ملاحظة: الحجة الإسلام والمسلمين الدكتور مهدي عليزاده، من أولئك الذين بذلوا أكبر الجهود، سواء من الناحية العلمية أو الإدارية، لجعل الأخلاق والتربية علماً في الحوزة العلمية. ولد عام ١٣٥٠ شمسي (الموافق تقريباً لعام ١٣٩٠-١٣٩١ هـ) في طهران، ومن الناحية العلمية، إلى جانب التدريس في الحوزة والجامعة، أصدر كتباً ومقالات عديدة في مجال الأخلاق والتربية الإسلامية، منها كتب «مصادر ونصوص الأخلاق الإسلامية»، و«ببليوغرافيا الأخلاق الإسلامية»، و«الأخلاق التطبيقية»، و«الأخلاق الإسلامية؛ الأسس والمفاهيم» التي تُدرَّس كنصوص دراسية في المراحل الحوزوية والجامعية المختلفة. كما أنه مؤسس معهد بحوث الأخلاق والروحانية في معهد العلوم والثقافة الإسلامية. رئيس قطب الأخلاق والروحانية والأسرة في مكتب الإعلام الإسلامي، في هذا الحوار الخاص، بيَّن القواعد الفقهية في فقه التربية. وبالطبع، قبل بيان هذه القواعد، قدم مقدمة حول علاقة الأخلاق بسائر العلوم، وكذلك حول نهجين مهمين في التربية. نص الحوار الخاص لـ«فقه معاصر» مع عضو الهيئة العلمية في معهد بحوث الأخلاق والروحانية بمعهد العلوم والثقافة الإسلامية، كالتالي:
فقه معاصر: من بين القواعد الفقهية، أي القواعد هي الأكثر تطبيقاً في استنباط الأحكام في فقه التربية؟
عليزاده: الأمر الأول هو ما هو الدين؟ الدين مجموعة من العقائد، والأخلاقيات، والأحكام والفقه. هذه المجموعة هي في الحقيقة الدين. العقائد واضحة. والأخلاقيات أيضاً للتربية، واكتساب الملكات الأخلاقية، وإزالة الرذائل الأخلاقية. والأحكام والفقه جنبة عملية الدين؛ أي المسائل التي يجب على المتدين وعلى المسلم أن يؤديها في عمله. إذا تحققت هذه الثلاثة، يمكن القول إن هدف الدين قد تحقق، وهذا الشخص متدين.
أما بخصوص ما هو هدف الدين، فمن المصادر الدينية، صراحة أو إشارة، يمكن استخراج استنتاجات. يبدو أن هدف الدين إقامة العدل والقسط: «لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ». كما أن هدفه وصول البشر إلى السعادة، والفلاح، والكرامة، والروحانية، والتوحيد، والتشبه بصفات الله؛ مثلاً إذا كان الله رحمة، فهذا الإنسان أيضاً يرحم؛ أو إذا كان الله ينتقم، فهذا الإنسان أيضاً ينتقم؛ إذا كان الله جميلاً، فالإنسان أيضاً جميل. في الآية الشريفة «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ»، اعتُبر الدين بمعنى الفطرة. هذه الأهداف لا تتعارض مع بعضها، بل بعضها أهداف متوسطة وبعضها الآخر أهداف نهائية. الهدف النهائي هو الفطرة نفسها.
في وسط هذه العلوم الدينية الثلاثة، العقائد لكي يتربى الإنسان على نحو توحيدي. والأخلاقيات تقول: التزم بالأخلاق لتصبح إنساناً توحيدياً. والفقه أيضاً يبين الأحكام التي تربي إنساناً توحيدياً. العمل بهذه الأحكام لا ينفع الله شيئاً، لكنه يؤدي إلى تربية إنسان توحيدي؛ لذا فكل الدين له جنبة تربوية؛ لذا ليس الأمر كذلك أن علم الفقه فقط له جنبة تربوية، أو باب من أبوابه مخصص للتربية. حتى ذلك الجزء الحكومي من الدين في اتجاه تربية تلك الفطرة التوحيدية. الحكومة لإزالة العوائق أمام تربية الإنسان التوحيدية، وتوفير أرضية تربيته التوحيدية. في الروايات أن وجود الإمام المهدي (عليه السلام) المقدس عندما يأتي، يتحقق هذا الأمر، ويتربى البشر كذلك؛ بشر لا يحتاجون إلى قاضٍ ونحوه، وقوة شرطة وهذه الأمور؛ أي أولئك البشر يصبحون تلقائياً متربين إلهياً.
بعد هذه المقدمة، بخصوص قواعد فقه التربية يجب أن أقول إن قاعدتين لها تطبيق كبير في فقه التربية؛ إحداهما قاعدة الأمر بالمعروف، والأخرى قاعدة النهي عن المنكر، التي ربما يمكن اعتبارهما أساس فقه التربية أيضاً. بالطبع الأحكام الفقهية الأخرى لها تطبيقات بحسبها، لكن يمكن القول إن قاعدة الأمر بالمعروف وقاعدة النهي عن المنكر لها أكبر فعالية وتطبيق.
فقه معاصر: هل لفقه التربية قواعد فقهية خاصة به؟ اذكر هذه القواعد.
عليزاده: أساساً في علم التربية نفسه هناك نقاش هل التعليم أيضاً جزء من التربية ومن فروعها أم لا؟ بنظري المتواضع، التعليم أيضاً في الحقيقة من شؤون التربية؛ لذا في المؤسسات العالمية، يُنظر إلى التعليم والتربية معاً؛ بينما في التعليم أيضاً نوع من تنشئة الأفراد وتربية الكوادر موجود. في الجامعة أيضاً كذلك، وإلى جانب التعليم، يتم تربية الكوادر أيضاً؛ لذا من جهة يمكن القول: التربية أعم من التعليم والتعلم. الذين يدرسون في الجامعة أيضاً في الحقيقة يتربون للعمل في وزارة، أو مؤسسة، أو مصنع أو شركة أو مكان آخر؛ لذا مرة أخرى نقاش التربية موجود.
هذا أمر واحد. الأمر الآخر أن في التربية، في الحقيقة، هناك نهجان رئيسيان: التربية غير الدينية والتربية الدينية. التربية غير الدينية هي التربية العلمانية التي موجودة الآن في العالم، ولها بحسبها تعليمات وتنشئات تجعل الشخص علمانياً. هذا النوع من التربية يربي الأفراد في اتجاه الإيديولوجيا والرؤية العالمية الليبرالية والعلمانية. لتحقيق هذا الهدف، يجب أن يتمكن الأفراد من كسب المال للشركات الكبرى حتى يتم تأمين دنياهم ودنيا الآخرين. لتحقيق هذا، يجب أن تكون الاقتصاد والتكنولوجيا في الأولوية.
بالطبع في النهج التربوي الديني أيضاً توجد مفاهيم مشتركة مع النهج العلماني؛ مفاهيم مثل ضمير العمل، والنظام، والالتزام بالقانون، والتمتع بالتخصص. لكن الفرق بين النهج التربوي الديني وهذا النهج يكمن في الأهداف. التربية الدينية تريد تحقيق القيم الإنسانية والقيم الأخلاقية في اتجاه الأهداف المتوسطة والنهائية للدين مثل إقامة العدل والقسط، والسعادة والفلاح. في هذا النهج، وإن عمرت الدنيا أيضاً، إلا أن ذلك لكسب السعادة الأخروية والوصول إلى الجنة. في هذا النهج، يتم تربية البشر على نحو توحيدي للوصول إلى هذه الغايات.
بعد هذه المقدمة، بخصوص السؤال، يجب أن أقول نعم، لفقه التربية قواعد فقهية خاصة به أيضاً؛ قواعد مثل قاعدة الإحسان، وقاعدة البر، وقاعدة النصح، وقاعدة وجوب إرشاد الجاهل، وقاعدة وجوب نشر العلم، وقاعدة وجوب التعلم و… . هذه بالطبع إضافة إلى القواعد العامة للفقه مثل قاعدة لا ضرر ولا حرج التي تُطبق في جميع الأبواب بما فيها فقه التربية.
