حجة الإسلام والمسلمین الدكتور بارسانيان: التقنین أمر جماعي ویحتاج إلى إعادة نظر في المنهج الفقهي

حجة الإسلام والمسلمین الدكتور بارسانيان: التقنین أمر جماعي ویحتاج إلى إعادة نظر في المنهج الفقهي

شدد حجة الإسلام والمسلمین الدکتور حمید بارسانیا، عضو المجلس الأعلى للثورة الثقافیة، خلال مشارکته في الندوة العلمیة الخامسة والسبعین من سلسلة "أیام الأحد: مناقشة المنهج" والتي حملت عنوان "منهج وعملیة حکمرانی فقه التقنین"، على ضرورة التحدید الدقیق لمفهوم التقنین قبل الشروع في إدخال الفقه إلى میدان التشریع.
وتناول الدکتور بارسانیا في کلمته جملة من القضایا النظریة والتطبیقیة حول التقنین في النظام الإسلامي، شملت: ماهیة التقنین، والفروق بین فقه الفتوى وفقه التقنین، ودور المرجعية العامة في التشریع، وضرورة مراعاة الظروف الاجتماعیة والطاقات التنفیذیة.

یُذکر أن هذه الندوة تُعد الخامسة عشرة ضمن سلسلة ندوات “منهجیة حکمرانی التقنین وفقاً للموازین الإسلامیة”، وقد نظمها معهد الدراسات الفقهیة المعاصرة بدعم من میز “تطویر وتمکین العلوم الإسلامیة” التابع لمکتب التبلیغ الإسلامي، وبالتعاون مع “مجموعة الفقه والحقوق في مرکز البحوث الإسلامیة بمجلس الشورى”.

وأوضح الدکتور بارسانیا في معرض طرحه إشکالیة وظائف الفقه في حقل التشریع قائلًا: “المسألة الأساسیة هي: ما الأحکام الفقهیة للمشرِّع؟ کیف یتم التشریع؟ وما واجبات المشرِّع؟ هذا المیدان هو میدان الفقه وعمل الفقیه، ومنهجه هو المنهج الفقهي القائم على الفقه الجواهريّ والفقه الحیّ”.

وبیّن أن التقنین بمفهومه المعاصر یتصل بمیدان التنفیذ والحیاة الجمعیة، مشیرًا إلى أن القانون في صیاغته الکلیة مقترن بالزمان والمکان والظروف العینیة للمجتمع، ولا یمکن تصوره بمعزل عن الأمر الجزئي. وأکد في هذا الصدد: “إن الفعل البشري في الزمان والمكان ناظر حتماً إلى الأمر الجزئي، والقانون تبعاً لهذا الاعتبار یظل دائمًا مضافاً إلى الموضوعات العینیة والجزئیة؛ وهذه سمة جوهریة من سمات القانون”.

وقام عضو المجلس الأعلى للثورة الثقافیة بالتفریق بین الأحکام الکلیة الفقهیة وتطبیقاتها التنفیذیة، مؤکدًا أن وظیفة الفقیه في معناه الاصطلاحي هي تشخیص القواعد والأحکام الکلیة، لا تحدید المصادیق الجزئیة؛ وهو أمر تتضاعف تعقیداته في مجال التقنین الاجتماعي بحکم طبیعته الجمعیة.

وانتقد الدکتور بارسانیا النماذج التشریعیة الحدیثة التي تسیر من الجزئي إلى الکلي، محذرًا من أن تبني هذه النظرة یؤدي إلى تهمیش الفقه بوصفه علمًا، وقال: “إذا نُظمت عملیة التشریع انطلاقاً من الجزئي إلى الکلي، فلا مجال یبقى للفقه ولا للعقل؛ حینها ینحدر الفقه من علم ینظر في الصدق والکذب إلى مجرد اتجاه شخصي”.

وأکد على الفارق الجوهري بین الحیاة الفردیة والحیاة الجمعیة، مشیرًا إلى أن التقنین یقترن دائمًا بالإلزام العام، الأمر الذي یبرز ضرورة المراجعة النظریة للمنهج الفقهي في حکمرانی التقنین.

وتابع الدکتور بارسانیا حدیثه بالتمییز بین القرارات الفردیة والالتزامات الاجتماعیة، مؤکدًا أن التقنین في جوهره ذو هویة جمعیة ویستهدف تحدید تکلیف للمجتمع بأسره. وضرب أمثلة من الحقول الإداریة والأمنیة والحکمرانیة، منبهًا إلى أن التشریع على المستوى الاجتماعي یتعدى مجرد تنظیم السلوک الفردي لیستلزم تفعیل المرجعية العامة في مقام التنفیذ.

وتناول الدکتور بارسانیا مفهوم “الحکم” في الفکر الإسلامي، موضحًا أنه في المنطق الفقهي والمعرفي للإسلام، لا یعني الحکم جعل الإرادة الشخصیة، بل هو کشف عن الحکم الإلهي وإظهار له. وأکد أن العقل یدرک الحکم والنقل یظهره، في حین أن الإرادة الإنسانیة في مقام التطبيق لا تکتسب معناها إلا في إطار الحقیقة والحکم الإلهي.

وبین عضو المجلس الأعلى للثورة الثقافیة الفرق بین فقه الفتوى وفقه التقنین، موضحًا أن فقه التقنین لا ینصب على الأحکام الکلیة، بل یتناول المرحلة التي یتعین فیها الحکم الکلي تنفیذیًا في ظل الزمان والمکان والظروف الاجتماعیة. ومن هنا، فإن الاستفهام الأول في عملیة التقنین هو: من یمتلك الحق في تحدید تکلیف الآخرین على المستوى الجمعي؟ ولمن تؤول مرجعیة اتخاذ القرار الاجتماعي؟

وأکد أن تشخیص الموضوعات في مجال التقنین لیس حکرًا على الفقه وحده، بل یشارک فیه مجموعة من العلوم والاختصاصات. ومع ذلک، یضطلع الفقه بدور محوري في تحدید المرجعية والضوابط وحدود اتخاذ القرار. ووفق رؤیته، یجب أن یجمع المشرِّع بین العلم بالأحکام الکلیة والمعرفة الدقیقة بالظروف الاجتماعیة ومواطن التزاحم والطاقات التنفیذیة.

وأشار الدکتور بارسانیا إلى التجربة التاریخیة للتشیع، لا سیما في عهد المشروطة، مذکّرًا بأن الفقه الشیعي بحکم ابتعاده التاریخي عن ساحة الحکم لم تتح له فرصة کافیة لتطویر مباحث التقنین، ومع ذلک فهو یمتلك الطاقة النظریة اللازمة لصیاغة التشریع العادل القائم على الحقیقة. واستنادًا إلى آراء المیرزا النائیني، أوضح أنه حتى في حالة غیاب الحاکم المشروع، یمکن إلزام الحاکم القائم بمراعاة العدالة وحفظ الأمن والالتزام بالضوابط الشرعیة.

وفي جزء آخر من کلمته، شدد الأستاذ الحوزوي والجامعي على ضرورة التمییز بین “الوضع المطلوب” و”الوضع القائم”، موضحًا أن الفقه یقدم الصورة المثلى للقانون والحکمراني، لکن تحقیق هذه الصورة على أرض الواقع یستدعي الالتفات إلى الطاقات والإمکانات الاجتماعیة ومواکبة الناس. وأکد أن القابلية الاجتماعیة شرط لتنفیذ القانون، لا مصدر لمرجعيته.

واختتم الدکتور بارسانیا کلمته بالتأکید على أن عملیة التقنین عملیة ترکیبیة تساهم فیها عناصر متعددة: الفقه، والتشریعات السابقة، والاعتبارات التنفیذیة، وتشخیص المصلحة في المیدان التطبیقي. وأشار في هذا السیاق إلى الهیکل التقنیني في الجمهوریة الإسلامیة، معتبرًا أن وجود مؤسسات کمجلس صیانة الدستور ومجمع تشخیص مصلحة النظام إنما یأتي استجابة لهذا التعقید، وشدد على أن حکمرانی التقنین لا یمکن أن تتحقق دون المزج بین المعرفة الفقهیة والاختصاصات الموضوعاتیة وفهم الحقائق الاجتماعیة.

Source: External Source