آیت‌الله محمد محمدی قائنی، في حوار خاص مع "الفقه المعاصر":

تحليل الفقه المعاصر استناداً إلى نهج أدنى في الفقه/36

معظم فقهائنا، ولا سیما المتأخرین، تبنوا الرؤیة القصوى، وعلة ذلك أن الفقیه الجامع للشرائط في عصر غیبة الحجة (عج) جُعل متولیًا ومسؤولًا عن شؤون المسلمین في جمیع أمورهم الدنیویة والأخرویة في مجالات الإفتاء والقضاء والولایة، سواء کنا قائلین بولایة الفقیه المطلقة، أو المقیدة، أو الولایة من باب الأمور الحسبیة.

إشارة: یُعد آیت‌الله محمد محمدي قائني من الأساتذة القدامى في دروس الخارج للحوزة العلمیة بقم المقدسة. وُلد عام ١٣٨٠هـ (١٣٤٠ش) في طهران، ویمتد نشاطه التدریسي لمختلف المواد الدراسیة في حوزة قم العلمیة لأکثر من ثلاثة عقود. أجرینا معه حوارًا حول الرأي المشهور بین الفقهاء بشأن الفقه الأدنى والأقصى. یرى أن الرأي المشهور یمیل نحو النهج الأقصى في الفقه، لکنه یعتقد أنه لا یمکن نسب رأي معین إلى حوزة خاصة مثل حوزة قم أو النجف. فیما یلي النص الکامل للحوار الخاص الذي أجراه موقع “الفقه المعاصر” مع هذا الأستاذ في دروس الخارج للفقه وأصول الفقه بالحوزة العلمیة فی قم، یعرض علیکم:

الفقه المعاصر: ما هو النهج الأدنى والنهج الأقصى في الفقه، وما هي مقتضیات کل منهما؟

محمدي قائني: یرى النهج الأدنى أن المعارف الدینیة، ولا سیما الفقه، تهدف إلى تأمین سعادة الإنسان في الآخرة، وبیان حد أدنى من الاحتیاجات في الدنیا؛ على عکس النهج الأقصى الذي یعتقد أن هدف الدین وبعده الفقهي هو إرشاد الإنسان وهدایته نحو الکمال والسعادة في الدنیا والآخرة، وفي جمیع أبعاد وجوده وکل المجالات المرتبطة بحیاته.

من وجهة النظر الأدنى، یُعتقد أن العقل مکتفٍ بذاته في الأمور الاجتماعیة. التوقع من الدین لدى أنصار النهج الأدنى یقتصر على المبدأ والمعاد، بینما یشمل لدى أنصار النهج الأقصى جمیع البنى الاعتقادیة والأخلاقیة والسلوكیة. المعرفة الدینیة من منظور أدنى تُعد أمرًا بشریًا وتستعین بالمعارف البشریة الأخرى، وبالتالي فهي قابلة لتأویلات مختلفة؛ لکنها من منظور أقصى هي أمر إلهی یُتوصل إلیه بمنهج استنباطي یعتمد على مصادر قطعیة ووثیقة. من وجهة نظر أدنى، لا توجد مرجعیة رسمیة لفهم الدین؛ بینما من وجهة نظر أقصى، فإن المرجعیة الحصریة لفهم الدین هي أحد الاجتهادات المعتبرة. یعتقد النهج الأقصى أن غایة الدین لا تتحقق بمجرد بیان المعارف والأحکام، بل تتوقف على تطبیقها في الحیاة، الأمر الذي یستلزم تشكیل الحکومة؛ في حین أن النهج الأدنى لا یرى الدین مسؤولًا عن تقدیم برنامج للحیاة في هذا العالم، بل یوکل ذلك إلى العقل البشري.

الفقه المعاصر: هل جمهور الفقهاء یتبنون أیًا من الرأیین؟ ومن أي فتاواهم یمکن استخلاص ذلك؟

محمدي قائني: معظم فقهائنا ولا سیما المتأخرین، تبنوا الرؤیة القصوى، وعلة ذلك أن الفقیه الجامع للشرائط في عصر غیبة الحجة (عج) جُعل متولیًا ومسؤولًا عن شؤون المسلمین في جمیع أمورهم الدنیویة والأخرویة في مجالات الإفتاء والقضاء والولایة، سواء کنا قائلین بولایة الفقیه المطلقة، أو المقیدة، أو الولایة من باب الأمور الحسبیة. إن الفتوى بجواز أخذ الوجوهات الشرعیة (الخمس، الزکاة، رد المظالم، مجهول المالک…)، وإقامة الحدود الشرعیة (القتل، القطع، الجلد، الحبس، النفي، الحصر…)، وإصدار الحکوم الثانویة… خیر شاهد على الاعتقاد بالنظریة القصوى في الفقه.

الفقه المعاصر: هل تصح هذه المقولة بأن فقهاء قم یناصرون الفقه الأقصى وفقهاء النجف یناصرون الفقه الأدنى؟

محمدي قائني: لقد مرت على الحوزات العلمیة، سواء قم المقدسة أو النجف الأشرف، أدوار مختلفة، وکل دور له خصائصه التي یجب دراستها بشکل دقیق وتحلیلي؛ لکن لا یمکن قبول مثل هذه الکلّیة في هاتین الحوزتین. فکم من فقیه عظیم في حوزة النجف الأشرف کان ملتزمًا بالفقه الأقصى، مثل صاحب الجواهر، والمحقق الخراساني صاحب الکفایة، والمیرزا حسین النائیني، والشیخ محمد حسین کاشف الغطاء، والسید محمد باقر الصدر وآخرین.

الفقه المعاصر: هل جاءت جهود فقهاء قم لإنشاء فقه حکومي نتیجة تأثیر طهران على قم، أم أن حوزة قم نفسها کانت تمتلک هذا النهج قبل الثورة؟

محمدي قائني: من المؤکد أن کل تحول ینجم عن عوامل داخلیة وخارجیة، ومختلف العلوم ومنها علم الفقه الشریف لیست مستثناة من هذه القاعدة. العامل الداخلي لطرح ونشر المباحث الحکومیة من منظور فقهي في حوزة قم المقدسة، هو الاستجابة لغایة علم الفقه مما دفع الباحثین في هذا المجال إلى الاهتمام به. وأما العامل الخارجي، فهو الحاجات الاجتماعیة والضرورات الناشئة عن تأسیس النظام الإسلامي المقدس، والتفاعلات الناتجة عن انتصار الثورة الإسلامیة في إیران والتي أحدثت احتکاكًا مع مصالح الأجانب، وضرورة تأمین حقوق مواطني بلدنا بل وجمیع البلدان الإسلامیة، مما أتاح المجال لنقاش عمیق في هذا الصدد. ولایفوتني أن أذکر أن التطورات السیاسیة في المئة عام الأخیرة، والحرکات الناتجة عن التحولات الاجتماعیة، والارتباط الوثیق للرجال الدین مع شعوب جمیع مناطق البلاد ولا سیما طهران، کان له نصیب کبیر في هذه المسألة.

الفقه المعاصر: هل یمکن القول بأن الحوزات الشیعیة مثل قم، والنجف، وکربلاء، وبغداد، ومشهد، وأصفهان، وطهران… کل منها کان له رأي مختلف حول الفقه الأدنى والأقصى؟ بعبارة أخرى، هل یمکن اعتبار کل حوزة منشأ لأحد هذین الرأیین؟

محمدي قائني: لطالما کانت الحوزات العلمیة میدانًا لتفاعل الآراء وتلاقح النظریات المختلفة، لذا لا یمکن العثور على حوزة عبر التاریخ کان جمیع علمائها متفقین على قول واحد. لکن غلبة نظریة على أخرى أو نظریات أخرى في حوزة معینة هو أمر عادي ومتعارف علیه في المراکز العلمیة. ومع ذلك، یجب مراعاة أن هذه الغلبة في تلک الحوزة بالذات لم تکن دائمة، فکم من مرة في دور سابق أو لاحق غلبت نظریة أخرى أو تساوت الآراء؛ کما شهدنا مثل هذه التغیرات في مسائل الحکمة، وعلم الکلام، والتفسیر، والتربویة في حوزات مختلفة؛ لذا فإن نسبة الفقه الأدنى والأقصى إلى حوزة معینة خاصة على مر التاریخ، لیس له أساس صحیح.

الفقه المعاصر: هل تُحلل جهود الفقهاء المعاصرین للدولتین الصفویة والقاجاریة مثل الشیخ البهائي والمحقق الکرکي للتأثیر في الحکومة، في إطار نظریة الفقه الأقصى أم لها دوافع أخرى؟

محمدي قائني: إن رسالة الفقیه العادل، الملتزم، البصیر بتیارات وأحداث زمانه، تقتضي منه أن یدافع بکل ما أوتي من قوة عن کیان الإسلام، وأن یسعى بقدر وسعه وطاقته لتطبیق أحکام الإسلام، سواء في البعد الاجتماعي، أو الثقافي، أو السیاسي، أو العسکري، أو الاقتصادي. ومن الموارد المهمة لأداء تکلیف الفقیه الذي جعله رسول الله (ص) أمینًا علیه، هي إرشاد وتوجیه السلاطین الجهلاء، وتذکار ونصح الحکام الفسقة وأمرهم بالمعروف ونهیهم عن المنکر، ومقابلة العمال الجائرین؛ لذا کان کثیر من الفقهاء المذکورین حساسین تجاه إصلاح حکام عصرهم ویقومون بواجبهم. ولکن هل هذا دلیل على أنهم کانوا قائلین بالفقه الأقصى؟ کلا، لا یمکن استفادة مثل هذا الأمر من منهج ومسلک جمیعهم.

Source: External Source