وفقاً لموقع وكالة الأنباء التابع لمعهد دراسات الفقه المعاصر، أُقيمت الحلقة السابعة والسبعون من «أیام الأحد: مناقشة المنهج» بعنوان «تأثير القرآن الكريم في منهج إنتاج النماذج والأنماط الإسلامية». وجاءت هذه الحلقة بهدف استكشاف إمكانية التحوّل من القراءات التفسيرية البحتة إلى استخراج أنماط ونماذج تطبيقية تخدم المجتمع والحضارة المعاصرة.
قدّم الدكتور مجتبى رستميكيا – الباحث في مجال الصناعات الإبداعية – عرضاً متعدد التخصصات أظهر فيه أن القرآن الكريم يمكن أن يتجاوز دوره كمصدر للأحكام والعقائد، ليصبح مصدراً لإنتاج الأنماط والنماذج المؤسسية في الميادين الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وشدّد على النظرة الفعلية إلى النص القرآني قائلاً: «إن القرآن الكريم لا يُفهم بوصفه قولاً فحسب، بل بوصفه تمثيلاً للفعل»، وهذا المنظور يتيح استخراج أنماط عملية من النص.
واعتمد الدكتور رستميكيا في آنٍ واحد على الدلالة الإدراكية، ونظرية أفعال الكلام، والدراسات الثقافية، والاستشراف النقدي، وإدارة المعرفة، ليقدّم نموذجاً خماسي المراحل للنمذجة القرآنية. ويبدأ هذا الإجراء – بحسبه – من تحليل الشبكة المفاهيمية للمفاهيم الرئيسية في القرآن، ثم يتقدم باستخراج الخريطة الإدراكية والاستعارات المفاهيمية، ويبلغ ذروته في استخلاص المبادئ الناظمة، ونمذجة المؤسسات، والتحقق الاجتماعي. واعتبر أن مستقبل دراسات القرآن محكوم بالتوجه نحو المناهج متعددة التخصصات، مؤكداً: «أعتقد أن مستقبل دراسات القرآن الكريم سيكون مستقبلاً متعدد التخصصات».
ومن الجوانب المبتكرة في هذا العرض، استخدام النماذج اللغوية الكبيرة وأدوات الذكاء الاصطناعي للتحقق من صحة الشبكات المفاهيمية القرآنية؛ وهو منهج – حسب قوله – يعزز دقة تحليل المفاهيم والعلاقات الدلالية بين الآيات، ويفتح الباب أمام اختبار النماذج المستخرجة.
وفي الجزء الثاني من الحلقة، قدّم حجة الإسلام والمسلمين الدكتور عليرضا قائمينيا – عضو الهيئة العلمية في معهد الثقافة والفكر الإسلامي – نقداً علمياً للمشروع. وأثنى على المنهج المتمحور حول المشكلة، معتبراً إياه جهداً لتضييق الفجوة بين القرآن والمجتمع، وقال: «تعاني الدراسات الإسلامية اليوم نوعاً من التجريد، وقد ابتعدت عن الوقائع الموضوعية للمجتمع».
وأكد على ضرورة الانتقال من الدلالة المجردة إلى التحقيق الاجتماعي للتعاليم القرآنية، مشيراً: «عصرنة فهم القرآن لا تعني فرض النظريات الحديثة عليه؛ فالقرآن له كلام جديد بنفسه، ويريد تغيير ثقافة وحضارة البشرية». وفي الوقت ذاته، اعتبر توظيف المعارف الحديثة إلى جانب الدراسات التقليدية شرطاً أساسياً لبناء الحضارة الدينية، محذراً من أن الاعتماد الحصري على المناهج الكلاسيكية لن يفي بتعقيدات المجتمع المعاصر.
ورغم تأييده للفكرة العامة للنمذجة القرآنية، أشار إلى بعض الغموض في كيفية دمج المناهج، مؤكداً على الدور المركزي للدراسات الثقافية. وأوضح أن الدراسات الثقافية ينبغي ألا تقتصر على المرحلة النهائية، بل أن تكون حاضرة بنشاط منذ البداية في عملية استخراج الأنماط والنماذج؛ لأن الهدف الأساس للقرآن هو تغيير الثقافة وتنظيم الحياة الجماعية للإنسان.
وفي الختام، أكدت هذه الحلقة العلمية أن موضوع «النمذجة والأنماط القرآنية» قد أصبح أحد المحاور الرئيسية والمثيرة للجدل في الدراسات الإسلامية المعاصرة؛ محور يجمع بين الابتكار المنهجي واستيعاب العلوم الحديثة من جهة، وبين النقد الجذري لعلاقته بالواقع الاجتماعي والثقافي وإمكانية التحقق الحضاري من جهة أخرى.

