الدكتور علي شريفي، في حوار خاص مع "فقه المعاصر":

الأصول العملية القضائية/19

أصول الفقه لدينا أخروية المحور، أي أنها تسعى فقط لتأمين العذر للمكلفين يوم القيامة؛ بينما أصول الفقه عند أهل السنة دنيوية المحور، ولذا تواجه اعتراضات أقل من جانب المكلفين والعرف.

إشارة: سماحة حجة الإسلام والمسلمين الدكتور علي شريفي، من مواليد ۱۳٥٣ هـ ش (عام ١٣٥٤ هـ ق) في باميان بأفغانستان، إضافة إلى سنوات حضوره في دروس الخارج في الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم، حصل على الدكتوراه في الفقه والقانون الجزائي من جامعة المصطفى (صلى الله عليه وآله). إن تأليف الكتب والمقالات المتنوعة في مجال الفقه والقانون الجزائي، إلى جانب سنوات من التدريس في الحوزة والجامعات المختلفة، والتعايش الطويل مع أهل السنة، جعله أحد الأساتذة والباحثين المطّلعين على فقه وقانون الجزاء عند أهل السنة. هو في حوار خاص مع “فقه المعاصر”، تحدث عن مكانة الأصول العملية في فقه أهل السنة. وهو يرى أنه خلافاً للفقه الشيعي، فإن جريان الأصول العملية في فقه أهل السنة هو جريان استثنائي ونادر، ولذلك أسبابه الأصولية بطبيعة الحال. فيما يلي النص الكامل للحوار الخاص الذي أجراه “فقه المعاصر” مع أمين سر مجموعة فقه القضاء والجزاء في معهد الدراسات للفقه المعاصر:

فقه المعاصر: هل الأصول العملية القضائية لدى أهل السنة هي عين الأصول العملية القضائية الشيعية أم أنها تختلف عنها؟ وهل في فقه القضاء عند أهل السنة أيضاً تُستعمل الأصول العملية بكثرة وبشكل موسع كما هو الحال عند الشيعة؟

شريفي: عندما نتحدث عن الأصول العملية، فإننا في الواقع نتحدث عن أصول تُعد أحد طرق الاجتهاد والاستنباط، وهي دليل على الحكم الشرعي. غير أن هذه الدليليّة إنما هي من باب المسامحة؛ لأن هذه الأصول هي أدلة فقاهتية لا أدلة اجتهادية.

أما في علم القانون، فلا يوجد شيء اسمه الأصل العملي، وعلم القانون لا يقبل بمثل هذا المفهوم. بعبارة أخرى، ليس للأصول العملية في علم القانون معنى ومفهوم محصَّل. صحيح أننا في علم القانون نحتاج إلى الأصول والمباني؛ لأن عمل القانوني هو التفكير والتأمل في القوانين التي يمكن بها إدارة المجتمع، وكل قانون نضعه يجب أن يستند إلى مجموعة من المباني والأصول، وهذه المباني والأصول هي التي تجيب عن علة وجود القوانين. فمثلاً، حين نقول إن يد السارق يجب قطعها، فإن الإجابة عن علة ذلك تستند إلى مجموعة من الأصول والقواعد. ولكن هذه الأصول والضوابط، ليست هي الأصول العملية قطعاً، بل تختلف عنها. وعليه، إذا كان المراد من السؤال هو مكانة الأصول العملية في فقه أهل السنة، فالإجابة بالنفي.

أما فيما يتعلق بجريان الأصول العملية في فقه أهل السنة، ولا سيما فقههم القضائي، فالإجابة هي: نعم، أهل السنة أيضاً لديهم أصول عملية كالاستصحاب والبراءة، ويستخدمونها في الموارد المختلفة؛ وإن كانوا يختلفون مع الفقه الشيعي في التعبير عنها وفي نطاق جريان هذه القواعد. لكن هناك فرقاً عاماً ومهماً بين جريان الأصول العملية في الفقه الشيعي وجريانها في فقه أهل السنة، وهو أن جريان الأصول العملية في فقه أهل السنة يتسم بحالة استثنائية، ويحدث نادراً وبشكل محدود للغاية؛ بخلاف الفقه الشيعي الذي اتخذ هذا الجريان فيه صفة القاعدة تقريباً. ويعود سبب هذا الاختلاف إلى أن أدوات استنباط الحكم في الفقه الشيعي تنحصر في الكتاب والسنة والعقل والإجماع، ولذا توجد موارد كثيرة لا يوجد فيها الحكم بين هذه المصادر، ولا بد للكشف عنه من الرجوع إلى الأصول العملية. بينما في فقه أهل السنة، لا تنحصر هذه الأدلة في هذه الأدلة الأربعة، بل تضاف إليها أدلة أخرى كالقياس والاستحسان وسد الذرائع والمصالح المرسلة وعمل الصحابي؛ وعليه، فعادةً ما يوجد الحكم الشرعي في أحد هذه الأدلة، وقليلاً ما توجد موارد تستدعي للكشف عن الحكم الشرعي الرجوع إلى الأصول العملية.

أما النقطة الأخرى التي ينبغي الالتفات إليها، فهي أن المراد من الأصول العملية في الأبواب الفقهية غير باب القضاء يختلف عن المراد منها في باب القضاء. الأصول العملية التي يُتحدث عنها في سائر الأبواب تُستخدم غالباً في الأحكام، في حين أن الأصول العملية المستخدمة في فقه القضاء تُوظف غالباً بصفة موضوع شناسی (تشخيص موضوع الحكم). أساساً، معنى الأصول العملية القضائية هو موارد نعلم حكمها ولكننا نشك في تحقق موضوعها. فمثلاً، فيما يخص قاعدة الدرء، محل جريانها هو حيث يكون حكم المسألة معلوماً ولكننا نشك في أن هذا الشخص هل هو مصداق لموضوع هذا الحكم أم لا. هنا تقول قاعدة الدرء: ما دام لم نتيقن بمصداقية الفرد لهذا الموضوع، فلا يحق لنا معاقبته.

فقه المعاصر: هل أدّت الأصول العملية الشيعية إلى مزيد من الفاعلية للفقه الشيعي مقابل فقه أهل السنة، أم أن الفرق بينهما يكمن فقط في الجانب الأخروي ووجود العذر أو عدمه لدى الله تعالى؟

شريفي: إذا كان المراد من الفاعلية هو تعيين تكليف المجتهد والمكلف في مقام العمل، فنعم، إن وجود أداة تسمى الأصول العملية هو أمر بالغ الفاعلية للمجتهد؛ لأن أهل السنة إما لا يملكون بعض هذه الأصول، أو أنهم حيثما يملكونها في بعض الموارد فإنهم يعملون بها بشكل محدود جداً. بفضل الأصول العملية، ليس لدينا في الفقه الشيعي أية واقعة لا نعرف حكمها؛ لأننا إن عجزنا عن تشخيص حكمها بالامارات، نلجأ إلى الأصول العملية، ومن هذا الطريق نتوصل إلى حكمها. إذا كان المقصود بالفاعلية هذا، فنعم، الأصول العملية الشيعية فاعلة جداً.

أما إذا كان المراد من الفاعلية هو أنها تجعل الفقه أكثر ديناميكية وأكثر قدرة على الإجابة، وتزيد من انطباقه مع متغيرات الزمان، فالإجابة هي: كلا، لم تساعد الأصول العملية الفقه الشيعي في هذا المجال، بل هي تُعد من أسباب تخلف الفقه الشيعي عن مواكبة متغيرات الزمان أيضاً؛ وذلك لأن التمسك بهذه الأصول لا يحدد إلا وظيفة المكلف، ولكنه لا يمكنه أن يجيب عن تساؤلاته. وبخاصة في مورد بعض الأصول العملية غير العقلائية وغير العرفية، كالاستصحاب القهقري واستصحاب العدم الأزلي، يزداد هذا التخلف أكثر. في هذه الموارد، يمكن القول إن فاعلية الأدوات الاستنباطية عند أهل السنة هي أفضل وأكثر من فاعلية الأدوات الاستنباطية عند الشيعة.

فقه المعاصر: ما هي أهم التحديات التي تواجه تطبيق الأصول العملية في فقه القضاء عند أهل السنة؟ وما الذي قاموا به لحل هذه التحديات؟

شريفي: في فقهنا، نواجه مجموعة من الأحكام التي هي في الحقيقة ليست أحكاماً واقعية، بل هي أحكام ظاهرية، ولا تزيد على كونها معذِّرة من الواقع. هذا الأمر يسبب الكثير من التحديات أمام الفقه الشيعي من حيث القبول العرفي للأحكام. بينما في فقه أهل السنة، حيث توجد طرق عديدة للكشف عن الحكم الواقعي، فإن هذه التحديات أقل بكثير.

كذلك، إن أصول الفقه لدينا أخروية المحور، أي أنها تسعى فقط لتأمين العذر للمكلفين يوم القيامة؛ بينما أصول الفقه عند أهل السنة دنيوية المحور، ولذا تواجه اعتراضات أقل من جانب المكلفين والعرف.

Source: External Source