيون في الوقت ذاته». وأشار إلى شخصيات مثل المدني، والعثماني، والديوبندي، والبريلوي وأضاف: حتى المودودي يُعرف في هذا الفضاء كـ فقيه أكثر من كونه مفكراً سياسياً.

دور النزاعات الفقهية في تشكل باكستان

وحول دور الفقه السياسي في استقلال باكستان صرح: انطلقت منذ عقد الثلاثينيات من القرن العشرين مباحث واسعة حول إمكانية عیش المسلمين إلى جانب غیر المسلمين، والتعاون السياسي معهم، ومشروعية الهيكل المستقل الإسلامي.

وأوضح عضو الهيئة التدريسية بجامعة الأديان والمذاهب: كان بعض الفقهاء يرى بقاء المسلمين في الهند ممكناً، غير أن مجموعة أخرى أكدت على تشكيل دولة مستقلة إسلامية. وبحسب قوله، فعلى الرغم من أن القيادة السياسية لاستقلال باكستان كانت مع جناح والعصبة الإسلامية وكان لإقبال اللاهوري دور على المستوى النظري، غير أن البنى التحتية الفكرية لهذا المسار تشكلت من قبل العلماء الدينيين.

واختتم حجة الإسلام والمسلمين علي زاده موسوي بالتأكيد على أنه: بالنظر إلى الدور الحاس للعلماء في المجتمع الدینی لتلك الدورة، فلا يمكن إغفال سهم المباحث الفقهية في تشكل باكستان.