ملاحظة: فقه التربية، بمعناه الحقيقي، يواجه أزمة هوية؛ إذ لا يزال هناك عدم اتفاق حول ماهيته، وعلاقته بعلوم التربية، وعلاقته بفقه الأخلاق، ومكانته بين أبواب الفقه، وما إذا كان باباً فقهياً أصيلاً أم نهجاً يشمل جميع المسائل الفقهية. الحجة الإسلام مرتضى كريمزاده، الباحث في التربية الإسلامية، يحاول في هذه المقالة الخاصة توضيح أبعاد هذا الباب الناشئ في علم الفقه.
يمكن تعريف «فقه التربية» كفرع متخصص من علم الفقه (الفقه المضاف) يتولى استنباط وتفسير وتنظيم مجموعة الأحكام الشرعية (سواء التكاليف أو الحقوق أو الالتزامات) المتعلقة بعملية التربية وعواملها وأهدافها وأساليبها وآثارها في الساحات الفردية والاجتماعية المتنوعة. وبعبارة أخرى، يسعى فقه التربية إلى الإجابة عن هذا السؤال الأساسي: من منظور شريعة الإسلام، ما هي «الواجبات والمحظورات» و«الحقوق والواجبات» و«المسؤوليات» الحاكمة على الفعل التربوي؟
لتوضيح أكثر دقة، يجب القول إن موضوع هذا الفقه المحوري هو نفس «فعل التربية» والعناصر المشاركة فيه: المربي، والمتربي، والمحتوى، والأسلوب، والبيئة وغيرها، والتي تُدرس من منظور الأحكام الخمسة والأوضاع القانونية المرتبطة (مثل الولاية والحضانة). وإن كان فقه التربية مرتبطاً بعلوم مثل علوم التربية والأخلاق، إلا أنه يتميز عنها بالتركيز على استنباط «الحكم الشرعي» وتحديد «الواجب العملي» للمكلف. كما أن نطاق هذا الفقه واسع جداً، يتجاوز علاقة الوالد بالولد، ليشمل نظام التعليم الرسمي، والإعلام، والبيئات الاجتماعية، والفضاء الافتراضي، والتهذيب الذاتي، وحتى السياسات الكبرى في التربية. هذا النظر ليس مجرد جمع أحكام متفرقة، بل هو جهد منهجي لاستخراج القواعد العامة، والأهداف الشرعية، وتوضيح الحقوق والتكاليف المتبادلة في عملية التربية. الوصول إلى هذا يتطلب الرجوع إلى الأدلة الأربعة والأصول العملية الفقهية، مع ضرورة الاستفادة من نتائج العلوم الإنسانية المرتبطة في مرحلة «معرفة الموضوع» للمسائل التربوية الناشئة.
لذلك، فقه التربية هو علم يسعى لتوفير الإطار الشرعي اللازم لتوجيه وتنظيم جميع أبعاد عملية التربية المعقدة، حتى تكون هذه العملية في طريق تحقيق الأهداف العليا للدين والسعادة الدنيوية والأخروية للإنسان.
علم الفقه وحده وليس بشكل حصري، لا يتكفل بجميع أبعاد «تربية» الإنسان؛ بل التربية مفهوم متعدد الأبعاد، وتحقيقه الكامل يتطلب تعاون وتكامل العلوم الإسلامية المختلفة، خاصة علم الأخلاق والمباحث التي تُعرف اليوم بـ«علوم التربية ذات النهج الإسلامي» أو «علم التربية الإسلامية». ومع ذلك، نفي التكفل الحصري للفقه لا يعني عدم تدخله أو عدم أهمية دوره في عملية التربية؛ بل للفقه وظيفة ودور محدد وأساسي في هذا المجال.
الوظيفة الرئيسية لعلم الفقه، كما نعلم، هي استنباط وتفسير الأحكام العملية وتنظيم العلاقات القانونية والاجتماعية بناءً على الشريعة. من هذا المنظور، يتناول الفقه تلك الأبعاد من التربية التي لها طابع عملي وسلوكي وإلزامي. يحدد الفقه في عملية التربية أي الأفعال واجبة أو حرام أو مستحبة أو مكروهة أو مباحة؛ وأي الحقوق للمتربي (مثل حق الحضانة، حق النفقة، حق التعليم) وأي التكاليف على المربي (مثل واجبات الوالدين، والمعلمين، والحاكمية)، وما حدود وثغور تطبيق الأساليب التربوية (مثل التشجيع والعقاب)، وما المسؤوليات القانونية الناشئة عن الإجراءات التربوية. باختصار، يحدد الفقه إطار الالتزامات القانونية والشرعية لعملية التربية ويتولى تنظيم الظاهر من السلوكيات والعلاقات في هذا المجال.
في المقابل، يركز علم الأخلاق بشكل أساسي على الباطن، والنيات، والفضائل والرذائل النفسية، وهدفه تهذيب النفس وتعالي الروح الإنسانية. يعلمنا الأخلاق كيف ننمي في أنفسنا صفات مثل الصبر، والشكر، والصدق، والأمانة… ونبتعد عن رذائل مثل الحسد، والكبر، والرياء… هذه الأمور، وإن كانت لها دور أساسي في النتيجة النهائية للتربية الإسلامية المثلى، إلا أنها ليست موضوعاً مباشراً لحكم فقهي بمعنى الإلزام القانوني الخارجي (إلا إذا أدت إلى فعل حرام أو ترك واجب في الخارج).
علم التربية الإسلامية عادةً له نظرة أشمل، ويسعى باستخدام المباني الدينية (سواء الآيات، والروايات، والسيرة، والمباحث الكلامية والفلسفية) وكذلك نتائج العلوم الإنسانية (مثل علم النفس التنموي)، إلى تقديم المبادئ، والأهداف، والأساليب والنماذج العملية للتربية. يمكن لهذا العلم الاستفادة من نتائج الفقه والأخلاق كجزء من مبانيه ومحتواه.
لذلك، لا يمكن القول إن الفقه متكفل بالتربية، كما لا يمكن القول إن الأخلاق وحدها متكفلة بها. التربية الإسلامية المثلى هي نتيجة تفاعل وتنسيق بين هذه المجالات. الفقه يوفر الهيكل القانوني والالتزامات السلوكية؛ والأخلاق يعزز الأسس الروحية والفضائل الباطنية؛ وعلم التربية الإسلامية يمكن أن يقدم خريطة الطريق والأساليب العملية. يضمن الفقه أن تتم عملية التربية ضمن إطار الشريعة وبعيداً عن الإفراط والتفريط السلوكي والقانوني، وأن تُراعى حقوق جميع الأطراف المعنية في هذه العملية.
مقتضيات تأسيس باب فقهي «فقه التربية»
فيما يتعلق بمقتضيات تأسيس «باب فقهي» مستقل، يمكن الإشارة إلى عدة مكونات أساسية. أولاً، وجود موضوع محوري محدد ومتميز يمكن فصله مفهومياً أو مصداقياً عن سائر الموضوعات الفقهية. ثانياً، وجود مجموعة كبيرة من المسائل والفروع والأحكام المرتبطة بذلك الموضوع، بحيث يبرر حجمها وأهميتها الجمع والنقاش المستقل. ثالثاً، قد يكون ذلك الباب الفقهي ذا مبادئ أو قواعد أو أسس اختصاصية تحكم مسائلها، وإن لم يكن هذا الشرط دائماً. رابعاً، الحاجة العملية والاجتماعية إلى تدوين وتنقيح أحكام ذلك المجال، خاصة في الرد على المسائل المستحدثة، يمكن أن تكون دافعاً مهماً لتشكيل باب جديد أو إبراز مجال موضوعي. أخيراً، الاتجاه التاريخي واهتمام الفقهاء بموضوع معين يلعب دوراً في تثبيته كباب مستقل.
فقه التربية؛ باب فقهي أم نهج للفقه؟
فيما يتعلق بمكانة «فقه التربية»، يجب الحديث بمزيد من التأمل. الواقع أن المسائل المتعلقة بالتربية كانت تقليدياً متفرقة في أبواب فقهية مختلفة. على سبيل المثال، مباحث الحضانة والنفقة على الولد في باب النكاح والطلاق، أحكام التأديب والمسؤولية في باب الحدود والديات، واجبات التعليم للحاكمية في الأبواب المتعلقة بالحكومة والجهاد، وبعض التوصيات التربوية ضمن المباحث الأخلاقية أو مقدمات الأبواب العبادية. من هذا المنظور، ربما لا يمكن العثور في الكتب الفقهية المتقدمة على «باب التربية» كعنوان مستقل وشامل، مساوٍ لأبواب مثل الصلاة أو التجارة.
ومع ذلك، النظر الدقيق يظهر أن «التربية» كعملية محورية وموضوع مستقل، لها أركان (المربي، المتربي، المحتوى، الأسلوب)، أهداف ومسائل خاصة بها. حجم المسائل المستحدثة الكبير في العصر الحاضر (مثل التربية في الفضاء الافتراضي، النظم التعليمية الحديثة، حقوق الطفل، الإعلام الجماهيري وتأثيراته التربوية) والحاجة الملحة للمجتمع إلى الوصول المنهجي إلى الأحكام الشرعية في هذا المجال، يضاعف أهمية الاهتمام المتخصص به؛ لذا، يبدو أن «فقه التربية» يمكن اعتباره أكثر من مجرد «نهج عام» لسائر الأبواب. وإن كانت مسائلها جذوراً في أبواب مختلفة، إلا أنها اليوم في طور التشكل والانسجام كمجال متخصص و«فقه مضاف» ناشئ، حيث يبرر موضوعه المحدد (عملية التربية)، ومسائله الكثيرة (سواء التقليدية أو المستحدثة) والحاجة الاجتماعية الملحة، استقلاليته النسبية. هذا الاستقلال ليس بمعنى الانفصال الكامل عن سائر الأبواب، بل بمعنى التركيز الموضوعي والجهد لتنظيم أحكام هذا المجال.
فيما يتعلق بـ«الرتبة اللاحقة» لفقه التربية مقارنة بسائر الأبواب الفقهية، يجب القول إنه إذا كان المقصود باللاحقة أن الاهتمام المنهجي والتدوين المستقل له أحدث من الأبواب التقليدية، فهذا صحيح. أما إذا كان المقصود انخفاض الرتبة العلمية أو الأهمية، فغير مقبول. فقه التربية، مثل سائر الفقهيات المضافة (مثل فقه الطب، فقه البيئة، فقه الإعلام)، يتناول أحد أهم وأساسيات شؤون الحياة الإنسانية والاجتماعية، ومن هذا المنظور له أهمية خاصة. هذا المجال يجمع المسائل المتفرقة السابقة حول محور موضوعي، ويتناول بنظر شامل ومتخصص استنباط أحكام المسائل الجديدة فيه.
الطبيعة الدقيقة لـ«فقه التربية» وعلاقته بـ«القضايا التربوية» (سواء المستمدة من النصوص الدينية أو نتائج علوم التربية وعلم النفس) تحتاج إلى توضيح أدق، ولا يمكن حصرها في أحد الخيارين الأولين؛ بل يبدو أن مزيجاً من الخيار الأول ووجه آخر أقرب إلى الواقع.
فقه التربية أو الدراسة الفقهية للقضايا التربوية
جزء مهم من عمل فقه التربية هو دراسة القضايا الفقهية التربوية. أي أن الفقيه يواجه القضايا والمبادئ والأساليب والأهداف المطروحة في مجال التربية (سواء في التراث الديني أو العلوم الحديثة)، ويقوم بتقييمها وحكمها فقهياً. يدرس الفقيه ما إذا كان أسلوب تربوي معين (مثل نوع خاص من العقاب أو التشجيع) جائزاً شرعاً أم لا؟ ما إذا كان هدف تربوي معين (مثل التركيز الحصري على النجاح المادي) متوافقاً مع الأهداف العليا للشريعة؟ ما إذا كان مبدأ تربوي معين (مثل الحرية المطلقة للطفل) يتناسب مع إطار التكاليف والحقوق الشرعية؟ في هذا المعنى، يلعب الفقه دوراً رقابياً ومحدداً للحدود والثغور الشرعية بالنسبة للقضايا التربوية.
ضرورة مطابقة القضايا الفقهية مع القضايا التربوية
بعض يتحدث عن ضرورة مطابقة القضايا الفقهية مع القضايا التربوية. هذه العبارة، إذا كانت تعني تبعية أو تغيير الأحكام الفقهية الثابتة بناءً على نتائج متغيرة لعلوم التربية، غير صحيحة وغير مقبولة. الأحكام الفقهية مستندة إلى الأدلة الشرعية، ولا يمكن جعلها تابعة للنظريات التربوية (التي غالباً محل خلاف وتغيير). أما إذا كان المقصود من «المطابقة» ضرورة انتباه الفقيه إلى الواقعات والسياقات التربوية في مرحلة فهم موضوع الحكم (معرفة الموضوع) وكيفية تنفيذ الحكم، فهو أمر ضروري ولا مفر منه. الفقيه لإصدار الفتوى في المسائل التربوية مضطر إلى معرفة دقيقة للموضوع؛ مثلاً يجب أن يعرف الخصائص النفسية والعمرية للطفل في مراحل النمو المختلفة، وتأثيرات الأساليب المتنوعة، والظروف البيئية الخاصة، حتى يتمكن من تطبيق الحكم الشرعي على المصداق بشكل صحيح، أو في حالات الجواز، تشخيص أفضل طريقة لتنفيذه (التي تتوافق أكثر مع مقاصد التربية الشرعية). في هذا المعنى، تساعد القضايا التربوية الصحيحة (خاصة تلك المبنية على فهم أعمق لطبيعة الإنسان والسنن الإلهية في الخلق) الفقيه في معرفة أفضل للموضوع والسياق، لا في تغيير الحكم الفقهي.
فقه التربية؛ تفاعل أم تأسيس؟
فقه التربية ليس رد فعل رقابياً فقط، بل له جانب تأسيسي وإيجابي أيضاً. الفقه بالرجوع المباشر إلى المصادر (القرآن والسنة)، يستخرج ويؤسس المبادئ والقواعد والحقوق والتكاليف التربوية بنفسه. مثلاً وجوب تعليم المعارف الدينية للولد، وحرمة عقوق الوالدين، والحقوق المتبادلة بين الزوجين في التربية، ومسؤولية الحاكمية في توفير أرضية التربية الصحيحة، هي أحكام وقواعد تستنبط مباشرة من الفقه ومن صميم المصادر الدينية، قبل أن نقيسها بقضايا خارجية.
لذلك، فقه التربية عملية تفاعلية تشمل الجانبين التأسيسي (استخراج الأحكام التربوية من المصادر الدينية) والرقابي (الدراسة الفقهية للقضايا والأساليب التربوية السائدة)، وفي مرحلة التطبيق والتنفيذ، تحتاج إلى معرفة دقيقة للموضوع بمساعدة البيانات الصحيحة (سواء الدينية أو العلمية)، دون أن تكون الأحكام الإلهية تابعة للنتائج البشرية. الهدف النهائي هو تقديم نظام شامل ومنسجم من الواجبات والمحظورات الشرعية في مجال التربية الحساس والأساسي.
فقه التربية؛ علم مستقل أم مجال دراسي؟
فيما يتعلق بكون فقه التربية «علماً مستقلًا» أم «مجالاً دراسياً»، يجب القول: إذا كان المقصود من «العلم المستقل» علماً بموضوع وأسلوب ومسائل ومبانٍ متمايزة وفريدة تماماً، فربما يكون إطلاقه على فقه التربية (كما في كثير من الفقهيات المضافة الأخرى) مصحوباً بتساهل؛ لأن أسلوبه الرئيسي هو نفس الأسلوب الاجتهادي السائد في علم الفقه، ومبانيه عموماً نفس المباني العامة للفقه.
ومع ذلك، إذا اعتبرنا «العلم المستقل» بمعنى مجال متخصص منظم بمحور موضوعي محدد، ذي مسائل وفروع وقواعد مرتبطة وكثيرة، ويحتاج إلى تخصص وبحث مستقل، فيمكن اعتبار «فقه التربية» في هذا المعنى علماً متخصصاً أو فرعاً مستقلًا داخل علم الفقه. كما أن فقه الطب أو فقه الاقتصاد، رغم اشتراكهما في الأسلوب الاجتهادي العام مع سائر الأبواب الفقهية، يُعترف بهما كمجالات علمية متخصصة، فإن فقه التربية أيضاً، بسبب محوريته الموضوعية (عملية التربية)، واتساع مسائلها (سواء التقليدية أو المستحدثة) وأهميتها الأساسية في النظام الديني، له القدرة والضرورة للاستقلال كفرع متخصص من الفقه.
ربما يمكن القول إن فقه التربية في مرحلة الانتقال من «مجال دراسي» متفرق (كانت مسائلها مطرحة في أبواب فقهية تقليدية مختلفة) نحو التثبيت كـ«علم متخصص» وفرع منظم من الفقه (فقه مضاف مدون). هذا المجال، أكثر من كونه مجالاً دراسياً بين-تخصصياً خالياً من منهجية خاصة، هو فرع فقهي يستفيد لفهم دقيق لموضوعاته (معرفة الموضوع) من نتائج علوم أخرى (مثل علم النفس وعلوم التربية)، لكنه في النهاية بأسلوب اجتهادي فقهي يستنبط الحكم الشرعي في تلك الموضوعات؛ لذلك، أدق وصف لفقه التربية في الظروف الحالية هو علم متخصص أو فرع مستقل من علم الفقه يركز على الموضوع المحوري «التربية» ويستنبط بشكل منهجي الأحكام الشرعية المرتبطة به.
مباني ومقدمات فقه التربية
تشكل وتطور علم «فقه التربية» المنهجي، كأي مجال معرفي آخر، يقوم على قبول مجموعة من المقدمات والمباني والمبادئ. بدون قبول هذه المبادئ، دخول النقاش الفقهي في مجال التربية غير ممكن أو ذي معنى أساساً. أهم هذه المباني هي:
شمولية دين الإسلام: أساسياً أن نقبل أن دين الإسلام، كآخر وأكمل دين إلهي، قدم برنامجاً وهدفاً وإطاراً لجميع شؤون الحياة الفردية والاجتماعية للبشر، بما فيها عملية التربية الحساسة والمعقدة. إذا حددنا الدين في مجال العبادات الفردية أو أحكام محددة، فلن يبقى مكان لـ«فقه التربية» بمعنى نظام شامل.
هدفية الخلق والتربية: قبول أن خلق الإنسان، وبالتالي عملية التربية، له أهداف عليا إلهية (مثل الوصول إلى قرب الله، إزهار المواهب الفطرية، تحقيق العبودية، السعادة الدنيوية والأخروية). فقه التربية يأخذ معناه في ضوء هذه الأهداف، وتُنظم أحكامه لتحقيق هذه الغايات.
التكليفية والمسؤولية: قبول مبدأ التكليف والمسؤولية للإنسان أمام الله وأمام الآخرين. بناءً عليه، تكون الأفعال التربوية (سواء من المربي أو المتربي في سن التكليف) مشمولة بالأحكام الإلهية (واجب، حرام، مستحب، مكروه، مباح)، والأفراد مسؤولون ومحاسبون عن أداء الواجبات ورعاية الحقوق التربوية.
قابلية التربية وتأثر الإنسان: الاعتقاد بأن الإنسان كائن قابل للتربية، وأن عوامل مختلفة (الوراثة، البيئة، الإرادة، التعاليم الدينية…) يمكن أن تؤثر في تشكيل شخصيته وسلوكه. إذا اعتبرنا الإنسان مجبوراً وغير قابل للتغيير، فإن نقاش الأحكام والأساليب التربوية يفقد موضوعيته. مفهوم الفطرة الإلهية في الإنسان يؤكد على هذه القابلية الذاتية للنمو والكمال.
حجية المصادر وأسلوب الاستنباط: قبول حجية المصادر الرئيسية لاستنباط الأحكام الشرعية (الكتاب، السنة، العقل، الإجماع) وصحة منهجية علم أصول الفقه لفهم واستخراج الأحكام من هذه المصادر. فقه التربية أيضاً يستنبط الأحكام التربوية من نفس هذه المصادر وبنفس الأسلوب.
وجود قضايا تربوية في المصادر الدينية: الاعتراف بأن في القرآن الكريم وسنة المعصومين (عليهم السلام)، تعاليم وتعليمات وسيرة عملية وقواعد عامة كثيرة في مجال التربية، يمكن أن تكون أساساً لاستنباط الأحكام التفصيلية وتأسيس القواعد الفقهية في هذا المجال.
ضرورة تنظيم شرعي للعلاقات التربوية: قبول أن العلاقات والتفاعلات في عملية التربية (مثل علاقة الوالدين بالولد، المعلم بالتلميذ، الحاكمية بالشعب في مجال الثقافة والتربية) تحتاج إلى إطار قانوني وشرعي حتى لا تُضيع حقوق الأفراد، ويُمنع الإفراط والتفريط، وتُهدى مسيرة التربية نحو الأهداف الإلهية.
لذلك، بقبول هذه المباني يمكن الحديث عن «فقه التربية» كعلم منهجي يسعى لاكتشاف وتوضيح إرادة التشريع الإلهي في المجال الحساس والأساسي لتربية الإنسان.
فقه التربية وعلوم التربية
العلاقة بين «فقه التربية» والعلوم أو المجالات العملية الأخرى مثل «تربية الولد» (التي تشمل أكثر الجوانب العملية والتجريبية للأبوة)، «التعليم والتربية» (كنظام رسمي للتعليم والتربية)، «علوم التربية» (التي تدرس علمياً عملية التعلم والتربية)، «علم النفس التنموي والتربوي» و«التعليم والتربية الإسلامية» (كعلم يوضح مبادئ وأساليب التربية من منظور الإسلام)، هي علاقة تفاعلية وتكميلية، مع تمييز في الهدف والأسلوب.
فقه التربية، كما سبق بيانه، يسعى لاستنباط وتقديم الإطار الهنجاري والالتزامات الشرعية الحاكمة على عملية التربية. يخبرنا الفقه أي الأهداف والأساليب والعلاقات والهياكل مسموحة أو ممنوعة، واجبة أو مستحبة من منظور الشريعة، وأي الحقوق والتكاليف على عاتق الأطراف (المربي، المتربي، المؤسسات). في الواقع، يلعب الفقه دور المنظم والمحدد للحدود الإلهية لجميع الأنشطة التربوية.
في المقابل، لكل من العلوم والمجالات الأخرى وظيفة مختلفة:
تربية الولد (بالمعنى الشائع): غالباً تشمل مجموعة من المهارات والتجارب والتوصيات العملية للوالدين، يمكن أن تكون مستمدة من التراث أو التجربة أو النتائج النفسية. فقه التربية يقيم هذه المهارات والتوصيات من منظور شرعي.
التعليم والتربية (النظام الرسمي): يتناول الهياكل والإدارة والتخطيط الدراسي وتنفيذ التعليم والتربية في المدارس والجامعات. فقه التربية يوضح الأحكام المتعلقة بهذه الهياكل والمحتويات (مثل وجوب أو حرمة تعليم بعض المواد)، والعلاقات (معلم وتلميذ) والسياسات.
علوم التربية وعلم النفس: توصف وتحلل علمياً عملية النمو والتعلم والشخصية والعوامل المؤثرة في التربية. هذه العلوم لها أهمية حيوية لفقه التربية في مرحلة معرفة الموضوع. الفقيه لإصدار حكم دقيق بشأن أسلوب تربوي أو مسألة تعليمية، يحتاج إلى معرفة علمية بتأثيراتها وخصائص عمر المتربي والسياقات النفسية والاجتماعية التي توفرها هذه العلوم.
التعليم والتربية الإسلامية: هذا العلم يتناول أكثر المباني النظرية والفلسفة والأهداف الكبرى والمبادئ العامة للتربية من منظور الإسلام، ويسعى لتقديم نموذج تربوي شامل مبني على المصادر الدينية. يمكن لفقه التربية الاستفادة من المبادئ والأهداف المستخرجة في هذا العلم وترجمتها إلى أحكام عملية والتزامات سلوكية.
لذلك، العلاقة الرئيسية هي أن فقه التربية يحدد الإطار الشرعي والقانوني، وسائر العلوم والمجالات توفر الموضوعات والسياقات والأساليب العملية والنتائج الوصفية. ينظر فقه التربية إلى نتائج هذه العلوم كأداة لمعرفة أدق لموضوع الحكم، ثم بأسلوب اجتهادي يستخرج حكم ذلك الموضوع من المصادر الدينية. يحدد الفقه في العمل، من بين الأساليب والهياكل الممكنة، أيها متوافق مع موازين الشرع وما الالتزامات في تنفيذه. نتيجة لذلك، هذه المجالات، رغم استقلاليتها النسبية في الأسلوب والهدف، تحتاج لتحقيق نظام تربوي شامل ومثالي من منظور الإسلام إلى تفاعل وارتباط مع بعضها البعض.
