وفقاً لموقع مركز دراسات الفقه المعاصر للإعلام، عُقدت الجلسة الثمانون من سلسلة جلسات «أیام الأحد: مناقشة المنهج» بعنوان «المنهج البحثي القرآني الأساس».
في بداية الجلسة، أشار حجة الإسلام والمسلمين حقاني فضل، الأمين العلمي، إلى محور الموضوع الشتوي وقال: «أیام الأحد: مناقشة المنهج» التي تركز على المنهجية في العلوم الإنسانية المعاصرة والفقه، أولت اهتماماً مركزياً لهذه النقطة الأساسية: على الرغم من اختلاف النماذج البحثية المختلفة (مثل التجريبية والبنيوية)، يجب أن تُستنبط منهجية العلوم الإسلامية مباشرة من مصادرها الأصلية، وخاصة القرآن الكريم.
ثم قدم حجة الإسلام والمسلمين عبد الحميد واسطي، عضو هيئة التدريس في مركز بحوث الثقافة والفكر الإسلامي، عبر الإنترنت، رؤيته حول «النموذج الشبكي» وإمكانية استنباط منهج البحث من القرآن.
القرآن: مصدر معرفة أم مصدر منهج؟
بدأ الدكتور واسطي عرضه بطرح هذا السؤال: هل قدم القرآن شيئاً حول منهج البحث أم لا؟ وهل يوجد في القرآن منهج لكشف الحقائق؟ ثم عرض نتائجه.
أكد عضو هيئة التدريس في مركز بحوث الثقافة والفكر الإسلامي أن مقصوده من «المنهج البحثي القرآني الأساس» ليس الدخول في المباحث المجردة للمنهجية، بل البحث عن الأدوات والتقنيات لاكتشاف الحقيقة في نص القرآن.
ويرى أن المحور الرئيسي لهذا النهج هو «الشبكة»؛ مفهوم صيغ في إطار «النموذج الشبكي» الذي يسعى إلى تحليل الظواهر في ترابط الطبقات المادية والمعنوية والبنيوية.
الدليل الرئيسي: القرآن يولي اهتماماً لـ«الكيفية»
لإثبات وجود المنهج في القرآن، استدل الدكتور واسطي بالآيات التي تحتوي على «كيف»، وقال: «المناهج هي إجابات على الكيفيات، وهذه «الكيف» في الآيات القرآنية لها دلالات منهجية واضحة؛ أي أن القرآن يولي اهتماماً للمنهج».
واستشهد بآيات متعددة، منها الآية ٢٨ من سورة البقرة («كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ…») معتبراً إياها نموذجاً لنقد منهج التفكير، وأكد أن القرآن لا يسأل عن النتيجة فحسب، بل عن عملية الوصول إليها.
وفي تحليل الآية ٢٦٠ من سورة البقرة (حوار النبي إبراهيم عليه السلام حول إحياء الموتى)، أكد أن السؤال يتعلق بـ«كيفية» تحقق الأمر، لا بأصله: «استفهام النبي إبراهيم عن الكيفية، لا عن أصل وقوع الإحياء؛ وهذا يعني الاهتمام بالمراحل وعملية تحقق واقع».
القرآن والنموذج الاكتشافي التجريبي
سعى المقدم فيما بعد إلى إظهار أن القرآن حتى في مجال الاكتشافات التجريبية يشير إلى نوع من المنطق المنهجي. واستدل بقصة قابيل في سورة المائدة قائلاً: «القاتل لم يكن يعرف منهج الوصول إلى النتيجة، فتعلم من عمل الغراب واتخذه نموذجاً؛ وهذا الاقتداء قابل للتعميم ويُعدّ الكلام الرئيسي في مباحث منهج البحث».
من وجهة نظره، تُظهر الآية أن ملاحظة عملية طبيعية يمكن أن تكون أساساً لاكتشاف قانون أو قاعدة عامة؛ وهو أمر محوري في البحوث التجريبية أيضاً.
كما أشار حجة الإسلام والمسلمين واسطي إلى وظيفة الاستفهام «كم» في القرآن، معتبراً إياه يتعلق بمنطق «تراكم الشواهد»؛ وهو المنطق الذي يُستخدم في البحوث التجريبية للوصول إلى اليقين.
ويرى أن الواقع يحتوي على طبقات مترابطة، وفهمه يتطلب نظرة شبكية. وأكد الدكتور واسطي أن هذا الرأي صيغ في بحث مستقل بعنوان «النموذج القرآني الأساس، النموذج الشبكي» وهو في مراحل التحكيم.
وشدد على أنه إذا أرادت العلوم الإسلامية تجاوز مستوى الاستحسان والانطباعات الذوقية، فيجب عرض المسألة على القرآن «دون مسبقات» واستخراج منطق الاكتشاف من تحليل الآيات.
التأكيد على الدلالات المنهجية لآيات القرآن
واصل حجة الإسلام والمسلمين واسطي حديثه مشيراً إلى آيات مثل «فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ» (الطارق: ٥) و«وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ» (الرحمن: ٧)، مؤكداً أن القرآن الكريم، إلى جانب بيان الحقائق، أولى اهتماماً لكيفية تحقق الظواهر، ومن خلال ذلك أولى اهتماماً لأصل المنهج وعملية اكتشاف الواقع.
واستدل بآيات مثل «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ» (القمر: ٤٩) و«وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ» (الرعد: ٨)، وصف نظام الوجود بشبكة مترابطة متوازنة وقائمة على قواعد، حيث لكل ظاهرة «ميزان» ومعيار خاص بها، واكتشاف هذا الميزان شرط للمواجهة الصحيحة للواقع.
كما أشار عضو هيئة التدريس في مركز بحوث الثقافة والفكر الإسلامي إلى الآية «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا» (الحجرات: ٦)، معتبراً التحقق من مصداقية البيانات أحد أركان المنهجية القرآنية، وتقييمها على أنها تتعلق بتجنب التحيز والخطأ المعرفي. ويرى أن آيات مثل «وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ» (محمد: ٣٠) تدل على إمكانية اكتشاف الطبقات الداخلية من خلال العلامات والقرائن، ويمكن استخلاص إلهامات منها في مجال تحليل الخطاب والدلالة.
وفي ختام الجزء الأول من عرضه، أكد الدكتور واسطي أن القرآن الكريم في مستويات مختلفة ـ من الاهتمام بمنشأ الظواهر إلى تحليل داخليات الإنسان وسبر الهياكل الاجتماعية ـ يقدم إشارات منهجية للباحث، وبناءً على هذه الأدلة يمكن الحديث عن «منهج بحث شبكي»؛ منهج يحلل كل واقع في منظومة علاقاته مع الله والإنسان وسائر الظواهر.
وفي تتمة الجلسة، قام حجة الإسلام والمسلمين عليرضا بيروزمند كناقد (وهو أيضاً حاضر عبر الإنترنت)، بشكر جهود المقدم، ثم درس نسبة هذا الرأي إلى المباحث الكلاسيكية في المنهجية، وطرح أسئلة حول التمييز بين «المنهج» و«المنهجية»، حدود قابلية تعميم الأمثلة القرآنية، ونسبة هذا النهج إلى النماذج الشائعة في العلوم الإنسانية.
وأكد أن هناك خلطاً بين «الكيفية» بمعنى تبيين واقع تكويني أو تاريخي، وبين «منهج البحث» بمعنى عملية حل المشكلة والانتقال من المجهول إلى المعلوم.
وقال إنه على الرغم من أن القرآن بيّن في موارد متعددة كيفية الخلق أو التحولات الاجتماعية، إلا أن هذا البيان لا يعني بالضرورة تقديم منهج بحث. كما شدد على أن تصنيف النماذج التجريبية والمعنوية والبنيوية ثم استخراج أدلة قرآنية لكل منها يثير الشبهة بأن المفاهيم الشائعة في أدبيات منهج البحث قد أُخذت مسبقاً ثم طُبقت على الآيات.
وفي الجزء الختامي، أجاب حجة الإسلام والمسلمين واسطي على الانتقادات مؤكداً أن مقصوده من طرح «الكيفية» ليس التقنيات البحثية الخاصة، بل أصل اهتمام القرآن بعملية ومسار تحقق الظواهر. ويرى أن مجرد وجود نموذج في النص الوحياني يظهر الاهتمام بالعملية أو الاكتشاف يكفي لإثبات مشروعية واعتبار أصل المنهج؛ وإن كان تحديد ضوابطه ونطاقه يتطلب تتبعاً أكبر.
كما أكد أن استخدام بعض المصطلحات الشائعة في المنهجية كان لتقريب الفكرة إلى ذهن المتلقي فقط، وليس لفرض مسبقات خارجية على نص القرآن، بل الهدف إظهار الإمكانات المنهجية الكامنة في الآيات لإلهام البحوث المعاصرة.
الجلسة «المنهج البحثي القرآني الأساس» سعت بشكل عام إلى فتح أفق جديد في دراسات منهجية العلوم الإسلامية. ويمكن اعتبار هذه الجلسة خطوة نحو طرح مثل هذه المباحث والدخول في حوار منهجي حول نسبة القرآن إلى منهج البحث؛ حوار لا شك أنه يحتاج إلى استمرار النقد والإكمال النظري.

