حجة الإسلام والمسلمين أحمد رهدار عضو الهيئة التدريسية بجامعة باقر العلوم:

تحليل الفقه المعاصر استناداً إلى نهج أدنى في الفقه/18

حياة البشر شبكية، وإذا لم يُنجز جزء من تلك الشبكة فلن يُنجز الجزء الآخر أيضاً. ولو جاءت مؤسسة وتكفلت بجزء من تلك الشبكة، فلا تستطيع مؤسسة أخرى تولي بقية تلك الشبكة. وفي العالم الإسلامي، لم تستطع معظم التوجهات المؤيدة لـ الفقه الأدنى صيانة الوجود الديني للشعب المسلم في المجتمعات الإسلامية؛ ومن هنا لم يبقَ في هذه المجتمعات سوى اسم من الإسلام.

إشارة: الفقه الأدنى والفقه الأقصى؛ حتى إن كان المصطلح مسروداً في علم الفقه والكلام أحياناً قبل الثورة الإسلامية، غير أنه تحول بعد انتصار الثورة إلى مكون مهم في توجيه إدارة البلاد. ومن الواضح أن توجه قائدي الثورة كان التوجه الأقصى للفقه وقاما بإدارة البلاد بناءً على ذلك بالذات. ولكن هل قبول الفقه الأدنى يعني عدم إمكانية إدارة البلاد؟ تناقشنا حول تحديات التوجه الأدنى للفقه مع حجة الإسلام والمسلمين أحمد رهدار الذي مارس البحث والتدريس في حقل فقه الدولة لسنوات. يعتقد رئيس مؤسسة “فتوح أنديشه” أن أنصار التوجه الأدنى للفقه يضفون الطابع العرفي على الدين من جهة، ولا يستطيعون أن يكونوا فاعلين مؤثرين في النطاق نفسه الذي يقرون بتدخل الفقه فيه من جهة أخرى. وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” مع عضو الهيئة التدريسية بجامعة باقر العلوم (ع):

الفقه المعاصر: ما هو المراد بـ التوجه الأدنى للفقه في تدخل الفقه في أي عرصة من عرصات حياة الإنسان؟

رهدار: فقهنا المتاح حالياً هو فقه أدنى. والسبب في ذلك هو أنه اقتصر على الساحات الفردية ولم يلج الساحات الحكومية والاجتماعية أساساً. وحتى في المجالات التي دخلها علم الفقه في هذه السنوات، فقد دخل بوصفه بياناً لتكليف المكلفين الفرديين، ولم يتطرق لبيان وظائف المؤسسات، والدولة، والأمة، والحكومة، والمنظمات. وإلى ما قبل الثورة الإسلامية، كان يُتصور أنه يجب العمل بناءً على الفقه المنعكس في الرسالة العملية. غير أنه بعد انتصار الثورة الإسلامية واستقرار الحكومة الإسلامية، أُحس بالحاجة إلى فقه النظام والفقه الحكومي. وفي الوقت الحالي، أُدرك تماماً أن الرسالة العملية لا تكفي لأَسْلَمَة المجتمع؛ بل يجب على الفقه تغيير مكلفه من الفرد إلى المجتمع والمؤسسة والمنظمة، وفي هذه الحالة ستتغير الأحكام أيضاً. أما في الوقت الحالي حيث لم يلج أغلب فقهائنا علم الفقه بهذا الشكل، فإن فقهنا فقه أدنى.

الفقه المعاصر: هل التوجه الأدنى للفقه یعنی الرجوع الأقصى للعقل وسيرة العقلاء وتقليل الرجوع للنصوص؟ وفي هذه الحالة، وبالنظر إلى أن فهم حکم العقل وسيرة العقلاء ممكن لعامة الناس وغير الفقهاء أيضاً، فهل يبقى دليل لرجوع الناس للفقهاء لفهم الشريعة؟

رهدار: نستطيع وضع الفقه الحكومي، والفقه الكلي، والفقه الحضاري، وفقه النظام وأمثال ذلك تحت العنوان الجامع «الفقه الأقصى». وفي هذه الحالة يجب القول: إن من الخصائص الرئيسية لـ الفقه الأقصى زيادة الرجوع للعقل والعرف. فـ الفقه الأدنى حصر نفسه في دائرة النصوص من دون العقل. الفقه الأدنى مثل الإخباريين الذين يرجعون كثيراً للنصوص؛ في قبال الأصوليين الذين يرجعون للعقل والعرف أيضاً إلى جانب النصوص. وفقه الأصوليين مقارنة بفقه الإخباريين هو فقه أقصى. وبطبيعة الحال فإن الفقه الأقصى يرجع للنصوص أيضاً، غير أنه لما كان يقبل العقل والعرف أيضاً، فهو يمارس تفسيراً موسعاً للنصوص بالتمسك بالعقل والعرف؛ في قبال الفقه الأدنى والإخباري اللذين يرجعان للنصوص فقط ولا يوليان اهتماماً كبيراً للعقل والعرف.

الفقه المعاصر: بالنظر إلى أن أنصار التوجه الأدنى للفقه يفسرون تقريباً كافة مسائل الشريعة بالنظر إلى سيرة وحكم العقلاء، وعامة الناس يملكون إمكانية الرجوع لهذا الحكم والسيرة، فماذا كانت فلسفة بعثة الأنبياء أساساً؟

رهدار: اتفاقاً، في الفقه الأقصى يكثر رجوع الفقهاء للعرف والعقل؛ في قبال الفقه الأدنى الذين يقل اهتمامهم بهذه الأدلة. غير أن مراجعة الفقهاء المؤيدين لـ الفقه الأقصى للعقل والعرف لا تعني أنهم غير مهتمين بالنصوص. فالعقلانية الفقهية تمتلك قدماً في النصوص وقدماً أخرى في المجتمع والعرف. والتجميع بين النصوص والسيرة والعقل يقع على عاتق الفقيه طبيعياً، ويسعى الفقيه لإصدار فتوى لا تكون منبتة عن الوحي والنصوص الشرعية. وفي الحقيقة، فإن ضمان عدم انبتات الاستنباطات القائمة على العقل والعرف عن روح الشريعة يكمن لدى الفقيه الذي يسعى دوماً لمراعاة روح الشريعة في فتاواه ودرك مذاق الشارع جيداً.

الفقه المعاصر: ألا يؤدي التوجه الأدنى للدين إلى إضفاء الطابع العرفي على الدين (عَرْفَنَة الدين)؟

رهدار: ثمة خوف كما ذكرتُ أعلاه في أن يصاب أصحاب الفقه الأقصى بالانجراف العرفي بسبب التمسك الزائد بالعرف في استدلالاتهم الفقهية؛ وتوجد مخافة أيضاً بالنسبة لأصحاب الفقه الأدنى وهي أنهم لما كانوا يقللون دائرة تدخل الفقه، فهم يضطرون بالضرورة في غير هذه الموارد للرجوع للسير والأعراف العقلائية، وهذا الأمر نفسه يوجب إضفاء الطابع العرفي على الدين. بعبارة أخرى، يتسبب التوجه الأدنى في دخول ما ليس من الدين في الدين.

وهذا المدعى كلام سديد، ويجب الإقرار بأن التوجه الأدنى للدين يؤدي إلى إضفاء الطابع العرفي على الدين.

الفقه المعاصر: أنصار التوجه الأدنى للدين، في عين اعتبارهم الإجابة عن العديد من المسائل خارجة عن وظيفة الفقه، غير أنهم يتولون مناصب كـ المرجعية التي تستلزم الإجابة القصوى عن أسئلة الناس. فكيف يمكن حل هذا التناقض؟

رهدار: لو فسرنا المرجعية ورسالتها بناءً على التفسير الأقصى للفقه سينشأ هذا التناقض؛ أما لو قلنا إن أنصار الفقه الأدنى يجب أن يفتي مرجع تقليدهم في حدود الفقه الأدنى فقط ولا يتدخل في كافة أمور حياة المكلف. وعلى سبيل المثال، فإن المرجع المؤيد لـ الفقه الأدنى لا ينبغي له أن يتدخل في الملف النووي، والبيئة، والمياه، والأمور العسكرية وما شابه ذلك. وفي هذه الحالة لا يوجد تنافٍ وتصادم بين التوجه الأدنى للفقه وقبول منصب المرجعية.

الفقه المعاصر: كيف كانت تجربة التوجه الأدنى للفقه في الدول الإسلامية والمسيحية؟

رهدار: تسبب التوجه الأدنى للفقه في هذه المجتمعات، على المدى الطويل، في خروج النطاق الخاص الذي يعتبره الفقهاء الأدنيون حكراً عليهم عن سيطرة مؤسسة الفقاهة؛ لأن حياة البشر شبكية، وإذا لم يُنجز جزء من تلك الشبكة فلن يُنجز الجزء الآخر أيضاً. ولو جاءت مؤسسة وتكفلت بجزء من تلك الشبكة، فلا تستطيع مؤسسة أخرى تولي بقية تلك الشبكة. وفي العالم الإسلامي، لم تستطع معظم التوجهات المؤيدة لـ الفقه الأدنى صيانة الوجود الديني للشعب المسلم في المجتمعات الإسلامية؛ ومن هنا لم يبقَ في هذه المجتمعات سوى اسم من الإسلام.