إشارة: حجة الإسلام والمسلمين الدكتور سید باقر محمدی، خريج دروس الخارج في الفقه والأصول بالحوزة العلمية بقم، وحاصل على درجة الدكتوراه في الفقه الجزائي من جامعة المصطفى العالمية. وهو منذ سنوات طويلة يدرّس ويؤلف في مجال الفقه والحقوق الجزائية. يعرض في هذه المذكرة الخاصة أبعاد جريان الاستصحاب في الفقه الجزائي. مؤلف كتاب «الدراسة الفقهية للموانع والمؤسسات البديلة عن إقامة الحدود في عصر الغيبة»، يرى أن الأصل عدم جريان الاستصحاب في الأمور الجزائية، وبالتالي ينبغي أن يكون جريانه مضیقاً واستثنائياً ودائماً في صالح المتهم. وفيما يلي تفصيل هذه المذكرة الخاصة:
عدم جريان الاستصحاب في الأمور الجزائية
الاستصحاب ليس دليلاً يقينياً، بل دليل ظني، وهذا يشكل تحدياً كبيراً في الأمور الجزائية؛ إذ يتعين فيها أن يكون الحكم والموضوع قطعيين، ولا يجوز الحكم بالعقوبة بدليل ظني غير واضح الحجية. فالاستصحاب – الذي يُثبت به كثير من المسائل سواء في الأمور الجزائية أو أصل عدم الجعل – ليس دليلاً قطعياً. بل إنه أحد أدلة إثبات أصل الشريعة. أما في الأحكام غير الجزائية فيجوز إثبات الحكم به، أو التمسك به في الروايات بناءً على أصل اشتراک الأحكام لإثباته لجميع المكلفين؛ لكن في الأمور الجزائية لا يمكن إثبات حكم بالاستصحاب.
وأشد التحديات في إثبات الموضوع بالاستصحاب. وهذه النقطة تسري أيضاً على سائر الأصول العملية. فمثلاً في المباحث الحقوقية يتعارض استصحاب عدم الجريمة للفرد مع أصل البراءة، في حين أن أصل البراءة مقبول في الإجراءات العادلة.
أما في الأمور المدنية فيوازن القاضي بين الأدلة المتعارضة ويحكم بناءً عليها؛ لكن في الأمور الجزائية يصعب ذلك، إذ يشترط إثبات الجريمة قطعاً لا ظناً.
تعارض الاستصحاب مع الأدلة الأخرى في الأمور الجزائية
في كثير من الحالات يتعارض استصحاب ثبوت الفعل الجرمي مع قاعدة الدرء؛ فحتى مع جريان الاستصحاب تبقى الشبهة قائمة، فيعمل بقاعدة الدرء. وهنا نقاش واسع: هل موضوع قاعدة الدرء هو فقدان العلم – فيتعارض مع الاستصحاب – أم فقدان العلم والدليل الظني المعتبر – فيكون الاستصحاب حاكماً ومقدماً؟ يُناقش هذا في موضعه، لكن روح قاعدة الدرء متعارضة مع الاستصحاب.
الأصل عدم جريان الاستصحاب في الأمور الجزائية
لا يصلح الاستصحاب أصلاً أساسياً في الفقه؛ لأن بناء الشارع في المسائل الجزائية على التخفیف للإصلاح والتربية. وفي الروايات: الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة. فإثبات العقوبة بالاستصحاب يتعارض مع هذا المقصد. الشارع في الجزاء يبني على كشف الحقيقة لا فصل الخصومة. ومن النظر الحقوقي، الأصل البراءة، والاستصحاب يتعارض معها. كما تقتضي الكرامة الإنسانية عدم انفتاح يد القاضي في الدماء والأعراض؛ بينما جريان الاستصحاب في كثير من الحالات يؤدي إلى ظلم نظامي وإخلال بالكرامة. فيجب جريانه في الشبهات الحكمية الاستثنائية لمصلحة المتهم فقط، وفي غيرها لا يُقبل. وبشكل عام: جريان الاستصحاب في الأمور الجزائية ينبغي أن يكون مضیقاً، استثنائياً، وبنفع المتهم.
