إشارة
ربما يمكن القول إن الإعلام هو أهم معجزة القرن العشرين فصاعداً؛ إعلام ليس فقط بسبب نطاق تأثيره الذي جعله يشبه المعجزة، بل أيضاً بسبب التعقيدات الكثيرة التي شهدها. هذا الأمر جعل تحليل المسائل الفقهية المتعلقة به أمراً صعباً، وجعل تقديم إجابات فعالة لأسئلة فقه الإعلام مرهوناً بتعرف الموضوع وإحاطة بالأبعاد المهمة والمعقدة للإعلام. الحجة الإسلام والمسلمين محمدرضا فلاح تفتي، أحد الأساتذة الذين طالما كان لديهم همّ الإعلام، وقد أجرى بحوثاً في موضوعاته المتنوعة. تحدثنا مع المدير السابق لمجموعة الفقه في مركز البحوث الإسلامية للإعلام حول تحديات فقه الإعلام. وقد تناول، بإحاطته الناتجة عن سنوات من البحث والإدارة في أقسام مختلفة من البحث في فقه الإعلام، الأبعاد المتنوعة للتحديات المتعلقة بفقه الإعلام. نص الحوار الخاص لفقه معاصر مع عضو مجلس خبراء القيادة يأتي فيما يلي:
فقه معاصر: ما هو فقه الإعلام وما هي متطلباته؟
فلاح: عندما نريد الحديث عن فقه الإعلام، يجب أولاً أن نوضح ما المقصود بالإعلام، ومن أي زاوية سنناقش الإعلام؟ عرف البعض الإعلام بأنه وسيلة لنقل وتبادل المعلومات والأفكار والآراء للأفراد أو المجتمع، ووسيط ملموس أو عملي في عملية إقامة الاتصال، وقالوا إن الإعلام يتكون من ثلاثة أركان: مرسل الرسالة، والرسالة، ومتلقي الرسالة. بناءً على هذا التعريف، عندما نتحدث عن فقه الإعلام، فإننا نتحدث عن الإعلام من حيث جميع هذه الأركان الثلاثة والمسائل الصغيرة والكبيرة المتعلقة بكل منها. جزء آخر من مسائل فقه الإعلام يتعلق بالمسائل المتعلقة بالعلاقة بين هذه المؤسسة وغيرها من المؤسسات الاجتماعية. لذا يمكننا القول بشكل عام إن فقه الإعلام هو الفقه المتعلق بالمسائل التالية:
- المسائل المتعلقة بمرسل الرسالة؛
- المسائل المتعلقة بالرسالة؛
- المسائل المتعلقة بمتلقي الرسالة؛
- المسائل المتعلقة بالعلاقة بين الإعلام وغيره من المؤسسات؛ مثل المسائل المتعلقة بين الإعلام ومؤسسة الأسرة، أو المسائل المتعلقة بين الإعلام ومؤسسة الحكومة والحكم، أو المسائل المتعلقة بين الإعلام ومؤسسة الحقوق وغيرها.
تحت كل من هذه العناوين والفئات العامة، تقع مئات المسائل. على سبيل المثال، في الفئة الأولى، يمكن طرح مسألة مثل: هل يمكن للأقليات الدينية الرسمية أو غير الرسمية أن تعمل كممثل أو مقدم برامج أو منتج أو مخرج أو كاتب؟ على سبيل المثال، هل يمكن لشخص يتبع الديانة البهائية، وهي أقلية غير رسمية وغير قانونية وتفتقر إلى أي خلفية تاريخية معتبرة وتتبع ديانة زائفة، أن يعمل في مؤسسة مثل الإذاعة والتلفزيون، وأن يكون مثلاً مقدم برنامج تلفزيوني؟ افتراضنا هنا هو أن هذا الشخص لا ينقل أي شيء من تعاليم دينه الزائف؛ فهل في هذا الافتراض، يجوز استخدام مثل هذا الشخص؟ مسألة أخرى تندرج تحت هذه الفئة هي: سيدة كشفت عن حجابها، أو شخص اتخذ موقفاً سلبياً ضد النظام الإسلامي؛ فهل يمكن دعوة هذه السيدة أو هذا الشخص للعمل في عمل إعلامي؟ هل يمكن مثلاً إسناد دور له في فيلم؟ هذه المسائل تندرج تحت مسائل الفئة الأولى.
من المسائل التي يمكن طرحها تحت الفئة الثانية، مسألة مثل: هل يجوز إنتاج فيلم في نوع الرعب؟ كما تعلمون، الهدف من نوع الرعب هو التخويف. وعلى الرغم من أن المشاهدين يجلسون لمشاهدة مثل هذه الأفلام بقصد الاستمتاع، فهل من الناحية الفقهية، إنتاج أفلام في نوع الرعب صحيح؟ يمكن طرح هذا السؤال أيضاً حول الأنواع المثيرة للقلق.
في جزء متلقي الرسالة أيضاً، يمكن طرح مسائل متعددة، وقد كانت لها سابقة في الفقه. بعض المباحث المطروحة في كتب الضلال تندرج تحت هذه الفئة.
الفئة الرابعة لها مسائلها الخاصة أيضاً. الرقابة تندرج تحت هذه الفئة؛ أو مناقشة تنظيم الإعلام الصوتي والبصري الشامل، وهو موضوع مطروح هذه الأيام، يتعلق بالعلاقة بين الإعلام ومؤسسة الحكومة، والتي يجب أن يبدي الفقه رأيه بشأنها. كذلك، المباحث المتعلقة بتأثيرات الأشخاص المشهورين على الثقافة وغيرها تندرج تحت هذه الفئة.
على الباحث في فقه الإعلام، بالإضافة إلى إتقانه للمباني الفقهية والأصولية وامتلاكه لمعرفة فقهية مناسبة، أن ينتبه إلى نقاط أخرى. هذه المتطلبات تشمل:
تنقيح المباني المتعلقة بالإعلام
هناك مجموعة من المباني التي تؤثر على رؤية الفقيه حول الإعلام، ويجب أن يصل الفقيه أو الباحث في فقه الإعلام إلى رؤية واضحة بشأنها. على سبيل المثال، حرية التعبير هي من الأمور التي يجب أن يكون للفقيه رؤية دقيقة وصورة واضحة بشأنها. مدى الحق في حرية التعبير للأفراد، سواء كانوا أشخاصاً طبيعيين أو اعتباريين، يؤثر كثيراً على نوع النظرة إلى الإعلام. كذلك، يجب على الفقيه أن يحدد موقفه من القضية القائلة بأن “المعرفة حق الشعب”. إلى أي مدى يحق للناس المعرفة، وما هي الضوابط والشروط لذلك، يؤثر كثيراً على الاستنباط.
الابتعاد عن التسطيح
لا ينبغي تسطيح الإعلام وتقليل مسائلها إلى مستوى المسّ بالنامحرم في فيلم سينمائي. الإعلام له مسائل معقدة. على سبيل المثال، يمكن لأهل الإعلام، باستخدام قدرات الإعلام، أن يجمعوا بين عدة حقائق لا إشكال في كل منها على حدة، ليخلقوا ذهنية خاطئة في ذهن الجمهور. أو أن بث برنامج حتى لو كان دينياً في ساعات معينة قد يؤدي إلى تقليل المشاركين في برامج المساجد. على سبيل المثال، بث برامج العزاء أو مراسم الإحياء وقراءة القرآن في ليالي شهر رمضان، قد يتسبب في بقاء البعض في منازلهم والاستماع إلى أفضل الخطباء الدينيين، وفي الوقت نفسه، المشاركة في مراسم إحياء في حرم الإمام الرضا (ع) وقراءة القرآن، وعدم المشاركة في مراسم المسجد المحلي، مما يؤدي إلى خلو المسجد. الانتباه إلى تعقيدات الإعلام ضروري للعمل في فقه الإعلام.
الانتباه إلى قيود الإعلام
على الرغم من أن بعض الآراء ترى أن الفقه أصلاً ليس من مهامه تقديم برنامج عملي للجمهور، بل مهمته فقط دراسة ما هو موجود والإدلاء برأيه بشأنه؛ إلا أن هناك رأياً آخر يرى أن الفقه قوي بما فيه الكفاية ليقدم إجابة خاصة به للمسائل. بناءً على هذا الرأي، يمكن للفقه أن يقدم استراتيجيات وحلولاً للإعلام؛ ولكن يجب الانتباه إلى أن الإعلام له قيوده الخاصة، ويجب تقديم أي حل مع مراعاة متطلبات وقيود الإعلام.
فقه معاصر: هل يمكن استنتاج من فتاوى الفقهاء حول استخدام القمر الصناعي، الفيديو، الاتصال المرئي وغيرها، أن هناك نوعاً من التشاؤم تجاه الإعلام لديهم؟
فلاح: أفضل أن أستخدم بدلاً من كلمة التشاؤم، التعبير بأن الفقهاء المعظمين الشيعة كانوا يدركون أن الإعلام أمر معقد، وأن موطن نشأة هذه الوسائط الإعلامية الحديثة هو مكان لا يلتزم بالدين ويسعى لترويج الباطل والعقائد الخاطئة والسلوكيات غير الأخلاقية. إذا أردنا تحليل سلوكهم بالتعبير المعاصر، ربما يمكننا القول إن الفقهاء الذين عارضوا هذه الأدوات كانوا يعتقدون أن هذه الأدوات جزء من الحرب الهجينة التي يستخدمها أعداء الإسلام لمواجهة الإسلام، ونرى مثل هذا النهج في فتاوى الفقهاء. على سبيل المثال، رد آية الله صافي كلبايكاني (ره) في استفتاء حول مشاهدة القمر الصناعي قائلاً:
«فيما يتعلق باستخدام الأقمار الصناعية والمواقع الإخبارية التي رتبتها الشبكات الأجنبية وسيطرت على المجتمعات الإسلامية، يجب القول إنه بما أن معلوماتها غالباً مسمومة، وإذا قدمت خبراً صحيحاً لمشاهديها وجمهورها، فإن ذلك يكون في إطار الأهداف الاستعمارية والتضليل وإثارة الفتنة والتفرقة؛ لذا، استخدام مثل هذه الشبكات غير جائز.»
كما أكد في رد استفتاء آخر حول “الاتصال بشبكات القمر الصناعي عبر الهاتف، البريد الإلكتروني وغيرها من الوسائل وإرسال أخبار داخلية للبلاد، ما حكمه؟”، قائلاً: «فيما يتعلق بالاتصال بشبكات القمر الصناعي والإعلام أو الصحف الأجنبية، سواء كان هذا الاتصال هاتفياً، أو عبر التلغراف، أو البريد الإلكتروني والإنترنت، بأي شكل، الاتصال بهم، والذي هو في الحقيقة نوع من التعاون والمساعدة لهم ويقربهم من أهدافهم، حتى لو بدا لكم قليلاً وتافهاً، فهو غير جائز بأي حال، وهذا نوع من السير في طريق أهداف الأجانب الباطلة.»
الإمام الخميني (ره) في وثيقة الروحانية، التي أرى أن على الطلاب قراءتها مرات عديدة، يقول: «معارضة الروحانيين لبعض مظاهر الحضارة في الماضي كانت فقط بسبب خوفهم من نفوذ الأجانب. شعورهم بالخطر من انتشار الثقافة الأجنبية، وخاصة الثقافة الغربية المبتذلة، جعلهم يتعاملون بحذر مع الاختراعات والظواهر. العلماء الصادقون، بسبب كثرة الكذب والخداع الذي رأوه من الجهات الاستعمارية، لم يثقوا بأي شيء، وكانت أدوات مثل الراديو والتلفزيون في نظرهم مقدمة لدخول الاستعمار؛ لذا كانوا أحياناً يحكمون بمنع استخدامها. ألم تكن الراديو والتلفزيون في بلدان مثل إيران وسائل لجلب الثقافة الغربية؟ ألم يستخدم النظام السابق الراديو والتلفزيون لتشويه العقائد الدينية وتجاهل الأعراف والتقاليد الوطنية؟»
لذا برأيي، هذه المعارضة من الفقهاء كانت بسبب علمهم بتأثيرات الإعلام وقدرته، وأن الإعلام جزء من الحرب الهجينة للعدو؛ وإذا كان هناك تشاؤم فهو بسبب هذه الخصائص، وليس تشاؤماً من الإعلام ككل؛ لذا نرى أن هؤلاء الفقهاء أنفسهم، في حال إمكانية الاستخدام الصحيح وبدون مفسدة للإعلام، حكموا بجوازه. لذا لا توجد معارضة عامة.
فقه معاصر: بالنظر إلى فتاوى الفقهاء حول الموسيقى، النظر إلى النامحرم، صناعة التماثيل، عرض الآلات الموسيقية وغيرها، هل يمكن أصلاً أن يكون لدينا إعلام إسلامي فعال؟ على سبيل المثال، هل يمكن إنتاج مجموعة درامية بدون موسيقى، أو بدون جملة عاطفية بين ممثلين يلعبان دور الزوج والزوجة، أو بدون نظر الممثلين النامحرمين لبعضهم البعض؟
فلاح: مسألة ما إذا كان بإمكاننا أن يكون لدينا إعلام إسلامي فعال أم لا، تحتاج إلى نقاش مفصل؛ لأن وجود إعلام إسلامي فعال ليس مرهوناً فقط بالمسائل المذكورة؛ بل أساساً هناك من يعتقد أن الإعلام، خاصة الوسائط الإعلامية الحديثة، هو أداة للغفلة، وقد صُنع في الغرب ليكون “صدّ عن ذكر الله”. بناءً على هذا الأساس، حتى لو كان استخدام الموسيقى جائزاً، فإن الإعلام لا يمكن أن يكون إعلاماً إسلامياً فعالاً. لذا للوصول إلى إعلام إسلامي فعال، يجب حل الكثير من المباني. كما أوضحت سابقاً، يجب الانتباه إلى أن الإعلام له قيوده الخاصة، ولا ينبغي توقع أن يتمكن من عرض أي مفهوم في قالب إعلامي مرئي؛ لأن الإعلام نفسه له قيود، حتى لو لم يكن هناك مانع. الآن، إذا افترضنا من الناحية المبنائية أن بإمكاننا أن يكون لدينا إعلام إسلامي فعال، وكان الموضوع المختار موضوعاً يمكن للإعلام تغطيته؛ لكن من جهة الفقه والشرع، كانت هناك قيود تجعل من المستحيل أن يكون لدينا إعلام إسلامي فعال، فهذا محل نقاش وجدل. يبدو أن في هذا المجال، هناك مساحة قليلة للأعمال الإبداعية. الأعمال التي، مع مراعاة الضوابط الفقهية، يمكنها أن تجذب الجمهور. بالتأكيد، العمل الجيد جداً لا يمكنه جذب كل الجمهور. هل يشاهد الجميع الأعمال ذات الطابع الخيالي أو العلمي-الخيالي ويستمتعون بها؟ هل البرامج الكوميدية جذابة للجميع؟ لكل نوع قواعده ومبادئه الخاصة، وقد يحبذ ذوق الجمهور بعض الأعمال والأساليب ولا يشاهد أو يستمتع بأخرى. لذا قد يكون هناك عمل بدون موسيقى أو بدون جملة عاطفية، ولكنه جذاب للغاية. بالطبع، افتراضنا هنا هو أن هذه الأمور محرمة فعلاً؛ لكن إذا ثبت في محله أن جملة عاطفية من ممثل لآخر في فيلم ليست محرمة وإنما لها دلالة استعمالية لا دلالة جدية، فإن هذه الأمور المذكورة ليست مانعاً. عرضي العام هو أنه إذا ثبت حكم شرعي في مكان وفي حالة معينة، لا يمكن تجاهل هذا الحكم بحجة أننا نريد إعلاماً إسلامياً فعالاً. بالطبع، قد يدعي البعض أن هذه الغاية، أي الوصول إلى إعلام إسلامي فعال، تبرر الجواز، وهذا محل نقاش يجب التداول بشأنه.
فقه معاصر: ما هي أهم التحديات التي تواجه البحث في فقه الإعلام؟
فلاح: برأيي، فقه الإعلام يواجه عدة تحديات. التحدي الأول هو أنه لا يزال هناك عدم اتفاق بين الباحثين في فقه الإعلام حول ماهيته. فئة من الباحثين تعتقد أن فقه الإعلام هو في الحقيقة جزء من الفقه. فقه الإعلام هو باب فقهي إلى جانب أبواب الصلاة والزكاة والطهارة، وبالتالي يجب أن تكون طريقة البحث في هذا الفقه هي طريقة البحث الفقهي المعتاد؛ أي في تعرف الموضوع، في منهج البحث، وفي المصادر والأدلة يجب أن يكون تابعاً لعلم الفقه. لكن فئة أخرى تعتقد أن فقه الإعلام هو دراسة بينية، والمجال البيني يعني: «تكامل المعرفة والمنهج والتجارب في مجالين علميين أو تخصصيين أو أكثر لفهم وحل مسألة معقدة أو مشكلة اجتماعية متعددة الأوجه». في نشاط علمي بيني، يتفاعل ويتعاون علمياً متخصصون في مجالين أو أكثر ولديهم تخصص علمي فيما يتعلق بفهم أو حل أو تحليل ظاهرة أو موضوع أو مسألة غالباً معقدة وواقعية. لذا، النشاط العلمي البيني يكتسب معنى عندما يكون الهدف هو الفهم العلمي والدقيق لظاهرة أو مسألة معقدة أو غير معروفة تتجاوز قدرات ومعرفة تخصص واحد. إذا كان فقه الإعلام دراسة بينية، فلا ينبغي استخدام المنهج الفقهي أو المناهج الشائعة في دراسات الإعلام؛ بل له منهج خاص به، وعندئذٍ سيُطرح النقاش حول مصداقية وحجية نتائج هذه الأبحاث. برأيي، هذا تحدٍ خطير في هذا المجال.
التحدي الآخر الذي يبدو أنه موجود في هذا المجال هو عدم تنقيح أدلة فقه الإعلام. بالطبع، هذه المشكلة ليست خاصة بفقه الإعلام، بل توجد بشكل عام في المسائل المستحدثة. التحدي السابق أيضاً كذلك. إحدى المشاكل الخطيرة في فضاء فقه الإعلام وربما المسائل المستحدثة هي أن الأدلة المتعلقة بفقه الإعلام والمسائل المستحدثة لم تُنقح. المسائل المستحدثة هي مسائل لم يكن موضوعها موجوداً في زمن صدور النصوص؛ على سبيل المثال، في زمن صدور النصوص، لم تكن الصورة أو الفيلم أو مسألة النظر إلى النامحرم بهذه الطريقة مطروحة؛ أو حتى إذا كانت موجودة في زمن صدور النصوص، فقد تغيرت خصائصها وشروطها في الوقت الحاضر ونشأت مسائل جديدة؛ مثل معاملة الدم، ففي ذلك الوقت كان الدم موجوداً وكانت هناك أحكام للدم في المصادر والنصوص الفقهية آنذاك، لكن اليوم الدم له خصائص وشروط وقيود لم تكن محل اهتمام في تلك الفترة، لذا يمكن طرح مسألة معاملة الدم.
في المسائل المستحدثة، من الضروريات، حكم العقل، القواعد الضرورية، القواعد الفقهية والأصولية، تنقيح المناط، القياس المنصوص العلة، إلغاء الخصوصية، حكم العرف، والمصلحة الموجودة في كليات الفقه يمكن استخدامها؛ لكن مدى مساهمة هذه الأدلة في الإجابة على المسائل المستحدثة ومسائل فقه الإعلام يحتاج إلى توضيح. على سبيل المثال، إلى أي مدى يمكننا أن نأخذ بعين الاعتبار العرف للإجابة، أو إلى أي مدى نأخذ بعين الاعتبار سيرة العقلاء، هذا محل نقاش.
اليوم، إحدى المسائل المطروحة هي مسألة عرض الآلات الموسيقية في التلفزيون. منذ بداية الثورة وحتى الآن، كان نهج وقرار مؤسسة الإذاعة والتلفزيون هو حظر عرض الآلات الموسيقية. هنا يُثار النقاش أنه من جهة، إذا كان بث الموسيقى والاستماع إليها جائزاً، فلماذا يكون عرض الآلات الموسيقية مشكلة، وما الدليل على حرمته؟ ومن جهة أخرى، في استفتاء وُجه إلى مقام الزعيم الأعلى، وفي تصريحات له أيضاً، ورد أن السياسات العامة لنظام الجمهورية الإسلامية ليست ترويج الموسيقى. هذا القول يؤثر على قرار عرض الآلات الموسيقية في التلفزيون من عدمه.
اليوم، من جهة، لا يرى العرف في المجتمع مشكلة كبيرة في هذه القضية؛ ومن جهة أخرى، المباحث ونهج كليات الفقه والنظام قد يؤدي إلى ترويج الموسيقى. هذه الأمور مؤثرة في تنقيح الأدلة المتعلقة بالمسائل المستحدثة وفي تحديد أي دليل وإلى أي مدى يُستخدم في أي نقاش.