إشارة: حجة الإسلام والمسلمين حسن بوسليكي، منذ سنوات طويلة، إلى جانب دروسه الحوزوية، دخل مجال التربية، ويشتغل بالبحث والتدريس في هذا الميدان. هو الذي تولى لسنوات إدارة مجموعة فقه التربية في معهد البحوث في الأخلاق والروحانية التابع لمركز البحوث في العلوم والثقافة الإسلامية، وفي هذا الحوار تحدث عن ماهية فقه التربية وأبعاده ومستلزماته. هو بتعداد ثلاثة معانٍ لفقه التربية، يرى أن المعنى الشائع في الحوزات العلمية هو معنى الرد على الأسئلة التوصيفية حول التربية. وبالطبع، أرجأ الحديث التفصيلي حول المعنيين الآخرين إلى فرصة أخرى. نص الحوار الخاص لـ«فقه معاصر» مع رئيس معهد البحوث في الأخلاق والروحانية التابع لمركز البحوث في العلوم والثقافة الإسلامية، يمر من أمام نظركم:
فقه معاصر: ما المقصود بـ«فقه التربية»؟ اشرحوه بدقة.
بوسليكي: قبل كل شيء، يجب الالتفات إلى هذا التركيب: ما المقصود بالفقه، وما المقصود بالتربية؟ باختصار، في الفهم العام، المقصود بالفقه هو العلم المسؤول عن استخراج واستنباط الأحكام الشرعية الخمسة. والمقصود بالتربية هو ما يتبادر أولاً إليها في التربية الأخلاقية والدينية والروحانية. وبالطبع، لها مجالات أخرى مثل التربية العقلية والفنية والسياسية وغيرها؛ لكن عادةً ما يتبادر من لفظ التربية هو التربية الأخلاقية والدينية بالذات.
فيما يتعلق بالفقه، لدينا علم فقه تشكل تاريخياً ولها مسار ومصادر وفصول ومنظرون محددون؛ لكن أحياناً المقصود بالفقه هو المعنى اللغوي نفسه، أي الفهم العميق والإدراك، وهنا قد يحدث ازدواجية في فقه التربية. بعضهم يستخدم تعبير «فقه تربوي» لا «فقه التربية». برأيي، التعبير الدقيق هو «فقه التربية» لا «فقه تربوي» الذي هو تركيب خاطئ. فقه التربية، بناءً على معنيي الفقه، يمكن أن يكون له معنيان.
معنى واحد لفقه التربية هو أن نجيب على جميع الأنشطة التربوية وجميع المواضيع والأسئلة التربوية من منظور فقهي؛ أي بصفتنا فقيهاً ومتخصصاً في علم الفقه، نتلقى أسئلة واستفتاءات التربويين من الآباء والأمهات والمعلمين إلى الحكومات، ونجيب عليها. وبالطبع، المباحث الفقهية تركز غالباً على الحلال والحرام، والاستحباب والكراهة أقل ظهوراً في مباحث هذا العلم. في الواقع، عندما يُسأل فقهي سؤال، فكأنهم ينتظرون سماع أحد الجوابات الثلاثة: «حلال»، «حرام»، أو «جائز».
المعنى الثاني لفقه التربية هو التفقه في التربية؛ أي أننا نريد استخراج النظام التربوي وآراء التربية الدينية من المصادر الدينية المعتبرة؛ بمعنى أنه لو كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) حاضراً الآن، كيف كان يربي الأطفال والجيل الشاب؟ ما هي أهدافه وأسسه؟ ما هي مبادئه وطرقه وتقنياته؟ ما هي عوائق العمل؟ بكلمة أخرى، استخراج نظام تربوي من الدين.
الفرق بين هذين المعنيين هو أن الفقه في المعنى الأول يقوم بعمل تالٍ، أي أن الفقه ينتظر حتى يطرح التربويون أسئلتهم، ثم يجيب الفقهاء عليها. الفقه في هذا المعنى سلبي؛ أي أنه يرد على أسئلة جماعة تحتاج إلى معرفة الحكم الفقهي لأعمالها التربوية؛ أما في المعنى الثاني، فالتفقه هو نفسه المبادر والمبتكر، ولا ينتظر سؤال أحد، بل يستخرج بنفسه من مصادر الدين ما ينبغي فعله لتحقق التربية.
وبالطبع، استعمال التركيب المركب «فقه تربوي» (لا فقه التربية) يدخل معنى ثالثاً أيضاً، وهو أن نلوث علم الفقه بالاعتبارات التربوية؛ أي أن يأتي الفقيه في عمله العلمي بالاعتبارات التربوية، وقد يتغير حتى فتواه أو طريقة بيان فتواه. هذا هو المعنى الثالث للفقه الذي له لون تربوي. موضوع هذا الفقه هو الأبواب الشائعة نفسها، لكنه من مرحلة الاستنباط إلى إبلاغ الحكم يراعي الاعتبارات التربوية.
فقه معاصر: هل علم الفقه مسؤول أصلاً عن تربية البشر، أم أن هذا الأمر موكول إلى علوم أخرى مثل علم الأخلاق وعلم التربية الإسلامية؟
بوسليكي: إذا اعتبرنا الفقه هو هذا العلم التاريخي المتشكل الذي أحد منتجاته البارزة هو الرسائل العملية، فالجواب سلبي؛ أي أن الفقيه بما هو فقيه له مهمة محددة هي استخراج الواجب والحرام، وينتهي عمل الفقيه هنا. والعلوم الأخرى كذلك؛ مثلاً علم الأخلاق مسؤول عن بيان واستنباط الواجبات والمحظورات الأخلاقية. الآن ينشأ علم يسمى التربية، عمله نقل البشر من حالتهم الموجودة إلى الحالة المرغوبة. هذا الأمر تم رسمه كأهداف تربوية في علوم أخرى؛ أي جزء منه بالفقه، وجزء بالأخلاق، وجزء بالفلسفة وغيرها من العلوم. في الواقع، الغايات التي تسعى التربية إليها رسمت في علوم أخرى، والتربية تريد نقل البشر من الحالة الموجودة إلى الحالة المرغوبة؛ مثلاً في التربية العبادية، الأهداف حددت بالفقه؛ أي نعرف من أي سنة، وأي تكاليف في أي شروط يجب أداؤها. الآن دور التربية؛ مثلاً تقول التربية: دعوني أتعامل مع الطفل بطريقة بحيث عندما يبلغ سن التكليف يؤدي تلك التكاليف العبادية؛ لذا الفقه كعلم متشكل ليس مسؤولاً عن التربية، وإن كانت الاعتبارات التربوية قد تتدخل في استنباط الأحكام الفقهية، وهو المعنى الثالث للفقه التربوي الذي هو بحث منفصل.
وبالطبع، إذا استعملنا الفقه بمعناه اللغوي، فليس علماً متشكلاً محدداً، وبنوع ما هو لاهوت التربية؛ لأن لاهوت كل علم يختلف عن ذلك العلم نفسه؛ مثلاً يمكن أن يكون لدينا لاهوت الأخلاق، وفي الوقت نفسه علم الأخلاق. بنفس الوزن، علم التربية يختلف عن لاهوت التربية. يمكننا في فقاهة التربية أن نتصرف مثل لاهوت التربية، أي نذهب إلى المصادر ونستخرج النظام التربوي. نعم، مثل هذا العلم الذي له طبيعة لاهوتية عمله استخراج النظام، وله علاقة بالتربية أيضاً. وبالطبع هناك أيضاً لا نستغني عن علم التربية، أي بعد أن نصل إلى نهاية لاهوت التربية، نحتاج إلى علم تربية له طابع إسلامي.
فقه معاصر: ما هي مستلزمات إنشاء باب فقهي؟ هل فقه التربية يُطرح كباب فقهي، أم أنه نهج عام لجميع أبواب الفقه، وفي الحقيقة في مرتبة تالية بالنسبة إلى أبواب الفقه؟
بوسليكي: وفق الثنائية التي عرضت، إذا اعتبرنا المعنى الأول الذي هو رد الفقيه على الأسئلة التربوية، ففي ذلك المعنى هو باب جديد. ليس نظرة عامة إلى جميع ميادين الفقه. لكن إذا أردنا أن ننظر إلى جميع ميادين الفقه، فهو معنى تلويث الفقه بالتربية وإعطاء نظرة تربوية للفقه والفقيه، وهو ليس محل بحثنا حالياً. ما هو المقصود والشائع والدارج الآن من فقه التربية هو هذا العمل الفقهي، أي استنباط الأحكام الخمسة في الموضوعات التربوية؛ مثلاً عندما نريد تأديب الطفل، في أي شروط، وكم، ولأي شخص يكون هذا التأديب جائزاً؟ في أي مكان تثبت الدية والقصاص، وفي أي مكان لا تثبت؟ ما هي أهداف التربية؟ ما الذي يجب أن نجعله موضوع عملنا في التربية؟ أي في أي مجالات يجب أن ينمو الطفل؟ هل الإيمان بالآخرة جزء من أهدافنا التربوية أم لا؟ هل قراءة القرآن وفهمه جزء من أهداف التربية أم لا؟
هذه مباحث طويلة تُبحث في فقه التربية؛ لذا ليست طرق وتقنيات التربية فقط موضوع الأسئلة الفقهية، بل حتى من أهداف التربية نفسها يُبحث؛ لأن الفقه الشائع يجعل السلوكيات الجوارحية موضوع عمله غالباً، لكن فقه التربية يتحدث حتى عن أهداف التربية؛ لذا الفقه هنا له عمل تالٍ، لا أن المباحث التربوية كذلك. وبالطبع، نظرة الفقه التربوي بمعنى سريان النظرة التربوية إلى جميع ميادين الفقه أمر مختلف؛ لكن في فقه التربية، عمل الفقه تالٍ، أي أولاً يُعرض عليه السؤال والاستفتاء، ثم يصدر الفقيه الحكم الفقهي بشأنه. هذا ما يحدث الآن.
فقه معاصر: هل فقه التربية هو دراسة فقهية للقضايا التربوية، أم ضرورة مطابقة القضايا الفقهية مع القضايا التربوية، أم أمر آخر؟
بوسليكي: جواب هذا السؤال سبق عرضه، أن فقه التربية له معنيان. معناه الشائع هو الذي تشكلت له دروس وصفوف، وهو الرد الفقهي على الأسئلة التربوية. والأسئلة الفقهية ليست فقط قضايا تربوية مثل هل التأديب للطفل في سن السابعة فعال أم لا؛ لأن الفقه ليس مسؤولاً عن الرد على مثل هذه الأسئلة، بل يتحدث عن الجواز وعدم الجواز؛ مثلاً هل يمكننا مراقبة سلوكيات الأطفال سراً، وهل نحن مسموحون بانتهاك خصوصيتهم؟ من الناحية الفقهية، هل هذا المستوى من المراقبة جائز أم لا؟
في فقه التربية، لا نهتم بآثار الحكم؛ بل ندرس فقط جواز وعدم جواز الأفعال بناءً على الأدلة الشرعية؛ لكننا لا ندرس القضايا التربوية. القضايا التربوية تشبه التوصيات للأهداف التربوية؛ مثلاً تقول: إذا أردتم أن يكون لطفلكم عزة نفس، فمن السنة الثانية السابعة قللوا المراقبة عليه. هذه قضية تربوية لا أهتم بصحتها وسقمها. القضايا التربوية لها طبيعة توصيفية توصيية وناظرة إلى أهداف؛ أهداف مثل عزة النفس التي تُقدم للوصول إليها توصيات. الفقه أصلاً لا يريد أن يقول شيئاً عن هذه القضية. الفقه يريد فقط أن يقول إن المراقبة على الطفل جائزة أم لا، ولا يهتم أصلاً بأنها تؤدي إلى عزة النفس أم لا؛ لذا فقه التربية الموجود لا علاقة له بمثل هذه القضايا.
فقه معاصر: هل فقه التربية بين العلوم يُطرح كعلم مستقل، أم ميدان دراسي، أم نظرية مثل نظرية العدالة والكرامة؟
بوسليكي: النظرية تكون نظرية عندما يكون مرادنا من الفقه هو الفقه التربوي؛ كأن نطلب من الفقيه أن يلوث الأحكام الفقهية بالاعتبارات التربوية بالتأكيد، وأن يكون طريقة الإبلاغ أيضاً بالاعتبارات التربوية، ففي هذه الحالة يشبه قاعدة الكرامة وأمثالها؛ لكن عندما نتحدث اليوم عن فقه التربية بالمعنى الأول – أي الرد الشرعي على الأسئلة التربوية (الأعمال والأهداف التربوية) – هذا العلم أصلاً ليس مستقلاً، بل باب فقهي جديد فقط؛ لكن إذا اعتبرناه بالمعنى الثاني أي فقاهة التربية، فيمكن أن يكون علماً مستقلاً، وطبيعته الرئيسية طبيعة لاهوتية؛ أي نحن أنفسنا أولاً نستخرج نظام تربية من المصادر الدينية. هذا يمكن أن يكون علماً مستقلاً. وبالطبع، هل تشكل أم لا، بحث منفصل.
فقه معاصر: إنشاء علم «فقه التربية» متوقف على قبول أي أسس ومقدمات؟
بوسليكي: هذا البحث طويل جداً وهو نفسه موضوع حوار مستقل؛ لكن باختصار يجب أن أقول: فقه التربية بالمعنى الأول لا يحتاج إلى أسس ومقدمات خاصة، بل أضيف باب جديد إلى هذا الفقه الموجود؛ مثل فقه البنك الذي هو باب فقهي جديد. لكن إذا كان المقصود فقاهة التربية، فهو باب واسع للحوار. يجب أن نطرح أسئلة معرفية لنرى هل أسسها مؤمنة أم لا، وإذا لم تكن مؤمنة من أين يجب تأمينها؛ لذا إذا كان فقه التربية بالمعنى الثاني، فأنا معذور حالياً عن الرد عليه؛ لأنه يتطلب حواراً مفصلاً.
فقه معاصر: ما علاقة فقه التربية بالعلوم مثل «تربية الطفل، التعليم والتربية و…»؟
بوسليكي: هذا السؤال امتداد للسؤال السابق؛ أي إذا اعتبرنا فقه التربية بالمعنى الأول، فليس ضرورياً إقامة علاقات خاصة؛ أي الفقه يقول رأيه كما في العلوم الأخرى، مثل فقه الطب الذي يحتاج إلى الطب فقط في حدود توضيح الموضوع. هنا أيضاً دور هذه العلوم هو أن يُعرف موضوع السؤال التربوي تماماً، لكن بعد ذلك يحدد الفقيه الحكم.
لكن إذا كان معنى فقه التربية التفقه في التربية، فهو ميدان واسع جداً لا يمكنني الدخول فيه كالسؤال السابق، ويجب إجراء حوار مفصل حول مباحثه المعرفية، ولذا لا أقول شيئاً حتى باختصار؛ لأن الميدان واسع جداً.
