قراءة فقهية للحوكمة الرشيدة؛ بين التنظير والنقد الكلامي

دراسة الحوكمة الرشيدة من منظور الفقه السياسي في الندوة العلمية الثانية والستين بعد المائتين لمعهد بحوث الدراسات في الفقه المعاصر

وفرت الندوة العلمية لمعهد دراسات الفقه المعاصر، التي تمحورت حول «قراءة الحوكمة الرشيدة من منظور الفقه السياسي»، أرضيةً لطرح وجهات نظر مستحدثة في مجال الفقه السياسي الإسلامي.
وفي هذه الندوة العلمية، أكد حجة الإسلام والمسلمين الدكتور محسن مهاجر نيا على ضرورة تقديم نموذج فقهي متماسك للحوكمة، وقام عبر التمييز بين «الحكومة» و«الحوكمة» بتعداد المؤشرات الرئيسية للنظام المنشود (مثل الشفافية والعدالة).
كما أكد، في معرض تعريفه للفقه السياسي بوصفه علماً من داخل الفقه، على أهمية تحديد إطار نظري كلي.
وفي المقابل، أظهر الدكتور السيد صادق حقيقت في نقده أن هذه المباحث لا تزال في مراحل التكوين النظري. وقد تركز نقده على مدى كفاية الأطر المقترحة، وكذلك على حدود صلاحيات الفقه السياسي في الدخول إلى مباحث حراك القوة الديناميكي. كما دعا إلى تبيين أسس كلامية أكثر رصانة، فضلاً عن مواءمة الأطر المقترحة مع الرؤية التقليدية للفقهاء.

عُقدت الندوة العلمية الثانية والستون بعد المائتين لمعهد دراسات الفقه المعاصر تحت عنوان «قراءة الحوكمة الرشيدة من منظور الفقه السياسي»، بمشاركة حجة الإسلام والمسلمين الدكتور محسن مهاجر نيا، عضو هيئة التدريس في معهد الثقافة والفكر الإسلامي.
وبحسب تقرير الموقع الإعلامي لمعهد دراسات الفقه المعاصر، صرح الدكتور مهاجر نيا في بداية هذه الندوة، مؤكداً على ضرورة تقديم نموذج فقهي للحوكمة الرشيدة، قائلاً:
«حينما نضع الحوكمة في مواجهة الفقه السياسي، فإن ذلك يستلزم أن يقدم الفقه نموذجاً للحوكمة الرشيدة».
وأضاف بملاحظة التجربة التاريخية لمختلف نماذج الحوكمة في العالم الإسلامي: «بدءاً من نموذج الخلافة لدى أهل السنة وصولاً إلى النظام الولائي في الفقه الشيعي وحتى الأنظمة الجمهورية، كلها نماذج جُرّبت نظرياً وعملياً».
واعتبر أستاذ الحوزة والجامعة هذا أن الخطوة الأولى في مبحث الحوكمة هي تبيين مكانة الفقه السياسي، وصرح قائلاً: «الفقه السياسي هو فرع من الفقه يدرس السياسة في فضاء الفقه المضاف، وهو علم نابع من داخل الفقه، وليس مجرد علم بيني».
وأوضح الدكتور مهاجر نيا من خلال التمييز بين «الحكومة» و«الحوكمة» أن: «الحوكمة تختلف عن ممارسة الحكم؛ فالحوكمة هي عملية ناتجة عن تفاعل السلطة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والهياكل الرسمية لتحقيق الأهداف المشتركة للمجتمع».
وعدد في السياق ذاته مؤشرات الحوكمة الرشيدة متمثلة في الشفافية، والوصول الحر إلى المعلومات، والإجماع والرضا العام، والعدالة، والمسؤولية، والمشاركة العامة في السلطة، وأكد أن: «تحقق هذه المكونات هو شرط الرضا العام وكفاءة النظام السياسي».
وأشار عضو هيئة التدريس في معهد الثقافة والفكر، في جانب آخر من حديثه، عبر طرح ثلاثة أطر هي «نظام الأمة والإمامة»، و«نظام الدولة والأمة»، و«النظام السياسي الإمامة–الأمة»، إلى أن: «أي بحث في الفقه السياسي والحوكمة سيصاب بالغموض والاختلاف دون تحديد إطار نظري كلي».
وفي متابعة للندوة، قام الدكتور السيد صادق حقيقت، عضو هيئة التدريس في معهد الإمام الخميني والثورة الإسلامية للأبحاث، بتقديم نقد للرؤى المطروحة معرباً عن تقديره للمضامين المقدمة.
وكان الدكتور حقيقت يرى أن نظام الحوكمة «الإمامة-الأمة» ليس كافياً بمفرده. كما ذكر أن إطار «الدولة والأمة»، وهو من النظريات الحديثة في العلوم السياسية، لا يكفي إلى جانب الفقه السياسي لتبيين الحوكمة. وبناءً على ذلك، يجب التوجه نحو إطار «الإمامة-الأمة» ليتسنى الحديث عن قراءة الحوكمة من منظور الفقه السياسي والخوض في هذا البحث.
وأكد أنه على الرغم من أن الفقه السياسي هو علم مضاف، إلا أن البحث المقدم يندرج ضمن المباحث الكلامية المتعلقة بـ «الانتظار من الدين والحوكمة والفقه السياسي»، وأن الدكتور مهاجر نيا لم يبين أسسه النظرية في هذا الصدد بوضوح.
كما صرح الدكتور حقيقت بخصوص التقسيم الثلاثي المطروح (نظام الأمة والإمامة، والدولة والأمة، والسياسي الإمامة-الأمة) بأنه من خلال فحص محتواه، فإن هذا التقسيم ليس رائجاً في رؤى الفقهاء والمتكلمين. علاوة على ذلك، يطرح التساؤل حول ما إذا كان بإمكان الفقه السياسي أن يبحث بشكل مباشر في الحوكمة بوصفها «عملية» و«حراك قوة»؟ فإذا أراد الفقه السياسي تبيين العمليات وحراكات القوة والمؤسسات، فإنه يحتاج إلى مستندات وأدلة أقوى.

Source: External Source