سید محمد ساداتی‌نژاد (رئیس مجموعة الدراسات الإسلام والعلاقات الدولیة فی وزارة الشؤون الخارجیة)

فقه العلاقات الدولية: ماهيته، أبعاده وتحدياته/29

مفهوم وحدة الدول الإسلامیة وعالم الإسلام له أعداء داخل عالم الإسلام أیضاً. حتی بین المفکرین الشیعة، هناک جماعة تعارض مناقشة وحدة عالم الإسلام وتهاجمها تحت عنوان الپان إسلامیزم، وتقدم سید جمال الدین الأسدآبادی الذی بذل جهوداً کبیرة لتحقیق وحدة عالم الإسلام کممثل للعثمانیین، وتستند لضربه إلى أقوال بعض کبار الفقهاء مثل آقا بزرگ الطهرانی.

إشارة: وفقاً لتقریر فقه معاصر، نقلاً عن مرکز دراسات مستقبلیة عالم الإسلام، یوم الإثنین الموافق ۲۶ تیر ۱۳۹۶ شمسی (الموافق لـ ۲ شوال ۱۴۳۸ هـ تقریباً)، عقدت جلسة بعنوان «الوحدة والتقارب فی عالم الإسلام؛ من الفکر إلى العمل» بالتعاون مع مکلف الدراسات السیاسیة والدولیة فی وزارة الخارجیة ومؤسسة دراسات مستقبلیة عالم الإسلام فی هذه المؤسسة. فی هذه الجلسة، ألقى الدکتور جلال درخشه، عضو هیئة التدریس فی جامعة الإمام الصادق (ع)، والدکتور سید محمد ساداتی‌نژاد، رئیس مجموعة الدراسات الإسلام والعلاقات الدولیة فی وزارة الخارجیة، والسید محسن پاک آئین، السفیر السابق للجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة فی أذربیجان، محاضرات.

الدکتور سید محمد ساداتی‌نژاد فی هذه الجلسة، قدم محاضرة بعنوان «وحدة عالم الإسلام من منظار فقه العلاقات الدولیة الشیعی». أشار الدکتور ساداتی‌نژاد إلى التقسیم الفقهی لدار الإسلام ودار الکفر فی فقه العلاقات الدولیة الشیعی وقال: فی فقه العلاقات الدولیة، کان نظر الفقهاء إلى العلاقات الدولیة والنظام الدولی منذ زمن بعید فی إطار تقسیم دار الإسلام ودار الکفر، وفی هذا الإطار کان یتم تنظیم علاقات المسلمین مع غیر المسلمین.

طالما کان نظام الخلافة الإسلامیة حاکماً على الأراضی الإسلامیة، لم یواجه هذا النظر الفقهی للعلاقات الدولیة تحدیاً، لأن جمیع عالم الإسلام کان یُتصور فی إطار نظام الخلافة، ودار الإسلام تشمل جمیع الأراضی الإسلامیة بحکومة واحدة ومنسجمة تحت الخلافة، وفی مقابل دار الکفر ودار الحرب کان لها معنی ومفهوم. فی عصر الصفویین، مع تشکیل نظامین شیعی وسنی (فی إطار الخلافة العثمانیة التی کانت حاکمة على عالم الإسلام السنی)، واجه یگانة دار الإسلام تحدیاً، لکن مع تأکید کبار الطرفین على ضرورة وحدة الشیعة والسنة، وعدم تعدد الدول، لم یُعتبر هذا التحدی جدیاً، واستمرت مفاهیم دار الإسلام ودار الکفر ودار الحرب فی حیاتها فی فضاء فقه العلاقات الدولیة.

من العصر الحدیث یعنی تشکیل نظام الأمة – الدولة فی القرن السابع عشر، وبشکل خاص مع انهیار الخلافة العثمانیة وتشکیل دول إسلامیة مختلفة بناءً على القومیات والحدود المختلفة، واجه مفهوم دار الإسلام فی فقه العلاقات الدولیة تحدیاً. خاصة مع دخول مفاهیم غربیة جدیدة فی المجال السیاسی والعلاقات الدولیة مثل مفاهیم الدولة، والمنظمات الدولیة، والمساعدة الذاتیة، وأصل البقاء، والمصالح الوطنیة، والسعی للقوة، وتوازن القوى، ومفاهیم من هذا القبیل، انسحبت المفاهیم القدیمة دار الإسلام ودار الکفر من الأدبیات السیاسیة والعلاقات الدولیة التی کان یستخدمها المفکرون المسلمون فی الدول الإسلامیة، وادعى بعض المفکرین أن هذه المفاهیم فقدت فعالیتها، وفی العصر الجدید إما یجب تعریف دار جدید أو أنه لا یمکن استخدام هذه المفاهیم بعد الآن.

لکن الدراسة الفقهیة توضح أنه فی عصر المشروطیة وبعدها، کان نهج الفقهاء لا یزال تأیید مفهوم دار الإسلام ووحدة عالم الإسلام فی إطار هویة متکاملة، والفقهاء فی هذه الفترة وبعدها، إلى جانب تأیید مفهوم الأمة – الدولة، طرحوا وأیدوا مفهوم دار الإسلام واتحاد الدول الإسلامیة أیضاً.

على سبیل المثال، الآخوند الخراسانی کمحد الفقهای الرئیسیین والکبار فی عصر المشروطیة الذی لعب دوراً فی قیادة ثورة المشروطیة، له نظرة شاملة إلى عالم الإسلام بناءً على مفهوم فقهی دار الإسلام، وفی الوقت نفسه یشیر إلى کلمات الأمة، ومملکة إیران، وضرورة استقلال إیران. الآخوند الخراسانی فی فتواه للجهاد ضد الغزاة الروسیین یقول: «الجهاد واجب على جمیع المسلمین، ما دام أعداء الدین یهاجمون ثغور وممالک الإسلام». وإن کان الحدیث هنا عن احتلال إیران، إلا أن خطاب الآخوند موجه إلى جمیع المسلمین. فی الواقع، احتلال إیران من نظر الآخوند یُعتبر احتلال حدود جمیع الممالک الإسلامیة، الذی یدل على نظرته الأمة-محوریة، والوحدانیة، والدار الإسلامیة للآخوند.

الآخوند فی موضوع هجوم إیطالیا على لیبیا أیضاً یقول: «الآن إیطالیا هاجمت طرابلس التی هی من أکبر ممالک الإسلام، ما بالکم تسمعون صوت استغاثة المسلمین ولا تجیبون؟ هل تنتظرون أن یهاجم الأعداء مکة وحرم رسول الله (ص) ویقضیوا على دین الإسلام من الشرق والغرب؟ فبادروا إلى الواجبات الإلهیة التی هی وجوب الجهاد فی سبیل الله والدفاع عن الإسلام ووطنکم». یعتبر الآخوند الدفاع عن لیبیا دفاعاً عن الوطن من قبل جمیع المسلمین، وإن کان الهجوم على دولة لیبیا، إلا أن خطاب الآخوند موجه إلى جمیع الدول الإسلامیة.

شیخ فضل الله نوری کمحد الفقهای الکبار الآخرین فی هذه الفترة، یؤکد أیضاً على ضرورة وحدة الشیعة والسنة. الشیخ فی تذکرة الغافل ینکر أولئک الذین یخطون خطوات نحو الخلاف والتفرقة بین الشیعة والسنة.

الإمام الخمینی من الفقهای الکبار ومؤسس فقه عصر الثورة الإسلامیة، فی وصیته السیاسیة – الإلهیة یدعو جهاز السیاسة الخارجیة إلى الجهد فی تحسین العلاقات مع الدول الإسلامیة والوحدة والاتحاد. أوصى علماء الدول الإسلامیة بدعوة الحکومات والأمم إلى الوحدة، ومد ید الأخوة مع إخوانهم الإیمانیین فی أی بلد ومع أی عرق کانوا، وکان یعتقد أنه إذا تحقق هذه الأخوة الإیمانیة، فإن المسلمین سیکونون أکبر قوة فی العالم. الإمام الخمینی أیضاً فی الإعلان المشترک للآیات العظام بمناسبة ذکری ثورة ۱۵ خرداد قال: «برنامجنا وحدة کلمة المسلمین، اتحاد الممالک الإسلامیة، الأخوة مع جمیع الفرق الإسلامیة فی جمیع نقاط العالم، والتحالف مع جمیع الدول الإسلامیة فی جمیع أنحاء العالم». نهج الإمام الخمینی تجاه إسرائیل واحتلال فلسطین وضرورة تحریرها کمق جزء من الأرض الإسلامیة یدل على نظرته الوحدانیة والدار الإسلامیة إلى عالم الإسلام. فی الواقع، الفقهاء الجدیدون الذین استخدموا مفهوم دار الإسلام ودار الکفر فی فقههم، بناءً على الشروط الجدیدة، فی خطابهم السیاسی حاولوا استخدام کلمات مثل البلاد الإسلامیة، الأمة الإسلامیة، وحدة عالم الإسلام، الممالک الإسلامیة وأمثالها بدلاً من کلمة دار الإسلام، لکن استخدام هذه المفاهیم فی فقههم یدل على أن نظرتهم الفقهیة لا تزال مبنیة على استمرار وجود دار الإسلام فی العصر المعاصر.

آیة الله خامنئی أیضاً استمر فی نهج الإمام الخمینی فی فقه العلاقات الدولیة. هو أیضاً لا یجوز ترویج الخلاف والتفرقة بین المسلمین، ويؤکد على ضرورة اتحاد المسلمین وتوسيع الأخوة بین المسلمین، وفی موضوع فلسطین یتبع السیاسة نفسها. اهتمامه الجدی بمناقشات التقریب وأمره بتأسیس أو تقویت الهیئات التقریبیة مثل مجمع تقریب المذاهب الإسلامیة أو تأسیس جامعة المذاهب أو الأدیان یدل على هذه النظرة الأمة-محوریة والدار الإسلامیة إلى کلیة الدول الإسلامیة.

السؤال الرئیسی الذی یوجد هو لماذا لا تتشکل هذه الوحدة والاتحاد فی العصر المعاصر، ولماذا هناک هذا القدر من التفرقة والخلاف بین الدول الإسلامیة؟ قدمت إجابات متعددة على هذا السؤال، لکنی أنوي الإجابة على هذا السؤال من منظار فقه العلاقات الدولیة. إذا بحث فی الفقه، یتضح أن الفقهاء بیانوا قواعد فقهیة بشأن کیفیة الارتباط بین دار الإسلام ودار الکفر، والدراسات توضح أن حاکمی المجتمعات الإسلامیة الیوم، لأسباب مختلفة، تجاهلوا هذه القواعد الفقهیة، وهذا أحد أسباب وجود التشتت والتفرقة فی عالم الإسلام وعدم تشکیل مفهوم دار الإسلام حقیقیًا. الآن نشیر إلى بعض هذه القواعد الفقهیة المتعلقة بکیفیة تنظیم العلاقات دار الإسلام أو الأراضی الإسلامیة مع دار الکفر أو الدول غیر الإسلامیة.

شیخ الطوسی کمحد الفقهای المهمین فی الفترة قبل المشروطیة، یشیر إلى قاعدة نفی السبیل ونفی سلطة الکفار على المسلمین. هو یعتبر الشرکة المالیة واقتراض المسلمین من الیهود والنصاری والکفار مکروهاً. هو یعتبر المساعدة من الکفار فی زمن الحرب مع المشرکین مشروطاً بـ ۱- قلة عدد المسلمین، و۲- حسن نیة المساعدین للمسلمین. بالطبع، شیخ الطوسی یجوز الشراء من الکفار. هو یطرح أیضاً مناقشة ضرورة حفظ علو الإسلام وحفظ کیان الإسلام وحفظ حرمة المسلمین. لکن إلى أی مدى تلتزم الدول الإسلامیة بهذه القواعد فی تنظیم علاقاتها مع الدول غیر الإسلامیة.

المحقق الحلی أیضاً یطرح مناقشة منع المحبة والشفقة تجاه الکفار، وحتی لا یعتبر تعزیة أهل الذمة سنة. هو أیضاً یعتبر الشرکة المالیة مع أهل الذمة والکفار مکروهاً، وبیع السلاح فی زمن الحرب والسلم إلى الکفار حراماً. المحقق بالطبع یعتبر بیع المعدات العسکریة غیر السلاح إلى الکفار فی زمن السلم مکروهاً وفی زمن الحرب حراماً. المحقق أیضاً یطرح قواعد نفی السبیل وضرورة حفظ علو الإسلام وکیان الإسلام.

الآخوند الخراسانی من فقهای عصر المشروطیة، فی إجابة على استفتاء علماء أسترآباد یطرح مناقشة منع التحاب والتواد والأنس مع الکفار، ولهذا الغرض یستند إلى الآیة ۲۲ من سورة المجادلة: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ…﴾. هو أیضاً یطرح مناقشة ضرورة التدارک وإعداد القوة الدفاعیة التی واجبة عقلاً على عامة المسلمین. منع المعاملات والمعاشرات التی تؤدی إلى تقویت الکفار، نفی السبیل، ضرورة حفظ علو الإسلام وکیان الإسلام أیضاً من القواعد الفقهیة الأخرى للآخوند فی مجال العلاقات الدولیة وتنظیم علاقات الدولة الإسلامیة مع الدولة غیر الإسلامیة.

شیخ فضل الله نوری من الفقهای المهمین الآخرین فی عصر المشروطیة أیضاً یطرح القواعد الفقهیة نفی السبیل، علو الإسلام، وضرورة حفظ بیضة الإسلام، ولا یجوز تحبیب الکفار، وضرورة حفظ حرمة المسلمین مؤکدة من قبله.

الإمام الخمینی مؤسس الجمهوریة الإسلامیة وعصر الفقه الثوری الإسلامی، یطرح مناقشة ضرورة حفظ حرمة المسلمین، نفی السبیل ونفی السلطة والقبول بالسلطة، علو الإسلام وحفظ بیضة الإسلام، وهو أیضاً یرفض الموالاة تجاه الکفار یعنی تولي الأمور والتصدی لأعمال الکافر. هو یرفض العلاقة والتعاون والتجارة مع الکفار إذا کان خوف الضرر على سوق المسلمین، ويؤکد على الاستعداد الدفاعی للدولة الإسلامیة.

آیة الله خامنئی أیضاً یشیر إلى هذه القواعد نفسها نفی السلطة، علو الإسلام، وحمایة بیشة الإسلام، وضرورة حفظ حرمة المسلمین، ويجوز التعاون مع الکفار إذا لم یکن خلاف مصالح المسلمین، ويجوز التجارة مع الکفار إذا لم تکن فی طریق العداء للإسلام والمسلمین. هو أیضاً يؤکد على ضرورة الردع الدفاعی والعسکری.

بالطبع، فی مناقشة إدارة المجتمع والدولة الإسلامیة، هناک قواعد فقهیة أخرى فی مجال العلاقات الدولیة مثل تألیف القلوب، وبشکل خاص أصل المصلحة التی تساعد الحاکم فی المجتمع الإسلامی على العمل بناءً على مصالح المجتمع الإسلامی. رفع الإمام القدسی منزلة المصلحة فی إدارة المجتمع الإسلامی إلى درجة أنها من شئون الحکومة الإسلامیة، وآیة الله خامنئی أیضاً بناءً على ذلک، یعتبر قواعد العزة والحکمة والمصلحة أساساً لسیاسة خارجیة الدولة الإسلامیة.

مفهوم وحدة الدول الإسلامیة وعالم الإسلام له أعداء داخل عالم الإسلام أیضاً. حتی بین المفکرین الشیعة، هناک جماعة تعارض مناقشة وحدة عالم الإسلام وتهاجمها تحت عنوان الپان إسلامیزم، وتقدم سید جمال الدین الأسدآبادی الذی بذل جهوداً کبیرة لتحقیق وحدة عالم الإسلام کممثل للعثمانیین، وتستند لضربه إلى أقوال بعض کبار الفقهاء مثل آقا بزرگ الطهرانی. مع ذلک، مناقشة وحدة عالم الإسلام موضوع مؤید فی فقه العلاقات الدولیة، وهی الوجه الآخر لدار الإسلام. الإمام الخمینی وآیة الله خامنئی فی فترة تصدی الحکومة دائماً أکدا على هذا الأصل، والجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة منذ تأسیسها حتى الآن دائماً بذلت جهوداً لاتحاد عالم الإسلام، وهذا الموضوع ظاهر فی الدستور الذی هو نوع من الفقه المدون، ومؤکد فی وثیقة الرؤیة أیضاً، ودائماً کان أحد أسس السیاسة الخارجیة للجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة. الترکیز على القواعد الفقهیة المشترکة والمتفق علیها بین المذهبین الشیعی والسنی فی مجال العلاقات الدولیة والجهد لتطبیقها، یمکن أن یؤدی إلى تقویت عامل الاتحاد بین الدول الإسلامیة.

Source: External Source