موقع معهد دراسات الفقه المعاصر الإعلامي: أقيمت ندوة علمية تحت عنوان «مرتكزات التقارب والآثار الحقوقية المترتبة عليها في القرآن الكريم»، وذلك في إطار الفعاليات التمهيدية للمؤتمر الخامس عشر لـ “النموذج الإسلامي الإيراني للرقي”. عُقدت هذه الندوة بالتعاون المشترك بين “مركز أبحاث الفقه والقانون الإسلامي” و”معهد دراسات الفقه المعاصر”، يوم الأربعاء ١٤ جمادى الآخرة ١٤٤٦ هـ (الموافق ١٧ دي)، في قاعة الاجتماعات بمقر معهد دراسات الفقه المعاصر بمدينة قم المقدسة.
شهدت الندوة مشاركة كل من آية الله عليدوست، رئيس مركز أبحاث الفقه والقانون الإسلامي، والدكتور سيد أبوالقاسم نقيبي، عضو هيئة التدريس والباحث في مجال الفقه والقانون الإسلامي. وافتتح الجلسة سكرتيرها العلمي، فضيلة الشيخ سيد عليرضا حسيني، بكلمة ترحيبية بالأساتذة والباحثين، موضحاً أهداف الندوة ضمن الخطاب العلمي للمؤتمر الخامس عشر للنموذج الإسلامي للرقي الذي يتمحور حول «التقارب والرقي».
العلاقة الجدلية بين التقارب والتقدم
في مستهل الجلسة، أشار الشيخ سيد عليرضا حسيني إلى أن محور المؤتمر الخامس عشر هو “التقارب والرقي”، مؤكداً: «ثمة علاقة ثنائية الاتجاه بين التقارب والرقي؛ فالتقارب الثقافي والاجتماعي يمهد الطريق للرقي، كما أن الرقي يؤدي بدوره إلى تعزيز التقارب الجماعي».
المرتكزات القرآنية للتقارب الإنساني والتوحيدي
من جانبه، شدد الدكتور سيد أبوالقاسم نقيبي، الأستاذ بجامعة الشهيد مطهري، على أصلين قرآنيين جوهريين لتحقيق التقارب على المستويين الإنساني والتوحيدي.
واعتبر أن المبدأ الأول والأوسع للتقارب في المنظومة القرآنية هو مفهوم “الخلقة المشتركة”، مستنداً إلى الآية الكريمة: «الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ». وأوضح أن التأكيد على الجوهر الإنساني المشترك والفطرة الإلهية يمثل جذر تشكل الهوية الجماعية، وهو مصدر الحقوق الأساسية للمواطنين كحق الحياة والكرامة الذاتية. هذا الرؤية توفر أساساً لحقوق مواطنة متساوية بغض النظر عن الدين أو العرق.
كما أشار الأستاذ بجامعة الشهيد مطهري إلى “كلمة التوحيد” كمرتكز للتقارب بين موحدي العالم، مستشهداً بالآية: «تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ». وبين أن هذه “الكلمة السواء” تلعب دوراً محورياً في توحيد الصفوف وخلق الانسجام بين أتباع الأديان الإلهية، وأن الكثير من الحقوق المعترف بها لأهل الكتاب تجد جذورها في قبول هذا المكون الفكري.
التضامن الإيماني: الأبعاد الحقوقية والاجتماعية
واصل الدكتور نقيبي مباحثه حول التقارب في القرآن، مصنفاً عنصر التضامن بين المسلمين تحت عنوان “الإيمان الإسلامي”. وأكد: «استخدم القرآن الكريم لوصف هذا التضامن الإيماني مفردات تأسيسية، لكل منها ثقل دلالي خاص في المجالين الاجتماعي والحقوقي».
وذكر أن القرآن يفسر هذا الرابط عبر مصطلحات مثل «الأخوة» (بناءً على «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ»)، و**«الرحمة»** (بناءً على «رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ»)، و**«الولاية»** («بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ»). كما اعتبر مفاهيم «الألفة» و«المعية» دلالات على عمق هذا الرابط الداخلي.
وحلل هذه المنظومة من مكونات التقارب في إطار «سبيل المؤمنين» المعترف به قرآنياً، موضحاً أن هذا النمط من الحياة الإيمانية يحمل معه التزامات حقوقية إلى جانب الواجبات الأخلاقية كالإيثار والتعاون، مما يشكل ركيزة النظام القانوني الإسلامي القائم على تضامن المؤمنين.
التقارب الترابي (الوطني): الركن الثالث
تطرق الدكتور نقيبي إلى أهمية “التقارب الترابي أو الوطني” كركن أساسي ثالث، مقدماً الأدلة القرآنية على هذا الانتماء الإنساني العميق للوطن.
وأكد أن القرآن الكريم يعترف بنوع من “الانتماء المالك الطبيعي” للأرض التي ولد وعاش فيها الإنسان. واستدل من خلال استخدام الإضافة الملكية في الآيات، معتبراً هذا الانتماء أمراً مسلماً به في الوحي، كقوله تعالى: «وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ»، حيث تدل عبارة «قريتك» على علاقة اختصاصية ونوع من الملكية المشاعة للأرض.
وأضاف أن أهمية هذا الانتماء بلغت حداً جعل معه القرآن الكريم الإخراج بغير حق من الديار سبباً للإذن بالدفاع المشروع والقتال: «الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ». وختم بالإشارة إلى حديث «حب الوطن من الإيمان» وقول الإمام علي (ع): «عُمِرت البلدان بحب الأوطان»، مستنتجاً أن هذا الانتماء هو المصدر الرئيسي لرقي وتنمية المجتمعات.
نقد وتقييم: نحو فقه منظوماتي منضبط
وفي جانب آخر من الندوة، قدم آية الله أبوالقاسم عليدوست، أستاذ البحث الخارج في حوزة قم العلمية، نقداً للمطالب المطروحة، مؤكداً أن الدخول في بحث الآثار الحقوقية والأحكام الشرعية يتطلب دقة عالية؛ إذ يجب أن يستند الاستنباط الحقوقي إلى “ظهور النقل” أو “قطع العقل”، ولا يمكن بناء نتائج حقوقية على ادعاءات كلية.
وتساءل آية الله عليدوست: «إذا كان الاشتراك في معتقد التوحيد هو مبنى التقارب بين أتباع الأديان، فهل يمكن اعتبار هذا المعتقد وحده مستنداً لإثبات حقوق المواطنة والأحوال الشخصية في المجتمع الإسلامي؟». وشدد على ضرورة العمل ضمن إطار “الفقه المنضبط” و**”فقه النظام”** عند الوصول إلى النتائج الحقوقية.
كما أشار إلى غموض الاستدلال بآيات مثل “ديارهم” لتعريف حقوق المواطنة بناءً على أرض الميلاد، مبيناً أن هذا التوجه قد يتعارض مع الأطر الفقهية التقليدية لـ (دار الإسلام ودار الكفر)، وأن إضفاء آثار حقوقية (مثل الأنفال أو الجنسية) بناءً على الحدود الجغرافية يتطلب تبييناً أدق للملازمة النقلية أو العقلية.
وفي الختام، شدد آية الله عليدوست على أن ترتيب الحقوق الأساسية للتقارب (كالكرامة والحياة والمساواة) يحتاج إلى “برهان” يوضح المنطق الحاكم على هذا الفهرست وسبب حصرها بهذا الترتيب.
انتهت الندوة بفقرة للإجابة على الأسئلة، حيث ناقش الحاضرون مع المحاضرين آفاق “فقه التقارب” والنسبة بين الفقه والقانون والمرتكزات القرآنية، مما يمهد لبحوث أعمق في هذا المجال.

