حجة الإسلام والمسلمين علي نهاوندي يوضح في مقال له:

اصول الفقه الإعلام/9

في الفقه الجزئي، نعتبر موضوع الكاريكاتير ضمن الرسم والتصوير، ثم نقيس هذا العنوان بالعمومات ونثبت حكم عدم حرمة أصل الكاريكاتير؛ ولكن في منهج الفقه الكلي، موضوع بحث الفقيه في مسألة الكاريكاتير ليس بحث التصوير أصلاً؛ لأن الكاريكاتير مسألة مستقلة غير التصوير وله وظائف مختلفة. يجب بحث هذا الأثر الفني من جهة إيذاء المؤمن، الغيبة، الهجاء، وغيرها. أساساً، تأسيس الكاريكاتير كان بوظيفة الهجاء، وليس التصوير والعمل الفني.

مقدمة

ربما يمكن القول بأن حجة الإسلام والمسلمين علي نهاوندي هو من بين أكثر الباحثين والأساتذة في فقه الإعلام بذلاً للجهد والاهتمام. فتأليفه لأكثر من عشرة مجلدات من الكتب والعديد من المقالات، وتدريسه لسنوات في بحث الخارج في فقه الإعلام، إلى جانب محاضراته المتعددة في الجامعات، وإدارته لهيئة الإذاعة والتلفزيون في محافظة خراسان لمدة عشر سنوات، وإدارته لمركز البحوث الإسلامية للإعلام لعدة سنوات، قد جعلته واحداً من أبرز الخبراء في فقه الإعلام. في هذا المقال، المستلهم من محاضرته في الجلسة الثانية عشرة من الدورة التعليمية لفقه الإعلام والاتصالات والفضاء السيبراني في جامعة باقر العلوم، يتناول تحليل الفروق المنهجية بين فقه الإعلام وسائر الأبواب الفقهية. وهو يعتبر أن أهم متطلبات فقه الإعلام مقارنة بالفقه التقليدي هو ضرورة الانتقال من المنهج الموضوعي إلى المنهج النظمي. وفيما يلي تفاصيل هذا المقال الذي قدمه لـ “الفقه المعاصر”:

الفقه في النظرة التقليدية يتمحور حول الموضوع. في النظرة التقليدية، يُعرَّف الاجتهاد أساساً بأنه “كشف الحكم عن مَدرَكه”، ويُعرَّف الحكم بأنه “الاعتبار الشرعي المتعلق بأفعال العباد”. وبطبيعة الحال، فإن أفعال العباد قد جعلت المنهج منهجاً جزئياً وموضوعياً. ولكن يجب علينا تغيير المنهج من الفقه الجزئي إلى الفقه الكلي. في منظومة الفقه الكلي، يُعرَّف الحكم بأنه: “الاعتبار الصادر من الشارع لتنظيم حياة البشر”. هنا تُطرح نظم الحياة؛ مثل نظم الاتصالات التي يُعرَّف الإعلام ضمنها. الفقه في هذا المنهج هو الجهاز الذي يمنح الحجية للنظم.

مبتكر هذا المنهج في العصر المعاصر هو الشهيد الصدر (ره) الذي طرح منهج الاستنطاق الموضوعي في التعامل مع الموضوعات. وفي خطوات لاحقة، طور آخرون هذا المنهج وأضافوا أدوات وعناصر جديدة مثل مقاصد الشريعة وغيرها. وقد طرح الشهيد الصدر الخطوط العريضة التي يجب علينا اتباعها. هذه الخطوط العريضة هي الأطر التي جعلتها الشريعة لنظام حياة البشر ويجب أن تكون محلاً للبحث الاجتهادي.

في رأيي، بالنسبة للفقه التخصصي، لا نحتاج إلى أصول فقه لجهاز اجتهادي مستقل؛ بل يجب أن نُطوّر هذا المنهج الاجتهادي الجواهري. وأحد جوانب التطوير هو الانتقال من المنهج الموضوعي إلى المنهج النظمي.

من بين الساحات التي تحتاج إلى تطوير المنهج، “فهم الموضوع”. غاية الفقه الجزئي هي استنباط الحكم بناءً على العناوين الأولية والموضوع الخارجي. الفقه الرائج يحلل الموضوع غالباً بناءً على العناوين الأولية، ويعتبر بحث الواقع الخارجي للموضوع خارجاً عن نطاق الفقه، ولا يطبقه على الواقع الخارجي. كما أنه يحيل تحديد الموضوعات – في غير الموضوعات الشرعية – إلى العرف العام في الغالب؛ ولكن في الفقه التخصصي – مثل فقه الإعلام – يجب علينا أن نبحث في موضوعات الأحكام ومصاديق تلك الموضوعات وتطبيق عناوين الموضوعات على المصاديق الخارجية، ثم نصل إلى شبكة المسائل، وبالإضافة إلى ذلك، نقوم بوضع النظام المرتبط بذلك الموضوع – كنظام الإعلام مثلاً – في مصفوفة مع النظم الأخرى، ثم نشرع في استنباط الحكم. يجب أن يتم استنباط حكم هذه الموضوعات مع دراسة العواقب الاجتماعية والأمنية والسياسية والدولية وغيرها، وبدون هذه الدراسة قد تكون لتنفيذ ذلك الحكم عواقب غير صائبة؛ لذا لا يمكن إحالة هذه الأبعاد المختلفة إلى العرف؛ بل تحتاج إلى رأي الخبراء المتخصصين. الموضوعات في المسائل المستحدثة – مثل الإعلام – تكون في بعض الحالات خارجة تخصيصاً، وفي بعض الحالات تخصصاً عن إطلاقات وعمومات أدلة العناوين الأولية؛ أي أن جزءاً منها يجب أساساً أن يُبحث بالعناوين الثانوية أو بالحكم الحكومي.

فهم الموضوع في الفقه التخصصي له نموذج ثلاثي الأضلاع، يشكل العرف العام ورأي الخبراء ضلعين منه، ويجب أن يُلحظ كل منهما في موقعه المناسب. إن سابقة تدخل العرف في الفقه تعود إلى عصور بناء المجتمع لدى أهل السنة، وقد تأثر الشيعة بأهل السنة في هذا الجانب. يجب علينا، وفقاً لمدرسة أهل البيت عليهم السلام، أن نصل إلى الموقع الصحيح للعرف في الفقه.

على سبيل المثال، في الفقه الجزئي، نعتبر موضوع الكاريكاتير ضمن الرسم والتصوير، ثم نقيس هذا العنوان بالعمومات ونثبت حكم عدم حرمة أصل الكاريكاتير؛ ولكن في منهج الفقه الكلي، موضوع بحث الفقيه في مسألة الكاريكاتير ليس بحث التصوير أصلاً؛ لأن الكاريكاتير مسألة مستقلة غير التصوير وله وظائف مختلفة. يجب بحث هذا الأثر الفني من جهة إيذاء المؤمن، الغيبة، الهجاء، وغيرها. أساساً، تأسيس الكاريكاتير كان بوظيفة الهجاء، وليس التصوير والعمل الفني.

مثال آخر، النحت. في الفقه الجزئي، حرّمه البعض من حيث كونه وثناً، وحرّمه البعض الآخر مطلقاً وفي حد ذاته؛ ولكننا اليوم نواجه ظاهرة تسمى التماثيل عديمة الحجم، والتي تخلق لدى المتلقي إيهام الحجم باستخدام الضوء والماء. وكذلك المنمنمات والدمى وغيرها هي صور محوّرة لكائن حي. فهل تندرج هذه تحت عنوان النحت؟ بناءً على المسار الرائج، يمكن إدراجها تحت عمومات وإطلاقات النحت؛ ولكن في الفقه الكلي، يجب أولاً تحديد أبعاد الموضوع في ساحة الواقع.

بالطبع، كون فهم الموضوع من واجبات الجهاز الفقهي وأنه لا يمكن إحالة تحديد الموضوعات إلى العرف فقط، ليس خاصاً بالفقه الكلي، بل له نماذج في الفقه الرائج أيضاً؛ فالغناء مثلاً من الموضوعات التي لا يمكن تحديدها بإحالتها إلى العرف؛ بل له تعقيدات تحتاج إلى عمل تخصصي؛ ولذا فإن للميرزا القمي وغيره رسالة مستقلة في هذا الشأن.

فيما يخص الإعلام، يجب أن نلتفت أيضاً إلى أن التكنولوجيا، بغض النظر عن محتواها، لها أبعاد أهمها البعد الإعلامي. أساساً، غاية الإنسان العلماني هي جر البشرية إلى العالم الإعلامي. الإعلام في فكر الإنسان العلماني اليوم هو الواسطة بين الإنسان والعالم (كما نعتبر في التصور الديني مثلاً الملائكة وسائط الفيض بين الله والإنسان)، وغاية هذه الحركة هي العالم الإعلامي؛ أي غرق الإنسان في المشاعر الإعلامية والنظرة الإعلامية وغيرها. بدون الأخذ بعين الاعتبار هذا البعد، لا يمكن الوصول إلى معرفة حكم الموضوعات.

عندما نريد أن نتناول فقه الإعلام، يجب أن نعرف وظائف الإعلام المتنوعة، ونصْدِر الحكم بناءً على هذه الوظائف. أدوات الإعلام هي تكنولوجيا يجب أن تخضع للدراسة الفقهية بمعزل عن محتواها. إن تفكيك الإعلام إلى عناوين ناظرة إلى المحتوى مثل الكذب والغيبة والسخرية وغيرها هو في الحقيقة “فقه في الإعلام” وليس “فقه الإعلام”. التكنولوجيا الحديثة تشكلت في مناخ العلمانية ولها توجه علماني جاد؛ فليس الأمر مثلاً أن الإنترنت في حوزة إرادتي ويعمل كما أريد أنا. لذا، قبل الدخول في فقه الإعلام، يجب بحث فلسفة التكنولوجيا. بعد إدراك الفضاء التقني للإعلام، ومن ثم تفاعل بعده التكنولوجي مع النظم التربوية والتعليمية وغيرها، يمكن البحث عن كشف حكمه. في الفقه التخصصي، لا ينبغي اختزال الموضوع التخصصي إلى مستوى المنصة؛ بل يجب فهمه بخلفيته وسياقه؛ وإن كان مستوى التقنية والمنصة يجب أن يخضع أيضاً لإشراف وتوجيه الفقه.

بناءً على ذلك، فإن تحليل الموضوعات وفهم ظروف الزمان والمكان في مثل “فقه الإعلام”، يتطلب آراء الخبراء المتخصصين والتفاعل مع مختلف المؤسسات الثقافية والأمنية والاقتصادية وغيرها؛ ولكن الفقيه هو الذي يشرف على هذا المسار برمته ويصدر الحكم النهائي بفقهه. يجب أن يكون الفقيه بحيث لا ينخدع بالتوجه العلماني للعلوم التخصصية وآراء الخبراء، وأن يتمكن في النهاية من الوصول إلى الرأي المشروع والحجة الشرعية.

Source: External Source