الدكتور السيد أحمد شفيعي دارابي نائب دائرة حماية البيئة بقم في حوار خاص مع "الفقه المعاصر":

الحكم الشرعي في الحفاظ على الموارد الطبيعية من منظور الفقه الإمامي/14

المباحث البيئية متشتتة في الفقه التقليدي. فـ «حفظ البحر» مجهول في باب الصيد، و«حفظ الأشجار» في باب إحياء الموات أو النهي عن قطع الأشجار في الحرم، و«تلوث المياه» في باب الطهارة، و«الإسراف» في باب الأخلاق الاقتصادية. وهذا التشتت منع من تشكل رؤية منظومية وموحدة.

إشارة: يُعد الدكتور السيد أحمد شفيعي دارابي، إلى جانب توليه نيابة دائرة البيئة بقم، أحد المنظرين في حقل البيئة أيضاً. وبالنظر إلى إحالة المسائل الفقهية والحوزوية للبيئة لدائرة البيئة بمحافظة قم، فإن هذه الدائرة دخلت منذ مدة في مجال النقاط المشتركة بين العلوم الإسلامية والبيئة أيضاً. وبهذه المناسبة، وبوصفه فرداً مطلعاً على الحوزة ومتخصصاً في مجال البيئة، تناقشنا معه حول التحديات الفقهية لحفظ الموارد الطبيعية. ومبيناً أن الموارد الطبيعية جزء من البيئة، رأى الأولى بيان تحديات فقه البيئة. وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص الحافل بالنكات لموقع “الفقه المعاصر” مع هذا الباحث البيئي:

الفقه المعاصر: موضوع الحوار هو التحديات الفقهية لحفظ الموارد الطبيعية.

شفيعي: في البداية أرجو استبدال مفردة الموارد الطبيعية بـ مفردة أكثر حديثة وهي البيئة، والتي هي تعبير أكثر اتساعاً بكثير. فالبيئة أعم من الأنظمة البيئية الطبيعية (الموارد الطبيعية) والأنظمة البيئية البشرية (المدن والبلدات الصناعية والساحات الزراعية والحيوانية) وكذلك العالم خارج الأرض. أما الموارد الطبيعية فهي أولاً جزء من البيئة؛ وثانياً فضلاً عن نطاق انتشارها المحدود، فهي تتمتع بنطاق أضيق من المفاهيم مقارنة بالبيئة من حيث نطاق الأفعال داخل النظام البيئي أيضاً. وعلى سبيل المثال فإن البيئة تتضمن كافة الأنواع من البكتيريا إلى الإنسان وكافة الساحات من كيلومترات في عمق التربة إلى نهاية الغلاف الجوي وكذلك كافة الأفعال والعلاقات المعقدة بينها، بينما هذا المفهوم الهيكلي العميق ليس موجداً في مفردة الموارد الطبيعية.

الفقه المعاصر: الحق معك. فمفهوم البيئة أعم من الموارد الطبيعية؛ غير أن موضوع هذا الحوار يخص التحديات الفقهية لحفظ الموارد الطبيعية تحديداً. وبطبيعة الحال لو شعرتم أنه من الأفضل شرح هذه التحديات في مورد البيئة فلا مشكلة. والآن السؤال الأول هو أنه بالنظر لعدم قبول الملكية العابرة للأجيال للموارد الطبيعية في علم الفقه، هل يمكن تقريب لزوم حفظ الموارد الطبيعية للأجيال القادمة؟

شفيعي: ما هو قصدكم من هذا السؤال؟ هل القصد إحصاء الموارد أعم من القواعد الفقهية والتفسيرية أو النص والمتن في القرآن والحديث بخصوص الملكية العابرة للأجيال في حقل البيئة؟ وهل ثبتت مسألة عدم قبول الملكية العابرة للأجيال للموارد الطبيعية في علم الفقه؟! لا يبدو الأمر كذلك؛ بل من الضروري عبر مزيد من الفحص للمصادر إمكان إثبات والاهتمام بالملكية العابرة للأجيال بنحو ما في الفقه.

وبناءً عليه فالأولى طرح هذا السؤال بـ هذا الشكل: مع فرض أن مفهوم «الملكية الخاصة المطلقة العابرة للأجيال» لم يرِد صراحة في الفقه للموارد الطبيعية المشتركة (كالماء، والهواء، والغابات)، فكيف يمكن بالاعتماد على سائر المبادئ الفقهية والإسلامية الغنية، تبيين «حقوق الأجيال القادمة» في الانتفاع من بيئة سالمة و«تكليف الجيل الحاضر» بحمايتها بصورة مستدلة وفقهية؟

وفي الإجابة عن هذا السؤال يجب القول:

١. المبادئ القرآنية والحديثية:

  • مفهوم الأمانة («إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ»): هل يمكن اعتبار البيئة السالمة “أمانة” إلهية بيد الجيل الحاضر للأجيال القادمة؟ تحول هذه الرؤية الملكية المطلقة إلى “حق تصرف مسؤول”.

  • مفهوم إصلاح الأرض والنهي عن الإفساد («وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا»): هل تدمير البيئة الذي يبيد تراث الأجيال القادمة ليس مصداقاً بارزاً لـ «الإفساد في الأرض»؟

  • مفهوم الاستخلاف («هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا»): هل «الاستعمار» بمعناه العمران ليس مشروعاً مستمراً وعابراً للأجيال يكون تدمير البيئة نقضاً للغرض منه؟

٢. القواعد الفقهية الكلية:

  • قاعدة لا ضرر («لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»): هل يمكن إدخال الضرر الذي يلحقه الجيل الحاضر بتدمير البيئة بالأجيال القادمة تحت شمول هذه القاعدة الفقهية الأوسع نطاقاً؟

  • قاعدة العدل والإنصاف: هل العدالة بوصفها أصلاً بنيوياً في الإسلام تقتصر فقط على العلاقات المعاصرة أم تشمل العلاقات العابرة للأجيال أيضاً؟

  • تحقيق المصلحة ودفع المفسدة: هل «حفظ النظام» بوصفه أحد الأهداف الخمسة للشريعة (الدفعية) يشمل حفظ النظام البيئي للأجيال القادمة أيضاً؟

٣. إعادة قراءة مفاهيم الملكية والانتفاع:

  • هل يمكن الإقرار بـ «حق انتفاع» قطعي وغير قابل للسلب للأجيال القادمة من الموارد الطبيعية المشتركة، حتى لو لم تُنقل «الملكية العينية» إليهم؟

  • هل يمكن التفكيك بين مفهوم «الملكية» و«الحكومة والولاية»؟ بـ معنى أن الجيل الحاضر هو مجرد “متولٍ” و”مدير” للبيئة للجيل الحاضر والقادم، لا “مالك” لها.

النتيجة: إن الهدف من هذا السؤال ليس قبول “عدم الملكية العابرة للأجيال”، بل كشف واستنباط مبادئ أكثر متانة داخل التراث الإسلامي تحدد تكليف الجيل الحاضر تجاه الأجيال القادمة بصورة ملزمة شرعاً. وتخرج هذه الرؤية الفقه من الدائرة الضيقة للملكية الفردية وتدفعه نحو مفهوم “المسؤولية الجمعية” و”الحقوق العامة العابرة للأجيال”.

الفقه المعاصر: إلى أي مدى تسبب التوجه الرئيسي لعلم الفقه وهو «التنجيز والتعذير الأخروي» في تركز الفقهاء على الآخرة وعدم تطرقهم الجاد لموضوعات كـ حفظ الموارد الطبيعية التي تنظم الحياة الدنيوية للناس؟

شفيعي: السؤال بحاجة لإعادة مراجعة ومزيد من الفحص. فالبيئة أو الأنظمة البيئية الطبيعية أو الموارد الطبيعية لا تنحصر بأي وجه بالحياة الدنيوية؛ بل يُستفاد من الآيات الكريمة والأحاديث وحتى بعض المصادر الفقهية أن الطبيعة تؤثر مباشرة في دنيا وآخرة الإنسان على حد سواء؛ ومن ثم تُسأل في القيامة إلى جانب سائر أفعال الإنسان في الدنيا. والآن بالنظر إلى أن توجه “التنجيز والتعذير الأخروي” في علم الفقه يعتبر العمل في الدنيا مقدمة وعلة لتشكل المصير الأخروي للإنسان، فكيف لا يمكن اعتبار «تدمير البيئة» كـ «ذنب» و«سبب للعذاب الأخروي» وفي المقابل «الحفاظ عليها» كـ «عبادة» و«سبب للسعادة الأخروية»، مستحقين للتبيين الفقهي؟

أوضح هذه العناوين بالتوالي:

  1. البيئة بـ مثابة “آية” و”نعمة” (مقدمة الإيمان): هل تدمير غابة، أو نوع نادر، أو تلوث نهر، والتي هي جميعاً “آيات الله” («إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ… لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»)، نوع من تدمير الآيات الإلهية وتالياً عمل ضد-ديني ومستوجب للمؤاخذة؟

  2. البيئة بـ مثابة “نعمة” (مقدمة الشكر): النعم الطبيعية كـ الهواء النقي، والماء العذب، والتنوع البيولوجي هي من أكبر النعم الإلهية. ألا يُعد الإسراف وإتلاف هذه النعم («وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا») وتلويثها مصداقاً بارزاً لـ «كفران النعمة» الذي يتبعه العذاب الأخروي؟ («وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ…»).

  3. البيئة بـ مثابة “عرض وأمانة عامة” (مقدمة العدالة): البيئة السالمة “عرض” وممتلك مشترك لكافة البشر (الجيل الحاضر والقادم) وأمانة بيد الجيل الحاضر. ألا يُعد تدميرها، الذي هو ظلم لكافة أصحاب الحق في هذه الأمانة، مصداقاً لـ «التعدي على حقوق الناس» و«الظلم» الذي لا يمكن غفرانه إلا برضا أصحاب الحق (الذين تُشكل الأجيال القادمة جزءاً منهم)؟

  4. تدمير البيئة بـ مثابة “إفساد في الأرض” (سبب نزول العذاب): تعتبر آيات كثيرة “الإفساد في الأرض” دليلاً لنزول العذابات الدنيوية والأخروية. ألا تُعد الأنشطة كـ التلوثات الواسعة، وإباد الزراعة والحياة البرية، وإرباك التوازن المناخي («أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا») مصداقاً جلياً لـ «الإفساد»؟

وبهذه الرؤية، فإن تركز الفقه على الآخرة ليس مانعاً للتطرق للبيئة فحسب، بل يوجد أقوى دافع وإلزام ديني لحمايتها. لأن:

  • تدمير البيئة = كفران النعمة + الإفساد في الأرض + التعدي على حقوق الناس + تدمير آيات الله.

  • الحفاظ على البيئة = شكر النعمة + عمران الأرض + أداء الأمانة + احترام المسجد العام لله.

وبناءً عليه فإن السؤال الرئيسي يُعاد تعريفه لا من موقع “عدم اعتناء الفقه بالدنيا”، بل من موقع “كيفية إثبات كون التدمير ذنباً والحفاظ عبادة في النظام الأخروي للفقه”. وهذا التغير في الرؤية يدخل الفقه من الهامش إلى متن أزمة البيئة.

الفقه المعاصر: عدم تطرق الفقهاء الجاد لمقولة الموارد الطبيعية والذي يُعد عدم اختصاص أي من الأبواب الفقهية والحديثية لها إحدى علائمه، تعود لأي أمور برأیک؟

شفيعي: تتألف هذه الأمور والعوامل من:

١. العوامل المعرفية والتاريخية (النموذج الحاكم على الفقه التقليدي):

  • أ) غلبة الرؤية الفردية المحور: الهيكل التقليدي للفقه (ولا سيما في الرسائل العملية) صُمم للإجابة عن الاحتياجات الفردية للمسلم في العبادات والمعاملات الشخصية. والبيئة بوصفها «مسألة جمعية وفوق-فردية» لم تکن تقع بسهولة في هذا الإطار.

  • ب) عدم حدة وشدة الأزمة في الماضي: في المجتمعات قبل الصناعية، قلّ أن كان تدمير البيئة يحمل الأبعاد غير القابلة للاستدراك والشاملة والمتسارعة كـ اليوم؛ ومن ثم لم يكن يُطرح كـ «أولوية فقهية-اجتماعية».

  • ج) عدم تكون “موضوع” البيئة في الذهن السابق للفقهاء: كان فقهاء الماضي يتطرقون للمصاديق المتشتتة كـ «الصيد»، أو «إحياء الأرض الموات»، أو «آداب التخلي» بشكل منفصل، ولكن «البيئة» بوصفها «كلان-موضوع» بـ أجزاء متصلة (هواء، ماء، تربة، كائنات حية) لم تكن مُعرّفة في منظومتهم الفكرية.

٢. العوامل الهيكلية والمؤسسية (نظام الاستنباط الفقهي):

  • أ) غياب الهيكل الحكومي المشروع على مدى التاريخ الشيعي: العديد من الأحكام المتعلقة بالبيئة (كتحديد حريم الموارد الطبيعية، وضع الرسوم للتلوث، الإدارة الإقليمية) هي من الأحكام الحكومية وفي نطاق صلاحيات «حاكم الشرع» و«ولاية الأمر». ومع غياب هذا الهيكل، ضعفت أيضاً الأرضية الرئيسية للتنفيذ والتنظير في هذا المجال.

  • ب) تشتت المباحث في أبواب الفقه المختلفة: المباحث البيئية متشتتة في الفقه التقليدي. «حفظ البحر» في باب الصيد، و«حفظ الأشجار» في باب إحياء الموات أو النهي عن قطع الأشجار في الحرم، و«تلوث المياه» في باب الطهارة، و«الإسراف» في باب الأخلاق الاقتصادية. وهذا التشتت منع من تشكل رؤية منظومية وموحدة.

  • ج) النقص في «فقه المجتمع» و«فقه النظام»: كان الفقه التقليدي يركز أكثر على تنظيم العلاقات بين الفرد والفرد أو الفرد والله، بينما تتطلب البيئة «فقه النظام»؛ أي فقه يستطيع تنظيم العلاقات المعقدة للمؤسسات، والصناعات، والدولة، والمجتمع في قبال «نظام» (إيكوسستم). وهذه الفاصلة النظرية كانت موجدة تاريخياً.

٣. العوامل الثقافية-الاجتهادية:

  • أ) ترتيب أولويات المسائل: مسائل العبادات، والأسرة، والاقتصاد الشخصي، والأمور القضائية كانت تقع دوماً في أولويات السؤال من المجتهد ونتيجة لذلك في أولوية استنباطه.

  • ب) النقص في “معرفة الموضوع” الحديثة: لإستنباط الحكم الدقيق، يُعد «الفهم الدقيق للموضوع» من قبل المجتهد ضرورياً. والتعقيدات العلمية للأزمات البيئية (كالتغيرات المناخية، انقراض الأنواع، التلوثات الكيميائية) تتطلب التعاون مع متخصصي العلوم التجريبية وهو تعاون لم يكن متشكلاً بشكل نظامي في الماضي.

ولحل التحديات أعلاه، يبدو أن تشكيل الحكومة الإسلامية (توفير أرضية «الأحكام الحكومية»)، واشتداد الأزمات البيئية (صيرورة المسألة ضرورة)، واتساع «فقه النظام» و«فقه المجتمع» (تطوير الأدوات النظرية) هي من الأمور الضرورية التي وإن أُنجز الأول منها غير أننا نملك مساراً طويلاً لحين تحقق الثاني. وبطبيعة الحال نشهد اليوم تشكل فقه البيئة بوصفه «حقل دراسات عابر للتخصصات» ومستقل في المجامع العلمية الحوزوية بهدف جمع، وهيكلة، وتطوير تلك المباحث المتشتتة ذاتها في قالب «نظام‌نامه فقهي» شامل لحماية البيئة؛ غير أن تكميل وتنظيم هذا النظام يتطلب الجهد الجمعي للفقهاء.

الفقه المعاصر: بالنظر لتصريحات النصوص الدينية حول ملكية المعادن من قبل الأشخاص الحقيقيين، كيف يمكن اعتبارها جزءاً من الأنفال واحتساب الحكومة الإسلامية مسؤولة عن حفظها؟

شفيعي: بخصوص المعادن، قد تختلف الإدارة عن الملكية. فمن الممكن أن يكون الشخص مالكاً؛ ولكن هـذا الموضوع لا ينفي مسؤولية الآخرين في الرقابة على الاستغلال؛ بالشكل نفسه الذي لا توجد فيه المسؤولية أو الإدارة الملكية. وعلى سبيل المثال، فكما أن مسؤول إدارة أو منظمة ليس مالكاً لها؛ بالشكل نفسه فإن الملكية لا تنفي مسؤولية الآخرين. وعلى سبيل المثال فلو كان شخص مالكاً لـ معدن فـتستطيع الدولة ممارسة الرقابة بالنسبة لتدمير الاستغلال المفرط لأكثر من طاقة الأرض. ومن جهة أخرى تُطرح نظرية أخرى وهي أنه لا يوجد أحد مالكاً حقيقياً ونهائياً والمالك الأصلي هو الله تعالى وهـذه الأموال أمانة بيد الإنسان لكي يستخدمها وينتفع منها بـ النحو الأحسن؛ ومن ثَمّ فلو لم يستغلها بالنحو الأحسن فيستطيع الحاكم الإسلامي التصرف فيها وإصلاحها. وعلى سبيل المثال معدن احتكاري لا يوجد سوى عدد واحد منه في البلاد أو تلك المنطقة وتعتمد كافة الصناعات والأنشطة عليه، فهل يستطيع الفرد المالك تقييده بنحو تتوقف فيه كافة الأنشطة الصناعية وتلحق الخسارة بالمجتمع الإسلامي؟ ومن هنا فإن إدارة الموارد ذات المنافع المشتركة تكون مع الحاكم الإسلامي حتى وإن كانت الملكية خاصة.

وتوجد أمثلة كثيرة في هذا الصدد. وعلى سبيل المثال، فإن البائع في السوق مالك لأمواله وبضائعه؛ ولكنه لا يُؤذن له ببيع البضائع المملوكة له بأي سعر يراه مناسباً. وهنا تتدخل الملكية في بعض شؤون وأبعاد السلعة لا في كلها. وحتى الحاكم الإسلامي قد يخصص حق البيع والشراء وحتى الهبة والهدية لسلعة ما لأجل صلاح ومصلحة المجتمع بـ ملكية خصوصية لأفراد محددين.

والنتيجة هي أن المعادن الكبرى وحتى مكامن النفط في البلاد لا تُعتبر بداية من الأنفال ويمكن تملكها من قبل الأشخاص؛ كما كانت هذه المعادن تُستغل بشكل خاص من قبل بعض الشركات الكبرى الأجنبية في حدود عام ١٣٤٠هـ (١٩٢٠م). وفي المرحلة التالية يستطيع الحاكم الإسلامي حسَب مراعاة المصالح والنفع العام إخراج المعادن من الملكية الخاصة وتولي التصرف فيها أو إدخال التخصيص على جانب من التصرف أو الملكية فيها. وفي رأيي، ففي الحالة الأولية لا ينبغي إدخال المعادن في مقولة الأنفال ما لم تُراعَ مصلحة في هذا الصدد ويكون «حفظ النظام» مقدماً على الملكية.

الفقه المعاصر: التوجه الفردي وغير الحكومي لعلم الفقه الذي يعود لعدم السيادة التاريخية للفقه الشيعي إلى ما قبل الثورة الإسلامية، إلى أي مدى يمكن طرحه كـ أحد دلائل عدم تطرق الفقهاء الجاد لمقولة حفظ الموارد الطبيعية؟

شفيعي: يمكن بسط وتحليل هذه الفكرة في عدة محاور:

١. التمهيد التاريخي: الفقه في هامش السلطة

على مدى قرون، نما الفقه الإمامي في ظروف غياب السيادة وفي أفضل الحالات في حالة التفاعل المحدود مع حكومات الجور. وفي مثل هذه البيئة:

  1. كانت مراجعة الناس للفقهاء تدور عمدتاً حول المسائل الشخصية: الأحكام العبادية، الأسرة، المعاملات الفردية، الإرث و… وشكلت هذه الاحتياجات التيار الرئيسي للحراك الفقهي.

  2. كان السؤال عن “الحكومة” و”السياسة” يُطرح بشكل تجريدي: مباحث كـ الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشروط الحاكم كانت تبقى في المستوى النظري ولـ “زمان تشكيل الحكومة”. وفي غياب دولة إسلامية تفعيلية، بَقي الفقه بالضرورة “فردياً” و”مجتمعياً-محلياً” ولم يذهب نحو المسائل الكلية للحوكمة.

٢. التبعات الفقهية لهذا التوجه

أثرت هذه البيئة التاريخية مباشرة على محتوى الفقه:

  • غياب “مصلحة النظام” و”المنافع العامة” كـ مقولة مستقلة: في الفقه التقليدي، قلّ أن وجدت مفاهيم كـ “مصلحة النظام”، أو “الأمن القومي”، أو “حفظ الموارد للأجيال القادمة” مساحة للبروز كـ عناصر مستقلة وذات ضابطة فقهية. وكانت هذه المفاهيم تُطرح تحت العناوين الثانوية وفي موارد الاضطرار لا كـ أصول اولية للحوكمة.

  • التركز على “الحقوق الفردية” في قبال “التكاليف العامة”: في بحث المعادن، كان السؤال الرئيسي هو: “هل يستطيع الفرد تملك هذا المعدن؟” (حق فردي). أما السؤال الحكومي فهو: “ما هي المسؤولية الواقعة على عاتق الحكومة تجاه هذا المصدر الوطني؟” (تكليف عام). وأدى غياب الدولة الإسلامية لقلة سبر هذا السؤال الثاني فقهياً.

  • عدم تطوير “فقه البيئة”: كانت المفاهيم الحديثة كـ “التدمير البيئي”، أو “استدامة الموارد”، أو “التلوث العابر للحدود” غائبة في الأدبيات الفقهية التقليدية؛ لأن هذه المسائل بالمقياس الكلي هي وليدة الثورة الصناعية والحوكمة الحديثة، وكانت في الماضي تبرز غالباً كـ مشاكل محلية ومحدودة.

  • عدم الضرورة العملية لتبيين “حدود صلاحيات الحاكم”: عندما لا تكون هناك حكومة قائمة، فلا حاجة للإجابة عن أسئلة كـ “إلى أي حد يستطيع الحاكم الإسلامي التدخل في الملكية الخاصة لصالح البيئة؟” أو “هل يستطيع مصادرة أراضي الأفراد لحفظ غابة ما؟”.

٣. نماذج عينية أخرى (تتجاوز البيئة):

  • المصرفية: كان الفقه التقليدي ينظر للربا كـ ذنب فردي ومعاملة باطلة. أما تصميم نظام اقتصادي دون ربا يستطيع الإجابة عن احتياجات بلد كـ تأمين السيولة، والاستثمار الكلي، والتجارة الدولية، فهو تحدٍ حكومي تماماً وضع الفقه بعد الثورة أمام التحدي الجسيم.

  • التأمين: مفهوم التأمين بوصفه مؤسسة اجتماعية لإدارة المخاطر لم تكن له سابقة في الفقه التقليدي، وتصدى الفقهاء بعد مواجهته أولاً للتحليل الفردي لعقد التأمين لا تصميم نظام تأمين اجتماعي قائم على المفاهيم الإسلامية.

النتيجة: إن التوجه الفردي وغير الحكومي للفقه الشيعي على مدى التاريخ كان العامل الرئيسي في عدم تشكل “فقه الحكومة” أو “فقه الدولة” بمعناه الكامل. فكان هذا الفقه فقه “الملة” (فقه الأمة في ظروف التشتت) أكثر من كونه فقه “الدولة” (فقه الحكومة في ظروف السيادة).

وأحدثت الثورة الإسلامية في إيران تغيراً كبيراً في التوجهات في الفقه الشيعي. ولأول مرة، أضحى الفقه ملزماً ليس فقط بالإجابة عن الأسئلة الفردية، بل بتقديم حلول لحوكمة بلد واسع في العالم الحديث. وهنا ازدهرت وبَرَزت بمستوى غير مسبوق مفاهيم كـ الولاية المطلقة للفقیه (كـ سند لصلاحيات الحاكم)، ومصلحة النظام (كـ معيار لاتخاذ القرار في المسائل الكلية)، والأحكام الحكومية.

وبناءً عليه يمكن القول إن الفقه التقليدي بفضل ظروفه التاريخية لم يكن يستطيع التعرج لمقولة كـ “حفظ الموارد الطبيعية” كـ مسؤولية حكومية. وتقع هذه الوظيفة على عاتق فقهاء العصر الحاضر ليستنبطوا ويدونوا الأحكام اللازمة لهذه العرصة بالاستفادة من الأدوات الحيوية للاجتهاد ذاتها ولكن في إطار نموذج حكومي جديد.