مرتضى الترابي

الأصول العملية القضائية/13

إن الحديث عن الأصول العملية، سواء كانت قضائية أو غير قضائية، في فقه أهل السنة لا يبدو أن له أساساً صحيحاً؛ بمعنى أن أصول الفقه وفقه أهل السنة لا يعترفان بالأدلة تحت عنوان «الأصل العملي»، لكي يتسنى لنا البحث في مقارنة نوعين من الأصول العملية القضائية.

إشارة: الأصول العملية القضائية في الفقه الشيعي واسعة الاستخدام جدًّا؛ لكن هل الأمر كذلك في فقه أهل السنة؟ يرى حجة الإسلام والمسلمين مرتضى ترابي أن فقه أهل السنة، بما أنه لا يقبل أصلاً تقسيم الأدلة إلى أمارات وأصول عملية، فإن الحديث عن «الأصول العملية القضائية» في فقه أهل السنة من الأساس غير ذي معنى؛ إلا أنهم يملكون قواعد مهمة في فقه القضاء يتمسكون بها في الإجراءات القضائية. يلي تفصيل مذكرة خاصة لهذا الأستاذ في دروس خارج الفقه والأصول في الحوزة العلمية في قم، حول الأصول العملية القضائية في فقه أهل السنة:

لتوضيح مكانة الأصول العملية، يجب أولاً بيان الفرق بين الأصول العملية والأمارات. في أصول الفقه الشيعي، منذ الوحيد البهبهاني، تنقسم الأدلة إلى قسمين:

القسم الأول: أدلة تبيّن الحكم الواقعي للأشياء والأفعال؛ كالأدلة التي تبيّن أحكام الأشياء على ما هي عليه، مثل وجوب الصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها. ولهذا النوع من الأدلة يُقال: الأمارات أو الأدلة الاجتهادية.

القسم الثاني: أدلة تبيّن الحكم الظاهري للأشياء في حال عدم وجود دليل على بيان الحكم الواقعي لها. ولهذا النوع الثاني من الأدلة يُقال: الأصول العملية أو الأدلة الفقهية.

الأصول العملية أربعة:

  1. الاستصحاب
  2. أصالة التخيير
  3. أصالة الاحتياط
  4. أصالة البراءة.

إذا لم يجد المجتهد الحكم الواقعي لشيء أو فعل بعد بحث الأدلة، فإن كان لهذا الشيء أو الفعل حالة سابقة معلومة، جرى الاستصحاب؛ وإن لم تكن له حالة سابقة معلومة، ولم يمكن الاحتياط فيه – كما إذا دار الأمر بين الوجوب والحرمة – جرى أصالة التخيير. وإن أمكن الاحتياط، وكان أصل الإلزام معلومًا شرعًا لكن متعلقه مجهولاً، جرى أصالة الاحتياط؛ وإن لم يكن أصل الإلزام معلومًا وكان مشكوكًا، جرى أصل البراءة.

وعلى هذا الأساس، الاستصحاب من حيث الرتبة متأخر عن الأدلة التي تبيّن الحكم الواقعي للأشياء، لكنه مقدم على الأصول العملية الأخرى، إذ إنه أصل عملي محرز.

وقد بيّن الشهيد الصدر هذا الموضوع في «بحوث».

التفريق بين الأمارات والأصول العملية عند أهل السنة

عند أهل السنة، وبسبب عدم تطور المباحث الأصولية، لا يوجد مثل هذا التقسيم، بل يعدّون الاستصحاب وسائر الأصول العملية من الأدلة الظنية التي يُستفاد منها ظنًّا بالحكم.

هذا البحث يتعلق بالأدلة التي تستخدم في أصول الفقه لاستنباط الحكم الشرعي الكلي. أما في الفقه – سواء باب القضاء أو غيره – فيتم التمسك بأصول وقواعد لتشخيص الشبهات الموضوعية الجزئية، وأهل السنة لا يعدّون هذه القواعد حجة من باب الأصل العملي، بل يعدّونها قواعد فقهية معتبرة. أما الشيعة، بسبب التفريق بين الأمارات والأصول، ففي القواعد التي يُستند إليها في باب القضاء أو غيره، يناقشون أولاً: هل حجيتها من باب الأصل العملي أم من باب الأمارة؟

وعلى هذا الأساس، الحديث عن الأصول العملية القضائية أو غير القضائية في فقه أهل السنة يبدو ظاهريًّا أنه لا أساس صحيح له؛ أي إن أصول الفقه وفقه أهل السنة لا يعترفان بالأدلة تحت عنوان أصل عملي حتى نناقش مقارنة نوعين من الأصول العملية القضائية.

ومع ذلك، يجب التنبيه إلى أنه مع عدم اعتراف أهل السنة بأدلة أو قواعد تحت عنوان الأصول العملية، إلا أنهم – من الناحية التطبيقية لا النظرية – يعترفون بأصلين عمليين لهما أكبر تطبيق في باب القضاء، وهما:

أصل براءة الذمة؛ استصحاب اشتغال الذمة بعد ثبوته.

لذلك، أهم أصل وقاعدة في باب القضاء يمكن تسميتها أصلًا عمليًّا هما الأصلان المذكوران.

توضيح حول أصل براءة الذمة

«براءة المتهم حتى تثبت إدانته» أصل مهم في القضاء، وقد أولاه مفكرو العالم – حتى في النظم البشرية القانونية – اهتمامًا كبيرًا.

كما نصت المادة ۱۱ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على هذا الأصل، حيث جاء: «كل شخص متهم بارتكاب جريمة يُعتبر بريئًا حتى تثبت إدانته قانونًا في محاكمة علنية عادلة تكفل له جميع الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه».

ومع مقارنة هذا الأصل في النظم البشرية المعاصرة وبأصل البراءة في الشريعة الإسلامية، تظهر تفوق التشريع الإسلامي على النظم الحالية؛ إذ كان هذا الأصل موجودًا في التشريع الإسلامي منذ بداية ظهور الإسلام، بينما ظهر في القوانين المعاصرة منذ أوائل القرن الثامن عشر، نتيجة جهود فلاسفة عصر النهضة والتنوير. وخاصة أن قاعدة «أصل براءة الذمة» المقررة في الفقه الإسلامي تعمل في نطاق أوسع من المجال الجزائي، إذ تشمل جميع أنواع الواجبات والتكاليف، حتى التكاليف العبادية البحتة.

دليل أصل البراءة

لقد أوردوا لهذا الأصل الإسلامي أدلة عدة، أظهرها «الاستصحاب»؛ إذ إن اشتغال الذمة بحق من الحقوق أمر حادث مسبوق بالعدم، فإذا شك في تحققه، مقتضى الاستصحاب الرجوع إلى الحالة السابقة، والحالة السابقة هي البراءة. (انظر: كتاب المستصفى، ص ۱۵۹)

وتقريب الاستدلال بالاستصحاب من وجهين:

  1. استصحاب عدم التكليف الحالي الذي كان موجودًا يقينًا قبل البلوغ.
  2. استصحاب العدم الأزلي الثابت قبل وجود المكلف؛ وعلى أساس جريان الاستصحاب في «الأعدام الأزلية» – كما مر بحثه – يستصحب عدم التكليف. (انظر: كتاب فرائد الأصول، ج ۱، ص ۳۳۷)

القواعد الفقهية في باب القضاء عند أهل السنة

أهم القواعد الفقهية المطروحة في باب القضاء عند أهل السنة هي:

  • من تعيّن عليه فرض أُخذ به جبرًا.
  • طالب الولاية لا يُولى.
  • السلطان وليّ من لا ولي له.
  • من ولي القضاء وهو كفء له أجر، ومن عجز عنه فوليه آثم.
  • ولاية الإمام عامة، وولاية القاضي مقصورة فيما ولاه الإمام إياه.
  • الأصل أن من عيّنه الإمام لا يُعزل بدون موجب على الأولى.
  • المولى من قبل الإمام لا يعزل نفسه أو غيره لغير عذر يبديه.
  • يتحقق العلم بالتعيين والعزل بالمشافهة والكتابة وبغيرهما من وسائل الإبلاغ.
  • يُولى الأمثل فالأمثل، ولعذر يُولى المفضول.
  • تقديم غير الكفء خيانة لله ورسوله.
  • قضاء الضرورة جائز حيث لا يوجد مجتهد.
  • السلامة من الآفات أهيب لذوي الولايات.
  • يجتهد القاضي في طلب الحق وله الأجر في الحالين، إن أصاب وإن أخطأ.
  • إن حكم الحاكم لا يحيل الأمور عما هي عليه، أو إن حكم الحاكم لا يغير من حقائق الأمور.
  • على القاضي أن يقضي بكتاب الله ثم بسنة رسول الله ثم بما اتفق عليه الصالحون ثم بما يختار.
  • على القاضي أن يحكم باجتهاد نفسه وليس عليه أن يحكم باجتهاد غيره.
  • ليس للقاضي أن يعدل عن إجماع عصره إلى اجتهاد نفسه.
  • إنما يكون القضاء بعد السماع من الخصمين.
  • مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.
  • القضاء بالمجاهيل لا يصح ولا الشهادة عليها.
  • تدرأ الحدود بالشبهات.
  • إن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة.
  • إذا رفعت الحدود إلى الإمام فلا شفاعة ووجب الحد.
  • لا يُقبل حكم من متهم.
  • الاجتهاد لا ينقض بمثله.
  • المرء مؤاخذ بإقراره.
  • الإقرار حجة قاصرة.
  • لا إقرار مع شوائب الإرادة.
  • التهمة تقدح في التصرفات.
  • الإقرار في المحال باطل، أو الإقرار فيما يناقضه الشرع والعقل باطل.
  • الرجوع عن الإقرار في حقوق العباد لا يُقبل، وفي حق الله مما يسقط بالشبهة يُقبل وما لا فلا.
  • الأحوط التوثق من عدالة الشهود، ويتأكد ذلك في الحدود.
  • إنما تكون الشهادة على اليقين لا على الظن.
  • من لا تجوز شهادة القاضي له لا يجوز قضاؤه له.
  • تجوز الشهادة على الشهادة عند تعذر الأصل.
  • كل شهادة تضمنت جلب مغنم للشاهد أو دفع مغرم عنه تُرد.
  • الأمين يُصدق بيمينه في براءة ذمته.
  • لا يحلف أحد عن غيره.
  • تشرع اليمين في الحقوق لا الحدود.
  • لا تُقبل يمين المدعى عليه بعد نكوله وصدور الحكم.
  • البيّنة على المدعي، واليمين على من أنكر.
  • البيّنة مقدمة على اليمين وتُقبل بعده.
  • إذا تعارضت بيّنات يُعمل بها عند تساويها، وإلا يُعمل بالراجحة، وإلا تساقطتا.
  • يقضي القاضي بعلمه حال ولايته، وقضاؤه بعلمه قبلها فيه خلاف.
  • كتاب القاضي إلى مثله كالخطاب له في إثبات الحكم.
  • تقوم القرينة القاطعة والراجحة مقام البيّنة في إثبات الحقوق.
  • إنما تكون القرعة إذا تساوت المصالح والحقوق.
  • التوسعة على القضاة في الرزق ليكون لهم قوة وعليهم حجة.
  • هدايا العمال غلول، أو لا يقبل القاضي هدية خصم.
  • الرشوة في الحكم من السحت.

القواعد الفقهية في باب القضاء عند الشيعة

أهم القواعد الفقهية المطروحة في باب القضاء عند الشيعة هي:

  • إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.
  • ألزموهم بما ألزموا أنفسهم.
  • البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر.
  • كل شيء كان مشتبها بين الحلال والحرام يُحمل على الحلال.
  • الدين مقدم على الإرث.
  • الزعيم غارم.
  • الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم.
  • حمل فعل المسلم على الصحة.
  • عدم سماع الإنكار بعد الإقرار.
  • العقود تابعة للقصود.
  • على اليد ما أخذت حتى تؤديه.
  • المغرور يرجع على من غرّه.
  • لكل أمر مشكل قرعة.
  • لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.
  • الممنوع شرعًا كالممتنع عقلاً.
  • من ملك شيئًا ملك الإقرار به.
  • ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً.
  • وما جعل عليكم في الدين من حرج.
  • الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال.
  • لا يُنسب للساكت قول.
  • الحاكم ولي الممتنع.
  • الحاكم ولي من لا ولي له.
  • الغائب على حجة.
  • الكتاب كالخطاب.
  • الحق القديم لا يبطله شيء.
  • الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا وحرّم حلالاً.
  • الشرط جائز بين المسلمين إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرّم حلالاً.
  • لا تقية في الدماء.
  • عمد الصبي بمنزلة الخطأ.
  • الإسلام يجب ما قبله.
  • إقامة الحدود إلى من إليه الحكم.
  • الحدود تدرأ بالشبهات.
  • دم المسلم لا يذهب هدرًا.
  • الضرورات تُقدر بقدرها.
  • الضرورات تبيح المحظورات.
  • كل جنایة لا مقدر لها ففيها أرش.
  • كل عضو تقتص منه مع وجوده تؤخذ الدية مع فقده.
  • كل محرم اضطر إليه فهو حلال.
  • الإذن في الشيء إذن في لوازمه.
  • إن الظن لا يغني عن الحق شيئًا.
  • الممنوع شرعًا كالممتنع عقلاً.
  • الأصل دليل حيث لا دليل.
  • الاجتهاد لا ينقض بمثله.
  • إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
Source: External Source