حجة الإسلام والمسلمين محمد عشايري منفرد في حوار خاص مع "الفقه المعاصر":

اصول الفقه الإعلام/8

في الوقت الراهن، توجد رقابة في مجال الفن في البلاد، ولكن لا أنا كفقيه أعرف ما هي مشاكل الرقابة، ولا الجهة المنفذة للرقابة، وهي وزارة الإرشاد، تعرف ما هي هواجسي كفقيه، وكلانا لا يعرف آراء الفنانين. أنا أجلس بمفردي وأمارس التفقه، والمراقب أيضاً يجلس بمفرده ويكتب قوانينه، والفنان كذلك ينتج عمله الفني بمفرده؛ كلنا غافلون عن أحوال وهواجس بعضنا البعض؛ بينما لو جلسنا معاً، يمكننا التوصل إلى حل مشترك.

مقدمة

لم تحظَ المنهجية في الفقه المعاصر بالاهتمام إلا منذ سنوات قليلة، وباتت الإشارة إليها تظهر إلى حد ما في كتابات ودروس الفقه المعاصر. وفيما يتعلق بالفقه المستجد، وخاصة فقه الإعلام، كان السؤال مطروحاً دائماً: هل لكل من هذه الأبواب الفقهية منهجه الخاص لحل المسائل، أم أن الفقه المعاصر أو علم الفقه بشكل عام يمتلك منهجاً واحداً لحل المسائل. يرى حجة الإسلام والمسلمين محمد عشايري منفرد أن مشكلة المنهجية تمتد لتشمل كل فروع الفقه المعاصر، ويعتبرها أكثر حدة في فقه الإعلام. وبحسب اعتقاد هذا الأستاذ والكاتب في الحوزة العلمية بقم، فإنه لا مناص من الدراسات البينية لحل مسائل فقه الإعلام، وإلا فلن نتمكن من حل مسائل فقه الإعلام بكفاءة دون هذه الدراسات. نقدم لكم فيما يلي تفاصيل الحوار الخاص والمليء بالنقاط المهمة الذي أجراه عضو الهيئة العلمية لجامعة المصطفى مع “الفقه المعاصر”:

الفقه المعاصر: ما هو فقه الإعلام، وما هي متطلباته؟

عشايري منفرد: عندما نتحدث عن فقه الإعلام، فإننا في الواقع نتحدث عن “فقه مضاف”؛ أي فقه يكون “الإعلام” هو المضاف إليه. نحن نعرف الفقه؛ ولكن لكي نعرف الإعلام، يجب أن يكون لدينا تعريف صحيح ودقيق لأركانه وأجزائه وخصائص أركانه، حتى نتمكن من تصميم مسائل وفروع واقعية للإعلام. بعبارة أخرى، عندما نتحدث عن فقه الإعلام، لا يحق لنا أن نتناول الفروع المشتركة بين الإعلام وغيره من الأمور؛ أي لا يمكننا أن نأخذ حُرمة الكذب أو حُرمة الغيبة ونبحثهما كفروع فقهية للإعلام؛ بل يجب أن نعرف الإعلام بطريقة تبيّن لنا كيفية إدراكنا وفهمنا لماهية الإعلام، وما هي الفروع الخاصة الكامنة في ذات الإعلام والمختصة به. إذا حدث ذلك، حينها يمكننا الوصول إلى فروع تختص بالإعلام حصراً، أو حتى لو كانت هذه الفروع محل بحث في غير الإعلام، مثل حُرمة الكذب، فعلى الأقل تحدث تغييرات في الفروع والمسائل لتصبح متوافقة مع طبيعة الإعلام نفسه.

على سبيل المثال، إذا كنا على دراية بقدرة الإعلام على اختلاق الكذب، وتمكنا من فهم الحيل التي تستخدمها وسائل الإعلام الحديثة والجديدة لممارسة الكذب، والتي تقارب عشر حيل لنقل الواقع بشكل غير حقيقي وكاذب ومشوه في الإعلام؛ إذا تمكنا من معرفة تلك الحيل العشر، حينها يمكننا الحديث عن نماذج من نقل الرسائل المشكوك في كذبها وبحثها في فقه الإعلام، وهي نماذج تختص بالإعلام ولا وجود لها في الكذب الشخصي. القول بأننا بقدر ما نعرف الإعلام وماهيته وأركانه وأدواته، يمكننا إيجاد المسائل والفروع الخاصة بالإعلام وبحثها، يعود سببه إلى أنه بدون هذه المعرفة، لا يمكننا استنباط أحكام صحيحة ودقيقة. على سبيل المثال، عندما يمتلك شخص ما وسيلة إعلامية، فهذا يعني أنه يمتلك قوة في ذلك المجال. مثلاً، عندما ينشئ وسيلة إعلامية في موضوع تربية الأبناء، فمعنى ذلك أنني متخصص وصاحب قدرة في هذا المجال. الآن، إذا أنشأ هذه الوسيلة الإعلامية دون هذا الوعي والقدرة، فإن هذا التأسيس بحد ذاته نوع من الكذب. إذا لم يكن تخصصي هو القانون، ولكني أنشأت صفحة وقناة في مجال القانون وقدمت استشارات، فهذا العمل نوع من الكذب.

إذا عرفنا الإعلام بهذه الطريقة، حينها في فقه الإعلام، لن نتحدث عن مستثنيات الغيبة والفرق بين الكذب والتورية. في فقه الإعلام، إذا أردنا الحديث عن الغيبة، فيجب أن نتحدث عن أنواع الغيبة التي يمكن أن يخلقها الإعلام حصراً، لا الغيبة التي يمكن أن تحدث بدونه. المباحث من هذا القبيل التي تُطرح في فقه الإعلام هي في الحقيقة “فقه شبه الإعلام”، وليست “فقه الإعلام”.

الفقه المعاصر: هل تختلف منهجية حل المسائل المستحدثة عن منهجية حل مسائل الفقه التقليدي؟

عشايري منفرد: بالطبع توجد بعض الفروقات بين استنباط الحكم الشرعي لمسألة مستحدثة ومسألة غير مستحدثة، أو موضوعات مثل الصلاة والصوم التي هي من ابتداع الشارع نفسه؛ ولكن قبل أن أشير إلى هذا الفرق، أود أن أوجه الأذهان إلى نقطة أكثر أهمية؛ وهي أن كلمة “مسألة” تبدو كأنها مشترك لفظي. عندما نقول “حل المسألة”، يمكن أن يكون للمسألة معنيان: المعنى الأول هو نفس التصور الذي لدينا في فقهنا الرائج والتقليدي للفروع الفقهية، والذي على أساسه نكتب كتب “توضيح المسائل” و”جامع المسائل” و”مجمع المسائل”. المراد بالمسألة في هذا الاصطلاح هو هذه الفروع الفقهية المصطلح عليها. أما المصطلح الثاني، فهو مرادف لـ “المشكلة”، وحل المسألة بهذا المعنى هو أن هناك مشكلة قائمة لم تُحل بعد ويُراد حلها. يجب أن نرى أيهما نقصده، الأول أم الثاني؟

إذا أردت أن أضرب مثالاً من فقه الفن، فسأقدم هذا المثال. نحن في الفقه نقول للنساء إنهن يجب أن يراعين حجابهن. هذه التوصية ليست توصية الإسلام فحسب، بل هي توصية بعض المذاهب النسوية التي تصر على ألا تعرض النساء جاذبيتهن الجنسية للعلن حتى لا تضيع هويتهن وسلطتهن الأنثوية تحت وطأة جاذبيتهن الجنسية. الآن، تريد امرأة أن تلعب دور امرأة سيئة أمام الكاميرا. من ناحية، يقول لها الشرع إنه يجب عليها أن ترتدي الحجاب دائماً وفي كل حال؛ ومن ناحية أخرى، يقتضي الدور ألا ترتدي الحجاب. هنا توجد مسألة. إذا نظرنا إلى المسألة بمعناها الأول، فإن حكمها الشرعي هو وجوب مراعاة الحجاب. ولكن إذا نظرنا إليها بمعنى المشكلة والتحدي، فحينها يجب أن تكون لدينا دراسة بينية، وأن نضع بعض الذين لديهم دراسات أو خبرات تمثيلية إلى جانب الفقيه ليجدوا معاً حلاً لهذه المسألة، حتى تتمكن الممثلات من أداء أدوارهن المختلفة مع مراعاة الضوابط الشرعية.

إحدى المشكلات التي تم إيجاد حل لها هي مسألة تمثيل وجوه المعصومين (ع) في السينما، حيث تم بطرق معينة الشعور بحضور المعصوم (ع) في الفيلم دون عرض وجهه. هذا ما يسمى حل المسألة.

من المتطلبات المهمة لحل المسألة إجراء دراسات بينية. في هذه المسألة التي ذكرتها، يجب أن يجلس فقيه ومتخصص في السينما معاً ويتوصلا إلى حل؛ لا أن يقرر المتخصص في السينما بشأن الفقه، ولا أن يقرر المتخصص في الفقه بشأن السينما. إحدى المشكلات الموجودة في البلاد والتي تمنعنا من التوصل إلى نتائج في الموضوعات وحل المسائل هي هذا الافتقار إلى الدراسات البينية. على سبيل المثال: في الوقت الراهن، توجد رقابة في مجال الفن في البلاد، ولكن لا أنا كفقيه أعرف ما هي مشاكل الرقابة، ولا الجهة المنفذة للرقابة، وهي وزارة الإرشاد، تعرف ما هي هواجسي كفقيه، وكلانا لا يعرف آراء الفنانين. أنا أجلس بمفردي وأمارس التفقه، والمراقب أيضاً يجلس بمفرده ويكتب قوانينه، والفنان كذلك ينتج عمله الفني بمفرده؛ كلنا غافلون عن أحوال وهواجس بعضنا البعض؛ بينما لو جلسنا معاً، يمكننا التوصل إلى حل مشترك.

أما فيما يتعلق بحل المسألة بالمعنى الأول، فإن الخطوة الأولى هي أن يكون لدينا تصور صحيح عن الموضوع. موضوعات الإعلام ليست موضوعات منصوصاً عليها أو من ابتداع الشريعة بحيث يمكن الرجوع إلى النصوص أو كتب اللغة للتعرف عليها؛ بل يجب أن نواجه هذه الظاهرة، وإلا فلن نتمكن من الوصول إلى كنه المسألة والتعرف عليها بدقة دون هذه المواجهة. هذه المشكلة بالطبع لا تقتصر على فقه الإعلام، بل توجد أيضاً في سائر الأبواب الفقهية المستجدة. هذه هي مشكلتنا الأكثر شيوعاً في الفقه المعاصر. لكي يتمكن الفقيه من الإفتاء في موضوع معاصر، يجب عليه أن يعرف ذات ذلك الموضوع وعوارضه وتبعاته بشكل صحيح، وإلا فلن يتمكن من إصدار فتوى صائبة وكاملة ودقيقة.

الفقه المعاصر: حل مسائل فقه الإعلام، يستلزم مراعاة أي متطلبات؟

عشايري منفرد: من خلال التوضيحات التي قدمتها، يُفهم تلقائياً ما هي متطلبات منهجية حل مسائل فقه الإعلام. المتطلبات هي هذه الأمور التي ذكرتها؛ أي الفهم الدقيق والشامل للموضوع وضرورة الدراسات البينية. ورغم أن هذه النقاط موجودة في كل فروع الفقه المضاف، إلا أنها في فقه الإعلام تتمتع بتعقيدات فريدة يجب أخذها بعين الاعتبار؛ لأن فهم الموضوع ومعرفة طبيعة موضوعات الإعلام لا يتيسر بمجرد المعلومات العامة، بل من الضروري إما أن يكون للفقيه نفسه معرفة كافية في هذا المجال، أو أن يستعين بمستشارين متخصصين لفهم الموضوع بدقة.

Source: External Source