آیت‌الله سید نورالدین شریعتمدار جزایری، في حوار خاص مع «فقه معاصر»:

الأصول العملية القضائية/23

طرق اكتشاف الجريمة تنقسم إلى قسمين: بعضها يُفيد اليقين ويُظهر الواقع والحقيقة بشكل قطعي، وبعضها الآخر لا يُفيد اليقين وإنما يُفيد الشك. في الحالة الأولى -التي تشمل الطرق الحديثة لاكتشاف الجريمة- لا يبقى أي شك يستدعي الرجوع إلى الأصول العملية. فالأصل العملي إنما يجري عند الشك، أما عند وجود العلم واليقين فلا مجال لجريانه. لذا، عندما نرجع إلى الأصول العملية، فإن ذلك يعني أنه لم يوجد طريق قطعي لاكتشاف الجريمة، ومن بين هذه الطرق القطعية بالذات الطرق الحديثة لاكتشاف الجريمة. وبالتالي، فإن هذين النوعين من الأدلة ليسا في مرتبة واحدة، ومن ثم لا يتعارضان أبدًا.

إشارة: على الرغم من أن الأصول العملية قد نالت حظًا وافرًا من البحث في علم أصول الفقه، إلا أنها لم تُبحث بشكل متخصص وفيما يتعلق بمواضع جريانها إلا قليلاً. وبهذه المناسبة، أجرينا حوارًا مع آية الله السيد نور الدين شریعتمدار جزايري حول مكانة الأصول العملية في الفقه والحقوق الجزائية. وهو الذي يُدرّس خارج الفقه والأصول في الحوزة العلمية بقم منذ أكثر من ثلاثة عقود، يرى أن أهم تحدٍّ في جريان الأصول العملية في الفقه والحقوق الجزائية هو تشخيص محل الجريان وتطبيق هذه الأصول. وفيما يلي نص الحوار الخاص الذي أجرته «فقه معاصر» مع هذا الأستاذ القديم لدرس خارج الفقه والأصول في الحوزة العلمية بقم:

فقه معاصر: هل للفقه والحقوق الجزائية أصول عملية خاصة بها ومختلفة عن سائر الأبواب الحقوقية كالحقوق المدنية والحقوق الدولية والحقوق الدستورية؟

الشریعتمدار جزايري: كمقدمة أقول: فيما يتعلق بالأصول العملية، تم تقسيمها تقسيمات كثيرة. فمثلاً في الاستصحاب وحده تم تقسيمه إلى ستة عشر قسمًا. لكن الأصول العملية بشكل عام يمكن تقسيمها إلى أربعة أقسام:

الأول: الأصول العملية العامة؛ المراد بها الأصول العامة والشاملة التي تجري في جميع أبواب الفقه وجميع أبواب الحقوق، كالحقوق المدنية والحقوق الجزائية والحقوق الدولية والحقوق الجنائية. فمثلاً الاستصحاب يُطبَّق في جميع الأبواب الفقهية وجميع الأبواب الحقوقية مثل الجزائية والجنائية والدولية والمدنية.

الثاني: الأصول العملية الخاصة؛ المراد بها الأصول العملية التي لا تجري في جميع أبواب الفقه، بل تختص بباب فقهي واحد أو عدة أبواب؛ مثل قاعدة اليد التي تقول إن كل من في يده شيء فهو مالكه. هذه القاعدة تُطبَّق أكثر في أبواب المعاملات، لكنها لا تُطبَّق في أبواب العبادات مثل الطهارة والصلاة والصوم. أو قاعدة الضمان التي تقول إن كل من تسلط على مال الغير -سواء بالظلم أو بالجهل أو الأمانة أو الإحسان وغير ذلك- يضمن ذلك المال، ولا يسقط الضمان عنه حتى يرده إلى صاحبه. هذه القاعدة أيضًا تجري في أبواب المعاملات ولا تُطبَّق في أبواب العبادات. ومثال آخر: قاعدة الإقدام التي تعني أنه إذا كان سلوك شخص ما مقدمة لدخول الضرر والخسارة عليه من قبل الآخرين، يسقط الضمان عن عاتق الآخرين. هذه القاعدة تُطبَّق في الدعاوى الحقوقية والدعاوى الجنائية على حد سواء، وقد تؤدي -حسب الحال وبحسب نوع الدعوى- إلى سقوط الضمان عن المدعى عليه، أو إصدار حكم بالبراءة للمشتكى منه، أو التخفيف في عقوبته. هذه القواعد تُطبَّق أكثر في الأمور المالية والجزائية، ولا تُطبَّق في العبادات كالصلاة والطهارة والصوم والحج. وعلى النقيض، بعض القواعد مثل قاعدة الطهارة تُطبَّق فقط في باب الطهارة ولا تُطبَّق في سائر الأبواب. قاعدة الطهارة من القواعد الفقهية المشهورة التي تحكم بطهارة جميع الأشياء ما لم تثبت نجاستها. فكلما شك في طهارة شيء أو نجاسته، يُحكم بطهارته بهذه القاعدة. وقاعدة نفي السبيل كذلك، وتُطبَّق في فقه العلاقات الدولية وليس في جميع أبواب الفقه. فعلى أساس هذه القاعدة، لا يُشرَّع في الدين حكم يؤدي إلى تسلط الكافر على المسلم.[١]

الثالث: الأصول العملية الشرعية؛ هي الأصول والقواعد التي يُعمل بها عند عدم الوصول إلى الأدلة الفقهية المعتبرة، وعند الشك في الحكم الواقعي أو في موضوعه، ودليل حجيتها مجرد بيان الشارع لا إمضاؤه. وهذه الأصول الكلية -التي تُسمى أيضًا الأدلة الفقهية- وتُستعمل في جميع أبواب الفقه هي: أصل البراءة الشرعية، أصل الاستصحاب، أصل التخيير الشرعي، وأصل الاحتياط الشرعي.

الرابع: الأصول العملية العقلية؛ الأصل العملي العقلي هو الأصل الذي يحكم به العقل، كالبراءة العقلية والاحتياط العقلي (الاشتغال) والتخيير العقلي. والفرق بين الأصل الشرعي والعقلي أن الأصل الشرعي يتضمن حكمًا ظاهريًا من الشارع، بينما مفاد الأصل العقلي رفع العقاب والمؤاخذة عن فعل أو ترك العمل لعدم بيان الحكم من الشارع، ودليله الإثباتي هو العقل. فمثلاً إذا كان دليل حجية البراءة هو العقل أو سيرة العقلاء، فهو أصل عقلي، أما إذا كان دليل حجيتها نصوصًا كقوله تعالى «ما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً» وحديث الرفع، فهو أصل شرعي.

الأصول العملية العامة -وهي القسم الأول- تجري في جميع أبواب الفقه والحقوق كالجزائية والجنائية والدولية والمدنية. أما القسم الثاني وهو الأصول العملية الخاصة فتختص بباب فقهي واحد أو عدة أبواب ولا تجري في جميع الأبواب الفقهية والحقوقية. فمثلاً قاعدة نفي السبيل تُطبَّق في فقه العلاقات الدولية والحقوق الدولية لكن لا تُطبَّق في باب الطهارة. أو قاعدة الضمان واليد فتُطبَّق فقط في الأمور المالية والجزائية ولا تجري في العبادات. أما الأصول العقلية والشرعية فتجري في جميع أبواب الفقه.

فقه معاصر: ما هي الأصول العملية الخاصة أو الأكثر تطبيقًا في الفقه الجزائي؟

الشریعتمدار جزايري: الأصل العملي الأكثر تطبيقًا هو الاستصحاب، الذي يُطبَّق كثيرًا في العبادات وفي الأمور القضائية والجزائية والدولية. وبعده يأتي أصل البراءة الذي يُطبَّق أيضًا كثيرًا في جميع الأبواب القضائية والجزائية والدولية. ثم يأتي أصلا الاحتياط والتخيير اللذان لهما تطبيق أقل مقارنة بهذين الأصلين.

فقه معاصر: هل يمكن إثبات العقوبات الدنيوية باستخدام الأصول العملية الشرعية التي أساسها إقامة العذر عند الشارع؟

الشریعتمدار جزايري: نعم، لا مشكلة في ذلك. دليل حجية الأصول العملية -وهو العقل في الأصول العقلية والشرع في الأصول الشرعية- يمكن أن يكون دليلاً إلى الحد الذي يجعله حجة، سواء في الأمور الأخروية أو الدنيوية.

فقه معاصر: مع وجود الطرق الحديثة لاكتشاف الجريمة واكتشاف الواقع، هل لا يزال الرجوع إلى الأصول العملية الجزائية أمرًا مرغوبًا، أم أن هذه الأصول إنما شُرعت لعصر التشريع الذي كانت فيه طرق اكتشاف الجريمة والواقع محدودة؟

الشریعتمدار جزايري: الطرق الحديثة لاكتشاف الجريمة والأصول العملية ليستا في مرتبة واحدة حتى نقارن بينهما؛ لذا فإن السؤال نفسه عن إمكانية الرجوع إلى الأصول العملية مع وجود الطرق الحديثة سؤال غير صحيح أصلاً. التوضيح أن طرق اكتشاف الجريمة تنقسم إلى قسمين: بعضها يُفيد اليقين ويُظهر الواقع بشكل قطعي، وبعضها يُفيد الشك. في الحالة الأولى -التي تشمل الطرق الحديثة- لا يبقى شك يستدعي الرجوع إلى الأصول العملية. فالأصل العملي إنما يجري عند الشك، وعند وجود العلم واليقين لا مجال له. لذا فالرجوع إلى الأصول العملية يعني عدم وجود طريق قطعي لاكتشاف الجريمة، ومنها بالذات الطرق الحديثة. وبالتالي هذان النوعان من الأدلة ليسا في مرتبة واحدة ولا يتعارضان أبدًا حتى يُطرح هذا السؤال.

فقه معاصر: ما هي التحديات في استخدام الأصول العملية في الفقه والحقوق الجزائية؟ وما هي الحلول المقترحة لهذه التحديات؟

الشریعتمدار جزايري: أهم تحدٍّ في استخدام الأصول العملية -سواء في علم الفقه أو علم الحقوق- هو النقص في المعرفة بالموضوع وظروف تطبيقها. فمن يريد إجراء هذه الأصول يجب أن يكون على دراية تامة بها وبموضوعها، ويعرف مثلاً هل هنا محل لجريان الأصل العقلي أم الشرعي؟ هل هنا مجال للمستقلات العقلية فلا حاجة للأصول العملية، أم لا؟ حتى لو وجد شك في الموضع، فإن تشخيص أي أصل عملي يجب أن يجري يحتاج إلى معرفة بالأصول ومواضع جريانها؛ فمثلاً هل يجري هنا أصل البراءة أم أصل الاحتياط؟

ولإمكان جريان الأصول العملية، إما أن يكون الشخص نفسه خبيرًا، وإما أن يرجع إلى خبير.

[١] يُعدّ هذه القاعدة من أكثر القواعد الفقهية تطبيقًا وأهمية، ومن أهم الأحكام الثانوية، ويُقال إنها تتقدم على الأحكام الأولية؛ أي إن أي حكم أولي يتعارض معها يبطل. وقد قال بعض الفقهاء إن قاعدة نفي السبيل يجب أن تحكم جميع العلاقات الفردية والاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين. واستنادًا إلى هذه القاعدة، أفتوا ببطلان زواج المرأة المسلمة من الرجل الكافر؛ لأنه يؤدي إلى تسلط كافر على مسلم. وأهم دليل قرآني لهذه القاعدة هو آية نفي السبيل. كما يُستدل لها بحديث يقول إن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه.

Source: External Source