حجة الإسلام والمسلمین الدکتور محمد مهدي كريمي‌نیا، فی حوار خاص مع فقه معاصر:

دراسة الأبعاد الفقهية للعنف ضد الزوجة/10

فی تاریخ الإسلام، لأسباب اجتماعیة وثقافیة وتاریخیة مختلفة، کان معظم الفقهاء البارزین والمعروفین رجالاً. هذا الأمر یعود إلى أسباب مثل: الدور التاریخی للرجال فی المجتمع، انشغالهم أکثر بالمسائل العلمیة والفقهیة، وبعض القيود الثقافیة والاجتماعیة على النساء فی تلک العصور. فی المجتمعات الإسلامیة الأولیة، کانت النساء یشترکن بشکل محدود فی الأنشطة العلمیة والفقهیة. هذا الأمر إلى جانب التأثیرات الثقافیة الأخرى، أدى إلى أن یکون معظم الفقهاء من الرجال.

إشارة: مصطلح «الفقه الذکری» دخل الأدبیات الفقهیة الإسلامیة منذ سنوات قليلة. یدعی أنصار هذا النهج أن کثیراً من الأحکام الفقهیة، خاصة الأحکام التی یعتقدون أنها تُفرق بین المرأة والرجل، نابعة من نهج ذکری للفقهاء الرجال نحو علم الفقه؛ نهج إذا وضعت النساء فی مکانة الفقاهة سی تغییر، وسینتج فتاوى مختلفة. برأیهم، الفقه الذکری تحول إلى عامل للعنف ضد النساء بطریقة ما. طرحنا هذا الموضوع مع حجة الإسلام والمسلمین الدکتور محمد مهدي كريمي‌نیا، عضو هیئة التدریس فی جامعة علوم ومعارف القرآن الکریم. هو یعتقد أن الإسلام لم یمنع أبداً تعلیم النساء أو فقاهتهن، بل هن أنفسهن لأسباب تاریخیة مختلفة، إلا فی حالات نادرة، لم یتمکن من الوصول إلى هذه المکانة. هو بالطبع یعتقد أن الفقاهة تتم بناءً على الأدلة الشرعیة وبدون تدخل الهوى النفسی، فحضور النساء فی مکانة الفقاهة لا یغير الگزاره‌ها الفقهیة تغییراً کبیراً. نص الحوار الخاص لفقه معاصر مع هذا الأستاذ والباحث فی الحوزة العلمیة فی قم کما یلی:

فقه معاصر: هل أن الفقهاء کانوا دائماً رجالاً وقلة وجود فقیهة من النساء، أثر فی فتاوى الفقهاء خاصة فی الأحکام وحقوق النساء؟

كريمي‌نیا: مسألة الفقه الذکری وتأثیره على فتاوى الفقهاء، خاصة فی الأحکام وحقوق النساء، موضوع تم مناقشته وبحثه فی تاریخ الفقه الإسلامی.

بشکل عام، عندما ندرس تاریخ البشریة، فی جمیع الأزمنة والأماکن، کان حضور النساء فی الساحة السیاسیة والعسکریة والإداریة والثقافیة والعلمیة والاجتماعیة تحت سیطرة الرجال ولا یزال. فی زماننا هذا الذی ملأت شعارات مساواة حقوق المرأة والرجل فی أوروبا وأمریکا الآفاق، لاحظوا کم نسبة النساء من رجال الدولة والسیاسیین والقوات العسکریة والتنفیذیة فی الدول المتحضرة؟ کم نسبة النساء من العلماء والباحثین والمخترعین والمکتشفین؟ بشکل عام، الترکیب الوجودی للمرأة فی جمیع الأزمنة والأماکن وضعها تحت سیطرة الرجال، دون أن یکون أحد مانعاً لتقدمهن فی المجالات المذکورة. واقع أمریکا وأوروبا زماننا شاهد صادق على هذا الادعاء.

فی الأنبیاء وخلفائهم أیضاً، لم یُرَ نبی من النساء أبداً. هذا الواقع العینی والخارجی فی جمیع الأزمنة والأماکن یدل على عدم قدرة النساء الجسمیة والروحیة على کسب مکانة وموقف کان الرجال یحوزونه فی جمیع العصور.

فی مکانة مرجعیة التقلید الشیعیة أیضاً الحال کذلک؛ أی أن أحداً لم یمنع تحصیل النساء وتقدمهن فی العلوم الدینیة والفقاهة، والطریق التعلیم واجتیاز درجات الاجتهاد شرعاً مفتوح للمرأة والرجل على السواء، لکن فی العمل لم تصل أی امرأة إلى هذه المکانة، وإذا وصلت إحداهن إلى مرحلة الاجتهاد، فإن المجتمع سواء النساء أو الرجال لم یرحب بمرجعیتهن الدینیة.

بشکل عام، الدین الإسلامی المبین دعا المرأة والرجل على السواء إلى طلب العلم والمعرفة وقال: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ» (بحار الأنوار، ج۶۷، ص۶۸)؛ لکن النساء فی طول التاریخ عملیاً لم یرحبن بهذه الدعوة، لیس أن الدین أو الرجال منعوا تقدمهن العلمی وفقاهتهن واجتهادهن. أولئک الذین لدیهم أبسط معلومات عن الفقه وأحکام الدین الإسلامی المبین یعلمون أن کل من یجلس فی مکانة المرجعیة وزعامة أمة الإسلام، یجب أن یکون عادلاً ولا یحق له أن یفتی حسب رغبته الشخصیة وحسب الهوى النفسی والتعصبات العرقیة. على الفقیه أن یستنبط ويستخرج أحکام الدین من القرآن والأحادیث وأقوال رسول الله (ص) وأئمة الهدى (ع).

بناءً على هذا الأساس، إذا وصل رجل إلى مرحلة الاجتهاد وأراد أن یستنبط حکم الله من القرآن بعدل وإنصاف وبدون الالتفات إلى الرغبات النفسیة، ففتواه هی أن حظ الإناث من میراث الوالدین نصف حظ الذکور، وإذا وضعت امرأة فی هذه المکانة، وبما أن الأساس هو استنباط أحکام الدین من القرآن وکلام رسول الله (ص) وأئمة الطاهرین (ع)، فلا خيار لها إلا أن تفتی بأن حظ الذکر من میراث الوالدین ضعف حظ الأنثى.

باختصار، فی أمة الإسلام عمل الفقیه والمجتهد العادل، سواء کان امرأة أم رجلاً، استنباط واستخراج حکم الله ورسوله (ص) وأئمة الهدى (ع) من القرآن والأحادیث والروایات؛ بدون تدخل الهوى النفسی. بناءً على هذا، سواء جلست امرأة على منصب الإفتاء أم رجل، فإن نتیجه فتواهما واحدة.

لدراسة دقیقة لهذه المسألة یجب مراعاة جوانب مختلفة بما فیها الترکیب الاجتماعی والتاریخی والفقهی للإسلام.

الترکیب التاریخی والاجتماعی للفقه

فی تاریخ الإسلام، لأسباب اجتماعیة وثقافیة وتاریخیة مختلفة، کان معظم الفقهاء البارزین والمعروفین رجالاً. هذا الأمر یعود إلى أسباب مثل: الدور التاریخی للرجال فی المجتمع، انشغالهم أکثر بالمسائل العلمیة والفقهیة، وبعض القيود الثقافیة والاجتماعیة على النساء فی تلک العصور. فی المجتمعات الإسلامیة الأولیة، کانت النساء یشترکن بشکل محدود فی الأنشطة العلمیة والفقهیة. هذا الأمر إلى جانب التأثیرات الثقافیة الأخرى، أدى إلى أن یکون معظم الفقهاء من الرجال.

لکن هذه النقطة لا یجب أن تعنی تجاهل دور النساء فی تاریخ الفقه الإسلامی. کثیر من النساء المعروفات فی تاریخ الإسلام کان لهن تخصص فی الفقه والحدیث. على سبیل المثال، بعض نساء الصحابة للنبی (ص)، مثل: السيدة فاطمة (س)، السيدة زینب، عائشة وأم سلمة، کان لهن تأثیر فی الفقه الإسلامی، ونقلت عنهن روایات کثیرة. مع ذلک، کان عموم الفقهاء والمراجع الفقهیة فی تاریخ الإسلام رجالاً.

تطور الفقه فی تفاعله مع حقوق النساء

مع ذلک، الفقه الإسلامی خاصة فی مکتب التشیع، دائماً فی حالة تطور وتکيف مع العصر. کثیر من الفقهاء المعاصرین، بما فیهم الإمام الخمینی وآیة الله خامنئی، طرحوا آراء مختلفة وأکثر تقدماً من الآراء الفقهیة السابقة فی سبیل إحقاق حقوق النساء. هم فی فتاواهم اهتموا بمسائل مثل: حق التعلیم، حق العمل، وحق مشارکة النساء فی الأمور السیاسیة والاجتماعیة. هذه التغییرات تدل بطریقة ما على حرکت الفقه الإسلامی نحو فهم أفضل لحقوق النساء.

فی القرآن الکریم والروایات عن أهل البیت (ع)، جاءت أصول عامة بشأن حقوق النساء تدل على احترام کرامة الإنسان للنساء والترکیز على العدل. فی القرآن، آیات مختلفة تؤکد على حقوق متساویة للنساء والرجال فی الإنسانیة وفی طریق الکمالات الدینیة.

على سبیل المثال، فی الآیة ۳۵ من سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾؛

ترجمة: إن المسلمین والمسلمات، والمؤمنین والمؤمنات، والمطیعین لله والمطیعات، والصادقین والصادقات، والصابرین والصابرات، والخاشعین والخاشعات، والمنفقین والمنفقات، والصائمین والصائمات، والحافظین لفروجهم والحافظات، والذاکرین الله کثیراً والذاکرات، أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظیماً.

هذه الآیة تدل بوضوح على مساواة الرجال والنساء فی کثیر من المجالات الأخلاقیة والعبادیة والاجتماعیة.

الاجتهاد الفقهی ومشارکة النساء

أحد الجوانب المهمة فی الإجابة على هذا السؤال، مسألة الاجتهاد ودور النساء فی العملیة الاجتهادیة. إذا استطاعت النساء المشارکة الفعالة والأکثر فی ساحة الفقه والاجتهاد، فإنهن یمکن أن یکن لهن تأثیرات إیجابیة وإصلاحیة فی الفتاوى الفقهیة خاصة فی مجال حقوق النساء. فی الحقیقه، بعض النساء المعاصرات اجتهدن فی المجال الفقهی خاصة فی دراسات حقوق النساء ونشرن کتباً ومقالات مهمة.

الفقه الإسلامی بشکل عام یؤمن بالتغیر والتطور، وفی حال وجود الشروط والأرضیة المناسبة، مشارکة النساء فی الاجتهاد وإصدار الفتاوى الفقهیة یمکن أن یکون لها تأثیر عمیق فی تحسین حقوق النساء فی الفقه الإسلامی.

النتیجة هی:

الترکیز على النصوص: یجب الاهتمام بهذه النقطة أن الفقه الإسلامی مبنی على مصادر مثل القرآن والسنة والعقل والإجماع. فی هذا، دور الفقیه کمجتهد استنباط الأحکام من هذه المصادر. سواء کان الفقیه رجلاً أم امرأة. الفقه الإسلامی یؤکد على الاستناد إلى النصوص الواضحة والقرائن القطعیة. فی هذا النظر، جنس الفقیه لا یجب أن یؤثر على استنباط الحکم.

وجود فقیهات: وإن کان عدد الفقیهات فی التاریخ أقل، لکن وجود بعضهن یدل على أن قدرة الاجتهاد واستنباط الحکم لیست خاصة بالرجال.

التغییرات فی الفتاوى: فی طول التاریخ، تغیرت فتاوى الفقهاء فی کثیر من المسائل. هذا یدل على أن الفقه دینامیکی ومتأثر بعوامل مختلفة. کون الفقیه امرأة أو رجلاً لیس من هذه العوامل المؤثرة.

من جانب آخر، الفقه الإسلامی له أصول وقواعد تمنع العنف والظلم. مفاهیم مثل العدل والمساواة والرحمة والکرامة الإنسانیة لها مکانة خاصة فی الفقه الإسلامی.

السؤال عن دور جنس الفقیه فی فتاوى النساء سؤال معقد ومتعدد الأوجه. وإن کان لا یمکن الإجابة علیه ببساطة، لکن دراسة هذا الموضوع یمکن أن تساعد فی فهم أفضل للفقه ومکانة النساء فی الإسلام.

فقه معاصر: هل توافقون على هذه الگزاره أن «بما أن الفقهاء دائماً رجالاً کانوا، فقه أیضاً ذکری شده وأقل اهتماماً بحقوق النساء شده است»؟

كريمي‌نیا: هذه الگزاره فی النظرة الأولی جذابة جداً وإلى حد ما مقبولة عند الجمیع؛ لکن للإجابة الدقیقة علیها، نحتاج إلى دراسات متعددة الجوانب.

فی الإجابة على هذه الشبهة نقول:

لیت أن بدلاً من التعمیم، طرحت أمثلة على تأثیر فتاوى الرجال على الفقه وإضاعة حقوق النساء وإعطاء امتیازات للرجال، حتى نعرف بالضبط أی جزء من الفقه وأوامر الشرع هو المقصود بالإشکال، ثم نركز بالضبط على تلک المسألة. یبدو أنه لم یُلاحظ أن أحد شروط الفقیه هو أن یکون عادلاً ومسیطراً على هواه النفسی ومطیعاً لأمر الله. یبدو أنه لم یُلاحظ أن الفقیه لیس مشرعاً حتى یضع قانوناً لصالحه أو حسب رغبة هذا وذاک. عمل الفقیه استنباط الأحکام؛ أی استنباط واستخراج الأحکام الشرعیة من الکتاب والسنة وإعلانها للمقلدین.

لذا إذا قال الله فی القرآن: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؛ أی حظ الذکر مثل حظ الأنثیین. لا یمکن للفقیه أن یقول خلاف النص الواضح للقرآن: میراث الإناث والذکور متساوٍ! إذا وصلت امرأة إلى مرحلة الاجتهاد، لا یمکنها بدون الالتفات إلى هذه الآیة، لصالح منافعها الشخصیة، أن تقول: میراث الذکر والأنثى من أموال الوالدین یجب أن یکون متساویاً!

مثال آخر، لماذا على الرجال واجب الذهاب إلى الجهاد، لکن الجهاد الابتدائی غیر واجب على النساء؟ هل برأیکم هذا امتیاز أُعطي للرجال، أم تکلیف ثقیل أُزيح عن کاهل النساء ووُضع على کاهل الرجال؟ إذا کان الفقیه یفتی لصالحه، لأزاح هذا التکلیف الجهاد عن کاهل الرجال وأوجب على النساء المشارکة فی الحرب وأعفى الرجال منه!

یبدو أنه لم یُلاحظ أن الشرط الأول للفقیه هو أن یکون عادلاً ومخالفاً لهواه النفسی ومطیعاً لأمر الله، وفتواه فی إطار القرآن المجید والأحادیث الصحیحة لرسول الله (ص) وأئمة الطاهرین (ع). لیس المقرر أن کل من جلس على منصب الفقاهة یفتی حسب رغبته وعلى أساس هواه النفسی ومنافعه الشخصیة.

النتیجة هی:

على سبیل المثال، فی بعض الأحکام المتعلقة بالمیراث والدیة والشهادة، هناک اختلافات بین حقوق النساء والرجال. هذه الاختلافات لیست نابعة من نظرة خاصة للفقهاء إلى دور ومکانة النساء فی المجتمع، بل هذه الأحکام والفتاوى مستمدة من المصادر الدینیة مثل: الآیات والروایات. حتی لو کان الفقیه امرأة، لأصدرت الفتوى نفسها.

من جانب آخر، الفقه الإسلامی بشکل عام فقه عدل-محور یؤکد أصولیاً على مساواة البشر أمام الله. القرآن الکریم والروایات عن أهل البیت (ع) فی مجال حقوق البشر خاصة النساء، تدل على احترام الکرامة الإنسانیة. فی القرآن جاء أن الرجال والنساء متساویان من الناحیة الدینیة والأخلاقیة عند الله، وهم معاً فی طریق الکمالات الإنسانیة والدینیة. آیات متعددة من القرآن مثل الآیة ۳۵ من سورة الأحزاب والآیة ۹۷ من سورة النحل، تؤکد على المساواة الحقوقیة والمعنویة بین النساء والرجال.

لذا، الفقه الإسلامی یؤکد على الأصول الإنسانیة والعدل، وبشکل ذاتی عاماً یمنع التميیز والظلم على النساء. قد یکون بعض الفتاوى الخاصة التی ظهرت فی تاریخ الفقه أحیاناً غیر صحیحة وتحتاج إلى مراجعة. لکن هذا الموضوع لا یعنی بأی حال «ذکریة» ذات الفقه الإسلامی، بل یعود أکثر إلى الأدلة الشرعیة والمصادر الفقهیة التی استخرجت واستنبطت منها الأحکام والشریعة.

من جانب آخر، لا ینبغی نسيان أن الفقه علم دینامیکی، وفی طول التاریخ، کانت کثیر من النساء نشطات فی الساحات العلمیة والدینیة وقمن بتفسیر وتبیین القوانین. کما أن بعض الفقهاء المعاصرین أولوا اهتماماً أکبر لدراسة حقوق النساء ومسائل مثل العدالة الجنسیة.

وإن کان عدد الفقیهات فی تاریخ الإسلام أقل، لکن النساء فی بعض الفترات والمناطق عُرفن کمفقیهات. مع ذلک، مشارکتهن لیست بقدر مشارکة الفقهاء الرجال.

فقه معاصر: إذا تمت الفقاهة من قبل النساء، هل سیؤدی، إلى جانب إعادة النظر فی حقوق وأحکام النساء، إلى تغییر فی طریقة استنباط الأحکام وأحیاناً دقة ونازک‌اندیشی أکثر حولها؟

كريمي‌نیا: یجب الاهتمام بأن حضور النساء فی ساحة الفقاهة، لیس فقط من البعد الفقهی، بل من البعد الاجتماعی والثقافی أیضاً مؤثر. هذا الموضوع یمکن أن یؤدی إلى تغییر النظريات التقلیدیة وتقدیم نهج جدیدة تجاه المسائل الفقهیة والدینیة فی المجتمعات المختلفة.

النساء بسبب التجارب الشخصیة واليومیة التی لدیهن، قد یرين زوایا جدیدة من المسائل الشرعیة والحقوقیة ويحللنها قد تکون أقل مشاهدة للفقهاء الرجال. هذا الموضوع یمکن أن یؤدی إلى تغییر فی النهج، ودقة أکثر، ونازک‌اندیشی خاصة.

أحد المسائل المسلّمة فی الفقه وأحکام الدین الإسلامی المبین هو أن استخدام الذهب والحریر والأبریشم حلال على النساء، وحرام على الرجال. إذا کان الهوى النفسی والمنافع الشخصیة مؤثرة فی فتاوى الفقهاء الرجال، فی هذه الـ۱۲۰۰ سنة الماضیة، لجعل الفقهاء الرجال استخدام الذهب کمزینة مباحاً على الرجال وحراماً على النساء! ولجعلوا لبس الملابس المذهبة والحریر والأبریشم حلالاً على الرجال وحراماً على النساء! بینما لم یحدث هذا، والفتوى عکس ذلک؛ الذهب والحریر والأبریشم حرام على الرجال وحلال على النساء.

مثال آخر أن على الرجال واجب دفع المهر إلى زوجاتهم، وتوفیر السکن والأثاث والأدوات والطعام واللباس وجمیع احتیاجات الحیاة للزوجة والأولاد، والنساء لیستن موظفات بالعمل وتوفیر مصاریف الحیاة. هل هذا امتیاز أُعطي للرجال أم للنساء؟ إذا کانت المنافع الشخصیة للرجال مؤثرة فی إصدار الفتوى، لأوجبوا على النساء دفع المهر للرجال! ووضعوا توفیر مصاریف الحیاة على کاهل النساء.

أحد أوامر الشریعة أن الرجال قوامون على الأسرة. أحد أسباب هذا الحکم الشرعی هذه الآیة الشریفة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (سورة النساء: الآیة ۳۴): الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم.

هل الفقهاء الإسلامیون بدون الالتفات إلى هذا السبب، وفقط لأنهم «رجال»، قدموا الرجال کمق قوامين على الأسرة؟! هل تستطیع الفقیهة، بناءً على هذه الآیة وأسباب روائیة کثیرة، تقدیم النساء کمق قوامات على الأسرة؟! الإجابة سلبية.

النتیجة هی:

بشکل عام، مشارکة النساء فی العملیات الفقاهیة، لیست فقط تؤدی إلى تغییرات إیجابیة فی حقوق وأحکام النساء، بل یمکن أن تساعد فی إثراء الفقه واستنباط أدق وأشمل للأحکام.

مع ذلک، یجب الاهتمام بأن مجرد حضور النساء فی الفقاهة لا یعنی لزوماً تغییراً کاملاً فی الأحکام، لأن الفقه مستند إلى المصادر الإسلامیة الأساسیة (القرآن والسنة). کما أن تنوع الآراء بین الفقیهات یمکن أن یکون موجوداً.

فی السنوات الأخیرة، أصبحت مناقشة دور النساء فی الفقه وتفسیر الدین أحد المواضیع الساخنة فی دراسات الإسلام. هذا السؤال أن هل تستطیع فقاهة النساء أن تؤدی إلى تغییرات فی طریقة استنباط الأحکام، له أهمیة خاصة.

الدقة والظرافت أکثر: بما أن النساء تقلیدیاً کان لهن نشاط أکثر فی المجالات المتعلقة بالرعایة والعلاقات الإنسانیة، قد یبذلن دقة وظرافت أکثر فی استنباط الأحکام، ویولین اهتماماً أکثر لتعقیدات العلاقات الإنسانیة.

أهمیة التعلیم: لکی تستطیع النساء النشاط الفعال فی ساحة الفقاهة، یحتجن إلى تعلیمات تخصصية ودعم لازم.

ضرورة التعاون: التعاون بین النساء والرجال فی ساحة الفقاهة یمکن أن یساعد فی تقدم هذا المجال.

فقه معاصر: هل بناءً على هذا الاستدلال أن بما أن الفقهاء رجالاً کانوا، فقه أیضاً ذکری شده وأقل اهتماماً بحقوق النساء، یمکن الاستنتاج أن حقوق الأطفال والحیوانات والنباتات أیضاً لم تُؤخذ بعین الاعتبار؟ لمعالجة هذا التحدی، ما الحل؟

كريمي‌نیا: سؤالکم یشیر إلى مسألة فلسفیة وفقهیة معقدة متعلقة بالتفاعل بین الجنس والفقه وحقوق الإنسانیة وغیر الإنسانیة. هذه المسألة تحتاج إلى تحلیل أدق للعلاقات بین الجنس والفقه، وکیفیة استنباط الأحکام، وفهم مکانة حقوق الخلائق الأخرى.

هذا الاستدلال أن الفقه بسبب ذکریة الفقهاء أولى اهتماماً أقل بحقوق النساء، لا یمکن تعمیمه مباشرة على حقوق الأطفال والحیوانات والنباتات. فی الواقع، هناک أدلة تدل على أن الفقه الإسلامی اهتم بحقوق هذه الفئات أیضاً:

حقوق الحیوانات

الفقه الإسلامی أولى أهمیة کبیرة لحقوق الحیوانات. بعض الفقهاء حتی اعتبروا حقوق الحیوانات من «حق الله» والواجب الشرعی. فی الکتب الفقهیة، طرحت مناقشات مثل وجوب توفیر النفقة للحیوانات، حتی إذا لم تکن نافعة.

حقوق النباتات

فی النصوص الفقهیة، أشیر إلى حقوق الأشجار والنباتات أیضاً، ونُهی عن إیذائها.

الکرامة الإنسانیة

الفقه الإسلامی بشکل عام یؤکد على حقوق الإنسان والکرامة الإنسانیة التی تشمل حقوق الأطفال أیضاً.

إضافة إلى أن استدلالکم فی السؤال الذی طرحتموه مبنی على أن بسبب غلبة النظرة الذکریة فی الفقه، أولى اهتماماً أقل بحقوق النساء. ثم تعمیمون هذا الاستدلال إلى مجالات أخرى مثل: حقوق الأطفال والحیوانات والنباتات؛ بینما هذا الاستدلال عادة متعلق خاص بحقوق النساء، لکن لیس لزوماً بجمیع الخلائق الحیة أو البیئة.

Source: External Source