إشارة: يتمتع أصل البراءة في فقه القضاء بتطبيق واسع. لكن هل هذا الأصل هو نفسه أصل الإباحة الأولية في الأشياء أم يختلف عنه؟ تناول حجة الإسلام والمسلمين الدكتور سيد علي علوي قزويني، أستاذ مجموعة الحقوق الخاصة في پرديس فارابي بجامعة طهران، هذه المسألة في مقالة نشرت في مجلة «البحوث الأصولية». فيما يلي خلاصة لهذه المقالة.
السؤال الرئيسي لهذا البحث هو: ما العلاقة بين أصل الإباحة والحظر مع البراءة والاحتياط؟ في مقام مقارنة هذين الأصلين العمليين (البراءة والاحتياط) مع أصلي الحظر والإباحة، توجد ثلاثة آراء: الرأي الأول يرى الاختلاف في الجهة الموضوعية، والرأي الثاني في الجهة المحمولية، والرأي الثالث في المالك المأخوذ والأثر بينهما. يقوم هذا البحث في النهاية بدراسة وجوه التلازم والتغاير بين هذه الأصول، ويقيس أدلة القائلين بكل وجه.
المفاهيم الرئيسية إن معرفة المفاهيم في علم أصول الفقه لها أهمية كبيرة. الكلمات الأربع الرئيسية المبحوثة هي: الحظر، الإباحة، الاحتياط، والبراءة.
١.١. مفهوم الحظر من الناحية اللغوية، «الحظر» يعني المنع والكف. في الاصطلاح الفقهي، المحظور هو العمل الذي فعله حرام وتركه مستوجب للثواب. يقول السيد المرتضى في تعريف المحظور: «هو الأمر الذي أُعلن قبحه للمكلف». ويُعرّف الشيخ الطوسي الحظر بأنه «الشيء الذي لا نفع فيه وفيه ضرر أو ضرر أقوى».
١.٢. مفهوم الإباحة «الإباحة» في اللغة تعني الظهور، والإطلاق، والسعة والفسحة. في الاصطلاح، الإباحة هي رفع كل قيد وإعطاء السعة في اختيار الفعل أو الترك للمكلف. يرى الشيخ الطوسي أن الإباحة عمل مباح ينتفع فاعله به ولا يترتب عليه ضرر دنيوي أو أخروي. ويرى الشهيد الصدر أن الإباحة تعني الحرية وفتح المجال أمام الاختيار بين الفعل والترك.
فيما يتعلق بكون الحظر والإباحة مجعولين شرعيين أو عقليين، هناك اختلاف. يرى الغزالي أن الإباحة من الأحكام الشرعية، بينما يرى بعض المعتزلة – بناءً على نظرية الحسن والقبح – أن الإباحة ليست حكماً شرعياً بل أمراً عقلياً؛ إذ كل عمل لا يترتب عليه مصلحة أو مفسدة عقلية فهو مباح. يقسم الغزالي المباحات إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول حيث خيّر الشرع المكلف صراحة (إباحة شرعية)، والقسم الثاني استمرار حالة الإباحة العقلية قبل ورود الشرع دون ورود دليل سمعي على إباحتها، والقسم الثالث حيث يوجد دليل سمعي على نفي الحرج.
يرى كثير من أصوليي الفقه أن الإباحة ليست من الأحكام التكليفية؛ لأن الحكم التكليفي يستلزم الطلب والمشقة، بينما في المباح تكون التخيير موجوداً دون طلب أو مشقة في الفعل أو الترك. ومع ذلك، يتفق الجميع تقريباً على أن الإباحة من الأحكام الخمسة.
١.٣. مفهوم الاحتياط (أصالة الاحتياط) «الاحتياط» في اللغة يعني الحفظ. في الاصطلاح، هو اهتمام المكلف بالموافقة القطعية لأوامر الشارع وحفظ النفس من المخالفة المحتملة للتكليف الواقعي. مجرى هذا الأصل (الذي هو نفسه أصالة الاشتغال) هو حيث يوجد علم إجمالي بأصل التكليف مع التردد في مصاديقه. ويشترط في جريانه أن يكون الاحتياط (أداء جميع الأطراف أو ترك جميعها) ميسوراً.
١.٤. مفهوم البراءة (أصالة البراءة) «البراءة» في اللغة تعني الخلوص والتطهر والخلاص. في علم أصول الفقه، البراءة إحدى الأصول العملية الأربعة، ومفاد حكمها الظاهري أن المكلف – في حال الشك في التكليف بعد البحث والتفتيش وعدم العثور على دليل معتبر – لا مسؤولية عليه تجاه ذلك التكليف المحتمل. موضوع أصل البراءة هو الشك في الحكم الواقعي (الوجوب أو الحرمة الفعلية).
٢. دراسة وجوه التغاير (الافتراق) ذُكرت ثلاثة وجوه للتغاير بين أصلي الحظر والإباحة مع البراءة والاحتياط.
٢.١. التغاير من جهة الموضوع التغاير الأول (الاختصاص بالمشكوك الحكم): طرح المحقق الإصفهاني هذا الرأي. بحسبه، الفرق بين الإباحة والبراءة هو أن موضوع الإباحة هو الفعل في نفسه بغض النظر عن ورود حكم شرعي، أما موضوع البراءة فهو الفعل الذي ثبت حكمه لكن الشك في حليته أو حرمته.
في باب أصالة الحظر والإباحة، الموضوع هو الموضوعات بحد ذاتها بغض النظر عن وجود حكم شرعي أم لا، والبحث من زاوية الأصول العقلية الأولية (كالتصرف في الأرض أو الشرب). أما في باب الاشتغال والبراءة، فالمكلف يبحث في الحكم المشكوك، أي بعد علمه بوجود الله لا يعلم حكم الله في ذلك المورد ويعتبر نفسه مسؤولاً أمامه.
التغاير الثاني (التصرفات القابلة للانتفاع): بيّن المحقق النائيني هذا التغاير. بحسبه، الفرق بين الحظر والإباحة مع البراءة والاحتياط هو أن موضوع البراءة والاحتياط مطلق الفعل الصادر من المكلف سواء كان متعلقاً بموضوع خارجي يمكن الانتفاع به أم لا، أما موضوع الحظر والإباحة فيختص بالموضوع الخارجي القابل للانتفاع.
والإشكال على هذا الرأي أن لا دليل على انحصار موضوع أصالة الحظر في التصرفات، وقد يُنظر إلى أدلة أخرى (كحق المولى على العبد).
التغاير الثالث (قبل وبعد الشرع): طرح جماعة من الأصحاب هذا الفرق. بحسبهم، الموضوعات في مسألة الإباحة والحظر تُنظر من زاوية ما قبل ورود الشرع، أما في مسألة البراءة فتُنظر من زاوية ما بعد ورود الشرع. وهذا الفرق يعني النظر إلى القبلية والبعدية لورود الشرع. وإذا كان المراد بالقبل الرتبة قبل الحكم الشرعي فهذا الرأي يتحد مع التغاير الأول.
٢.٢. التغاير من جهة المحمول التغاير الأول (الحكم الواقعي مقابل الحكم الظاهري): بيّن المحقق الإصفهاني والنائيني هذا الرأي. بحسبهما، في مسألة الإباحة والحظر المحمول هو الحكم الواقعي، أما في البراءة والاحتياط فالمحمول هو الحكم الظاهري. وبحسب النائيني، في الإباحة والحظر يُبحث في حكم عقلي ثابت، أما في البراءة فالحكم غير ثابت؛ أي أن الحظر والإباحة مقتضى أصل الاجتهاد، والبراءة والاحتياط مقتضى الأصل العملي.
التغاير الثاني (نفي المؤاخذة مقابل الحكم الواقعي): يبين المحقق الإصفهاني وجهاً آخر بناءً على نفي المؤاخذة. بحسبه، في البراءة المحمول نفي المؤاخذة ورفع المسؤولية، أما في الحظر والإباحة فالمحمول الحكم الواقعي (المنع الواقعي في الحظر والإباحة الواقعية في الإباحة). في باب الاشتغال والبراءة، المحكوم به هو الإدراك أو عدم المؤاخذة، أما في الحظر والإباحة فيُحكم بالإباحة أو الحظر.
٢.٣. التغاير من جهة الملاک والأثر التغاير الأول (التنجز مقابل الملكية): في مسألة الاشتغال والبراءة، ملاک البحث هو تنجز الحكم الواقعي (هل الحكم منجز أم لا). إذا لم يكن منجزاً تجري البراءة، وإذا كان يجب الاحتياط؛ أما في الإباحة والحظر فالملاک ليس التنجز بل الملكية (أو عدم ملكية غير المولى) أو الخروج عن زي الرقية.
التغاير الثاني (قطعية العقاب في الحظر): يبين المحقق الإصفهاني هذا التغاير بناءً على شرطية العقاب في الاحتياط وقطعيته في الحظر. بحسبه، في باب الاشتغال والبراءة (الاحتياط) وجود العقاب مشروط باحتمال الإصابة بالواقع، فإن لم يكن احتمال الموافقة مع الواقع فلا عقاب؛ أما في الحظر والإباحة (الحظر) فالعقاب قطعي غير مشروط، لأن إذا قلنا بأصالة الحظر وتصرف المكلف بدون إذن المولى فالحكم العقلي الجزمي أن هذا التصرف قبيح وعقابه قطعي.
٣. أدلة القائلين بالتغاير ذُكر دليلان رئيسيان للقول بالتغاير:
٣.١. التغاير من جهة الحيثية المالكية والحيثية الشارعية الدليل الأول الذي بيّنه المحقق الإصفهاني هو أن في الإباحة حيثية مالكية وفي البراءة حيثية شارعية. يرى أن أغراض الله تعالى نوعان:
أغراض شارعية: تنشأ من مصالح ومفاسد الأمور ولها أربعة أقسام: القسم الأول: حيث يهدف الشارع إلى كمال الإنسان وإيصاله إلى مصالح ومفاسد الأعمال (كالمنع الشرعي أو الإباحة الشرعية). القسم الثاني: حيث لا يرى الشارع مصلحة أو مفسدة فيترخص (ترخیص شارعي). القسم الثالث: حيث توجد مصلحة ملزمة لكن مزاحمة أمر آخر (كمصلحة التيسير وعدم التنفير من الدين) تدعو الشارع إلى جعل الإباحة. القسم الرابع: حيث توجد مفسدة في فعل لكن الزمان لا يقتضي إعلان الشارع لها دفعة واحدة (كالحكم الأولي للخمر).
أغراض مالكية: تنشأ من المولوية والعبودية لا من مراعاة المصالح والمفاسد.
يرى المحقق الإصفهاني أن العقل يحكم بقبح التصرف حيث يكون للمولى غرض (مالكي أو شرعي) ويفعل العبد بدون إذنه. في الحالات التي لم يصل دليل شرعي (موضوع أصالة الحظر والإباحة) ينتفي الغرض الشارعي، وبما أن الله غني بالذات فلا غرض مالكي له، فيبقى لا غرض فيحكم العقل بعدم قبح التصرف وتثبت أصالة الإباحة.
والإشكال: في تصرف العبد في ملك المولى (والعالم كله ملك الله) يبقى دائماً خروج عن رسوم المولوية والعبودية حتى لو لم يكن للشارع غرض تشريعي؛ إذ التصرف بدون إذن في ملك المولى قبيح.
٣.٢. التغاير من جهة ملاک حق الطاعة الدليل الثاني هو أن في الاحتياط يوجد ملاک حق الطاعة (حق طاعة المولى) بينما في الحظر لا يوجد. يطرح الشهيد الصدر حق الطاعة في بحث التنجيز والتعذير القطعي. يرى أن المولوية (حق طاعة العباد) والحجية (التنجيز والتعذير) لا ينفصلان.
إذا قلنا بحق طاعة المولى في جميع أحكام العباد فمخالفة المولى في جميع المقطوعات قبيحة. يرى الشهيد الصدر أن حق الطاعة يشمل الحالات التي لا قطع فيها (المشكوك والمظنون).
بحسب الشهيد الصدر، أصالة الحظر دليل عقلي على أصالة الاحتياط في كل تكليف مشكوك، والعقل يحكم بلزوم دفع الضرر المحتمل في اطراف العلم الإجمالي، فالاحتياط أصل عقلي أولي في كل الشبهات. ويرى أن التفكيك بين المولوية والحجية الذي ذهب إليه المشهور خطأ؛ إذ الحجية في الواقع حدود المولوية.
٤. دراسة التلازم (الارتباط) يرى بعض الأصوليين وجود تلازم بين الإباحة والحظر مع البراءة والاحتياط.
٤.١. الدليل العقلي على جريان أصل الاحتياط في الحظر يرى بعض العلماء أن أصالة الحظر هي نفس الدليل العقلي على أصالة الاحتياط.
بناءً على المسلك الثالث (أصل التوقف/ «لا أدري») في الأصول الأولية للأشياء، يحكم العقل بلزوم الاجتناب عن الأفعال غير الضرورية. في كل عمل لا نعلم حرمته أو حليته لا حق لنا في ارتكابه ويجب الحكم بالوقف أو الحظر والاجتناب عن المشتبهات؛ وهذا هو المطلوب.
٤.٢. الحظر والإباحة كمبادئ تصديقية للبراءة والاحتياط الدليل الثاني للتلازم هو أن الإباحة والحظر مبادئ تصديقية للبراءة والاحتياط.
يرى المحقق النائيني: كل من قال بأصالة الحظر في باب الإباحة والحظر يجب أن يقول بالاحتياط في باب البراءة والاشتغال، وكل من قال بأصالة الإباحة يجب أن يقول بالبراءة في الباب الآخر. فإذا قلنا بأصالة الإباحة في المسألة الأولى يصبح دليلاً على القول بأصالة البراءة في المسألة الثانية.
والإشكال على التلازم: يشكل المحقق الشاهرودي على كلام النائيني قائلاً إن المسألتين لا علاقة لهما؛ فمسألة الإباحة والحظر من جهة العناوين الأولية (كالتصرف في ملك الغير)، أما الاشتغال والبراءة فمسألة ثانوية لدخول الشك في وجود أو عدم المفسدة (مشكوك الحكم). وبما أن العناوين الأولية والثانوية لا ترتبط، فالمسألتان غير مرتبطتين.
٥. الخاتمة ١. مع وجود الاختلافات بين علماء الأصول، يُستنتج أن بين أصالة الحظر/الإباحة وأصالة الاحتياط/البراءة علاقة تغاير (افتراق).
٢. يظهر هذا الاختلاف من جهة الموضوع (هل الشك في الحكم أم في أصل الموضوع)، والمحمول (هل الحكم ظاهر أم واقعي)، والملاک والأثر (هل البحث في التنجز أم الملكية).
٣. أدلة القائلين بالتلازم بين هذه الأصول لا تبدو موجهة تماماً. ورغم احتمال وجود تلازم من بعض الجهات (كأن يكون الحظر دليلاً على الاحتياط)، إلا أن الاختلافات أكثر ولا يمكن الحكم بالتلازم الوجودي بشكل عام.
٤. كذلك، ورغم أن الإباحة والحظر قد تكونان من جهة «مبادئ تصديقية» للبراءة والاحتياط، إلا أنه بما أن هذه المسائل تُبحث من وجوه متعددة فلا يمكن الحكم بالتلازم بشكل عام.
