محمد جواد أحمدخاني

الأصول العملية القضائية/16

حتى لو كان المراد من «الأصل» الأصول العقلائية (كأصل الصحة)، فإن الظاهر في مقام التعارض لا يزال مقدمًا على الأصل. وسبب هذا التقدم أن الأصول العقلائية قواعد وضعها العقلاء لتنظيم الأمور وتيسير العلاقات الاجتماعية، وذلك على أساس الغلبة والاحتمال.

إشارة: تعارض الأصل والظاهر -رغم ظاهره الواضح- له أبعاد خفية كثيرة، أولها تعريف هذين المفهومين. يقدم حجة الإسلام محمد جواد أحمدخاني -أستاذ المستويات العليا في الحوزة العلمية بقم- في هذه المذكرة الخاصة تحرير محل النزاع في هذا التعارض وأبعاده المتنوعة. ويمكن اعتبار هذه المذكرة مقدمة لهذا البحث.

يُعد بحث تعارض الأدلة من المباحث الأساسية في الفقه والأصول، وفهمه بدقة -خاصة في أبواب القضاء- له تأثير مباشر على استيفاء الحقوق وإقامة العدل. ومن أكثر مصاديق هذا التعارض شيوعًا المواجهة بين «الأصل» و«الظاهر». وأهمية هذا البحث تكمن في أن معيار تمييز «المدعي» عن «المنكر» -وبالتالي تحديد عبء إثبات الدعوى (البينة على المدعي)- غالبًا ما يستند إليه.

تبيين المراد من «الأصل» و«الظاهر»

المراد من الأصل في هذا المقام: القواعد والأصول التي حُجِّيتها عند الشرع أو العقلاء أمر ثابت ومسلَّم به. وهذه الأصول غالبًا ما تنظر إلى الحالة السابقة أو الوضع العدمي. ومن أبرز مصاديقها: الاستصحاب وأصالة البراءة. وبعض هذه الأصول العقلائية بلغت من المتانة مبلغًا جعل المشرِّع في الحقوق الوضعية يعترف بها كأمارة قانونية؛ كقاعدة اليد التي تجلت في المادة ٣٥ من القانون المدني الإيراني. وحجية هذه الأصول راسخة ومتفق عليها.

أما الظاهر أو ظاهر الحال، فيُطلق على الوضع الموضوعي الملموس الذي تنشأ عن القرائن والأوضاع والأحوال الخارجية ظنية قوية بأمر ما. وهذا المفهوم في الحقوق الوضعية يشبه جدًّا مؤسسة «الأمارة القضائية» التي أُشير إليها في المادة ١٣٢٤ من القانون المدني الإيراني، وتُرك تشخيصها لنظر القاضي. لكن ينبغي التنبيه إلى أن حجية «الظاهر» في الفقه ليست ذاتية بحد ذاتها وتحتاج إلى إحراز توقيع الشارع، بينما اعتبار الأمارة القضائية ينبع من إرادة المشرِّع.

موارد استعمال تقدم الظاهر على الأصل في فقه القضاء

في باب تقدم أحدهما على الآخر توجد آراء متعددة. بعض الفقهاء -كالإمام الخميني (ره)- يقدمون القول الموافق للأصل نظرًا لمتانة الأصول. لكن الرأي الآخر -الذي أكد عليه فقهاء كآية الله السيستاني (دام ظله)- يعطي لظاهر الحال في مقام تمييز المدعي من المنكر اعتبارًا خاصًّا. وعلى هذا الأساس يمكن ذكر عدة أمثلة:

  • الخلاف في وقوع الجماع: في دعوى الزوجين بعد الخلوة التامة وسنوات من الحياة المشتركة، قول الزوج بعدم الدخول موافق لاستصحاب عدم الدخول (أصل). لكن ظاهر الحال والعرف القطعي لحياة طويلة أمارة قوية على وقوع الجماع. فهنا يضع أنصار تقدم الظاهر الزوج -لأنه ادعى أمرًا خلاف الظاهر- في مقام المدعي الذي يجب عليه إثبات أمر استثنائي وغير معتاد.
  • الخلاف في ماهية المال المدفوع: إذا دفع الزوج مالًا لزوجته، فـ«الأصل» عدم التبرع وأن الدفع كان بسبب دين (مهر). لكن إذا دلت القرائن والأوضاع والأحوال (الأمارات القضائية) -كدفع مبلغ معين في ذكرى ميلاد الزوجة أو عيد- على أنه هبة، فهذا الظاهر يقدم على ذلك الأصل، والمرأة التي تدعي أنه هبة تُعدّ منكرة.
  • الخلاف على أثاث المنزل: بعد الانفصال، إذا اختلف الزوجان في ملكية أثاث المنزل، فأصل اليد يقتضي أن كل مال في تصرف أحدهما ملكه. لكن ظاهر الحال المنبثق من العرف يحكم بخلاف ذلك؛ فعرفًا الزينة وأدوات التجميل خاصة بالمرأة، والأدوات الفنية خاصة بالرجل. فهنا يقدم الظاهر العرفي على أصل اليد.
  • ادعاء الإعسار وعدم القدرة على سداد الدين: «الأصل» في حق كل مدين هو اليسر (أصالة اليسر). لكن إذا دل «ظاهر حال» الشخص -كحالة ملابسه ومسكنه وعمله- بوضوح على الفقر والعجز، فقد يقدم هذا الظاهر على ذلك الأصل ويضع عبء إثبات القدرة المالية على الدائن.

مع ذلك، يجب التأكيد أن مجرد وجود هذا النهج في الحقوق الوضعية لا ينشئ حجية شرعية له. فمن المنظور الفقهي، السؤال الأساسي: من أين ينشأ اعتبار «ظاهر الحال» أو «الأمارة القضائية»؟ مجرد تفويضه لنظر القاضي من قبل المشرِّع لا يكفي الفقيه، ويجب أن تستند حجيته إلى دليل معتبر حظي بتوقيع الشارع.

تقدم الظاهر على الأصل وشبهة «عرفنة الدين»

ينبغي التفريق بين مجال الأحكام ومجال تشخيص الموضوعات. فإعطاء الاعتبار لـ«ظاهر الحال» يقع في المجال الثاني، أي في مقام تشخيص موضوعي. بمعنى أننا في مقام القضاء نرجع إلى الظاهر لتمييز المدعي، وهذا لا يعني تغييرًا في الحكم الشرعي الثابت. ومع ذلك ينبغي التنبيه أن هذا التفريق -رغم صحته نظريًّا- يحتاج في مقام العمل إلى دقة شديدة حتى لا يؤدي توسع في تشخيص الموضوع عبر العرف إلى تساهل في تطبيق الحكم الشرعي وتغيير مضمونه.

علاقة «حجية ظاهر الحال» بـ«الظاهرية المذمومة»

أولًا ينبغي الإشارة إلى أن حجية واعتبار «ظاهر الحال» ليس اختراعًا من الشارع، بل يرجع إلى تقليد عقلائي عام. فالعقلاء في جميع المجتمعات مضطرون للاعتماد على الظواهر المعتبرة لإدارة شؤونهم اليومية وحل نزاعاتهم. ولو اشترط لإثبات ملكية كل سلعة علم قطعي وسلسلة الأيدي السابقة حتى المنتج الأول، لما تمت أي معاملة. وقد أمضى الشارع المقدس هذه الطريقة العقلائية كأداة فعالة وضرورية للنظام الحقوقي الإسلامي؛ فاعتبارها اعتبار إمضائي وليس تأسيسيًّا. والفقه الإسلامي مبني على أن الوصول إلى الواقع النفس الأمري في عالم الإثبات والقضاء ليس دائمًا ممكنًا، واكتفاء بالظن المعتبر العقلائي كافٍ لحفظ النظام ومنع إضاعة الحقوق. فالقاضي يثق بالـ«يد» والـ«تصرف» لا لأن لديه علمًا قطعيًّا بملكية المتسلم، بل لأن «اليد» أفضل وأوثق كاشف ظني للملكية. فهذا الظاهر حال طريق لتحديد واجب طرفي الدعوى، ولا علاقة له بالظاهرية المذمومة. والظاهرية المذمومة هي الحكم السطحي والمتسرع بناءً على ظاهر الأشخاص وتخمينات شخصية، وقد نهت الشريعة الإسلامية عنها بشدة في الأخلاق. وهذا النوع من القضاء لا يُتخذ أساسًا لتحديد الحق والتكليف الشرعي والقانوني.

تعارض الظاهر مع «الأصول العقلائية» (الأمارات القانونية)

حتى لو كان المراد من «الأصل» الأصول العقلائية (كأصل الصحة)، فإن الظاهر في مقام التعارض يبقى مقدمًا على الأصل.

والسبب في هذا التقدم أن الأصول العقلائية قواعد وضعها العقلاء لتنظيم الأمور وتيسير العلاقات الاجتماعية على أساس الغلبة والاحتمال. فمثلًا أصل الصحة يقول: افترض صحة أعمال الآخرين حتى يحفظ نظام المعاملات. لكنه افتراض يُعمل به عند عدم وجود دليل معارض.

أما الظاهر (كالتصرف أو الإقرار) فهو بنفسه أمارة وكاشف عن الواقع. فعندما يدل ظاهر أمر على شيء مخالف لأصل الصحة (مثل بيع شخص سلعة عليها علامات واضحة للسرقة)، يعتد العقلاء بهذا الظاهر ولا يتمسكون بذلك الأصل الكلي الافتراضي. بعبارة أخرى: «الظاهر» دليل خاص في موضوع معين، بينما «الأصل العقلائي» قاعدة عامة، والدليل الخاص يقدم على القاعدة العامة بموجب قاعدة «تقدم الخاص على العام».

وجود قاعدة تقدم الظاهر على الأصل في المذاهب الحقوقية الأخرى

يظهر التفريق بين الأصل والظاهر بوضوح في النظم الحقوقية العالمية.

فظاهر الحال في الفقه يعادل الأمارات القضائية في نظام السيفيل لاو، وقد تجلى في القانون المدني الفرنسي وتبعه في المادة ١٣٢٤ من القانون المدني الإيراني.

والأصول الفقهية المعتبرة -كقاعدة اليد وأصالة الصحة- تعادل «الأمارات القانونية» التي أُشير إليها في المادة ١٣٢٢ من القانون المدني الإيراني.

وهذا التشابه يدل على أن الرجوع إلى الظاهر أمر عقلائي ومنسجم مع مسار التقاضي المنطقي. ومع ذلك، لا ينبغي أن يغفلنا هذا عن أن حجية كل دليل في النظام الفقهي الإسلامي يجب أن تعود في النهاية إلى توقيع الشارع المقدس. فمجرد وجود أساليب مشابهة في نظم حقوقية أخرى وتقنينها لا ينشئ حجية شرعية، وإحراز رضا الشارع مبدأ ينبغي أن يُراعى بدقة في جميع مراحل الاستنباط.

Source: External Source