تجنب «الحيرة في التشخيص»؛ مفتاح آية الله نور مفيدي للعبور من زمن الغيبة
وفقاً لتقرير الموقع الإعلامي لمعهد دراسات الفقه المعاصر: تبييناً لمكانة إمام الزمان (عج)، وثقافة الانتظار، ومخاطر عصر الغيبة، ألقى آية الله السيد مجتبى نور مفيدي، أستاذ البحث الخارج في حوزة قم العلمية ورئيس معهد دراسات الفقه المعاصر، كلمةً أمام جمع من طلاب وفضلاء الحوزة المتميزين بمناسبة ذكرى منتصف شعبان (١٤٤٥هـ).
أعرب سماحته في مستهل حديثه عن أمله في أن تظل مجالس ذكر أهل البيت (عليهم السلام)، ونشر معارفهم، ولا سيما الالتفات إلى الوجود المقدس لحضرة بقية الله الأعظم (عج)، على رأس قائمة الأنشطة الدينية والعلمية كافة في دوران الغيبة.
وأشار آية الله نور مفيدي إلى فضيلة ليلة منتصف شعبان، معتبراً إياها من أفضل الليالي بعد ليلة القدر، وقال: «لقد ورد في الروايات أنه لا يُردُّ في ليلة منتصف شعبان سائل؛ لذا يجب علينا في هذه الليلة الدعاء لرفع مشكلات الأمة الإسلامية، وهموم الناس، ودفع تهديدات الأعداء، وفي رأس هذه المطالب، نسأل الله رضا وعناية ولي العصر (عج)؛ لأن أصل التوفيق والهداية رهين بالارتباط الحقيقي بذلك الوجود المقدس».
«الحيرة»؛ السمة البارزة لعصر الغيبة
وصف رئيس معهد دراسات الفقه المعاصر السمة البارزة لعصر الغيبة بـ “الحيرة”، وأضاف: «في روايات أهل البيت (ع)، من النبي الأكرم (ص) وحتى الإمام الحسن العسكري (ع)، جرى التحذير مراراً من أن دوران الغيبة هو عصر الارتباك والحيرة؛ العصر الذي لا يبقى فيه على طريق الحق إلا من شمله الحفظ الإلهي».
وشدد سماحته على أن هذه الحيرة لا تقتصر على المستوى العام للمجتمع، صرح قائلاً: «إن بعض أخطر الانزلاقات هي “حيرة الخواص”؛ فإذا زلّ الذين يعتبرون أنفسهم جنوداً لإمام الزمان (عج) في تشخيص الأولويات، فإن هذا الزلل سيكون باهظ الثمن عليهم وعلى المجتمع على حد سواء».
وفي جانب هام من حديثه، استند أستاذ البحث الخارج إلى الرواية النبوية التي تشير إلى تشابه مصير الأمة الإسلامية مع بني إسرائيل، حيث قال رسول الله (ص): «ليكونن في أمتي ما كان في بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل».
النموذج التاريخي: غيبة موسى (ع) ودرس الحيرة
وأكد آية الله نور مفيدي أن هذا التشابه له أبعاد شتى، مضيفاً: «من أهم أوجه هذا التشابه قضية الغيبة وظاهرة الحيرة. فكما تعرّض بنو إسرائيل للارتباك في غيبة موسى (ع) حين زادت العشرة أيام على الموعد الأول لعدم استعدادهم، فإن الأمة الإسلامية تواجه في عصر الغيبة اختبارات كبرى مماثلة».
وأشار إلى واقعة ذهاب النبي موسى (ع) إلى جبل الطور لتلقي ألواح التوراة، موضحاً: «إن غياب موسى (ع) لتلك الأيام العشرة، والتي لم يكن قومه مستعدين لها، مهد الأرضية لحيرتهم وتيههم؛ فانجر الناس أفواجاً نحو الانحراف؛ فالحيرة هي البيئة الأمثل للضلال واستغلال المتربصين».
كما نوه سماحته بموقف “الحسن البصري” في التاريخ الإسلامي، محذراً: «اليوم أيضاً، فإن كل خطاب جذاب ومخادع يخلط الحق بالباطل هو أكبر قاطع طريق لإيمان الشعوب».
نقد «النزعة اللقائية» وتشخيص أولويات الحوزة
اعتبر رئيس معهد دراسات الفقه المعاصر أن التبيين الدقيق لثقافة الانتظار والمهدوية هو الرسالة الأهم للحوزة، ووصف “النزعة اللقائية” (المطالبة بالرؤية واللقاء) بأنها أحد الآفات الجدية في عصر الغيبة، مؤكداً: «لم نؤمر في أي رواية بتتبع لقاء إمام الزمان (عج) في عصر الغيبة؛ وتحويل هذا الموضوع إلى أصل عقدي يمهد الطريق للادعاءات الكاذبة والمنحرفة؛ لذا صرحت الروايات بتكذيب من يدعي المشاهدة. إن فتح هذا الباب أدى إلى خداع البعض وحتى زلل عدد من طلاب العلم».
واعتبر آية الله نور مفیدی أن التشكيك في جدوى تحصيل العلوم الدينية هو من العلامات الهامة لـ “حيرة الخواص”، قائلاً: «أن يقول الطالب: “ما الفائدة من دراستي؟”، فهذا بحد ذاته مصداق للحيرة الخاصة بعصر الغيبة». وأضاف: «الزلل ليس فقط في الوقوع في الذنوب الظاهرة؛ بل زلل الكثير من الطلاب يكمن في هذه التفاصيل الدقيقة وفقدان الأولويات. يجب أن يتم تشخيص الأولويات بناءً على مصلحة الإسلام والمسلمين».
العجز عن “معرفة الذات الدينية” وضرورة “معرفة العدو”
وفي بيان صريح، اعتبر سماحته أن أحد أعمق مصاديق “حيرة الخواص” هو العجز عن معرفة الذات دينياً، وقال: «بعضنا لم يعرف مكانته في نظام الوجود، ولم يفهم الدين بشكل صحيح، ولم يدرك أهمية التخصص في الدين، ولا يلتفت لاحتياجات الناس الواقعية، ولا يفكر في مآل مسير الحياة؛ هذه الحالة هي نوع من الحيرة التي أصابت بعضنا في عصر الغيبة».
وشدد على أن هذه الغفلات ليست فردية فحسب، بل: «عندما لا يُعرف الدين بشكل صحيح ولا تُبين نسبته مع الحياة والمجتمع واحتياجات الناس، فإن الأنشطة الدينية الظاهرية قد تبتعد عن هدفها الأصلي وتؤدي إلى انزلاقات خفية».
وأشار رئيس معهد دراسات الفقه المعاصر إلى سيرة الشهيد مرتضى مطهري، قائلاً: «الشهيد مطهري، رغم مكانته العلمية الرفيعة، رأى أن الدخول في الساحة الاجتماعية والفكرية واجبه، وواجه الانحرافات بعلم وصبر وسعة صدر؛ وهو المسار الذي أدى إلى أثر خالد وانتهى بشهادته».
كما أكد على أهمية “معرفة العدو” (دشمنشناسی)، مصرحاً: «معرفة العدو ليست أمراً هزيلاً؛ إن التبسيط في النظر إلى العدو والغفلة عن مؤامراته هو أحد المصاديق المهمة للحيرة في عصر الغيبة، ويهيئ الأرضية لاستغلال الأعداء. لا يمكن لطالب العلم أن يقول: “أنا أدرس فقط ولا شأن لي بقضايا المجتمع واحتياجات الناس”».
وفي الختام، اعتبر آية الله نور مفيدي أن نوع علاقة علماء الدين بالناس أمر بالغ الأهمية، قائلاً: «يجب أن تكون نسبتنا إلى الناس نسبة الأب إلى الابن، لا نسبة الاصطفاف والإقصاء. الناس بكافة مستويات تدينهم هم الأبناء المعنويون لعلماء الدين، ويجب أن يكون التعامل مع الأخطاء مشفقاً ونابعاً من الحرص والمحبة».
وأعرب عن أمله في أنه من خلال المعرفة الصحيحة للواجبات وتحديد الأولويات بدقة، يبتعد المجتمع الديني عن الحيرة ويشمله العناق الخاص لحضرة ولي العصر (عج).

