حجة الإسلام والمسلمين السيد حميد علوي عزيز، في حوار خاص مع "الفقه المعاصر":

لقد قدم سماحته الدعم الهيكلي والمعنوي لتأسيس التخصصات العلمية في الحوزة، وشجع الأساتذة والأفاضل الشباب على إطلاق كراسي دروس الخارج في الموضوعات المستحدثة. كما أحال القضايا الكبرى للبلاد إلى الأفاضل الشباب للاستنباط الفقهي، وعقد جلسات كان يحضر فيها بنفسه لساعات طوال.

إشارة: إن قيادة آية الله الشهيد الخامنئي لجمهورية إيران الإسلامية، وإن أدّت إلى شهرة بعض فتاواه، إلا أنها في المقابل غطت على الأبعاد غير السياسية لشخصيته بسبب الغلبة للوجه السياسي لهذه القيادة. وقد أدى هذا الأمر إلى قلة التطرق إلى توجهاته في العلوم الإسلامية، ولا سيما علم الفقه، بنحو علمي وممنهج. وتُعد إحدى جهوده المهمة في العقود الأخيرة إيجاد خطاب الفقه المعاصر في الحوزات العلمية. وتُعرب زيادة دروس الخارج في الفقه المعاصر، والمدونات الفقهية المعاصرة، والمؤسسات المتكفلة بإنتاج المحتوى في هذا الشأن خلال فترة قيادته التي امتدت ٣٦ عاماً، عن سجله الناصع في هذا المجال. وحول رؤية آية الله الشهيد الخامنئي للفقه المعاصر وإجراءاته العلمية والإدارية في هذا الصدد، أجرينا حواراً مع حجة الإسلام والمسلمين السيد حميد علوي عزيز. وهو الذي يدرس مختلف العلوم الحوزوية في حوزة خراسان العلمية منذ أكثر من ثلاثة عقود، ويُعد منذ زهاء عقدين من المديرين البارزين في هذه الحوزة العريقة أيضاً. وإن توليه الشؤون العلمية، والتعليمية، والبحثية، وتسنمه إدارة التخطيط والبرامج في حوزة خراسان العلمية، إلى جانب أكثر من عشر سنوات من إدارة مدرسة آية الله الخوئي العلمية بوصفها أكبر مدرسة في حوزة مشهد العلمية، يجعله من أفضل الشخصيات لإبداء الرأي حول هذا الموضوع. وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” مع هذا الأستاذ والباحث في حوزة خراسان العلمية:

الفقه المعاصر: في أي المجالات كانت جهود آية الله الشهيد الخامنئي بشأن تطوير الفقه المعاصر وتعميقه، وما هي الآثار التي ترتبت عليها؟

علوي عزيز: إذا أردنا دراسة دور ومكانة آية الله العظمى الشهيد السيد علي الخامنئي في تطوير الفقه المعاصر، والفقه المضاف، والمسائل المستحدثة بنحو دقيق، فمن الضروري ملاحظة ودراسة عقود من تدريسه بنحو ممنهج؛ ودراسة إدارته الحوزوية وتوجيهاته السياسية بدقة حتى الآونة الأخيرة وقبل شهادته، ومراعاة مستنداتها التاريخية والفقهية.

ولكن يمكن القول إجمالاً إن عمله الأساسي في تطوير الفقه المعاصر وتعميقه—حسب رأي هذا العبد الحقير—كان يتلخص في أنه فتح المجال واعتبر الفقه الشيعي يمتلك هذه الطاقة الذاتية العظيمة للإجابة عن أكثر مسائل العالم الحديث تعقيداً. وقد وجَّه التشريع في جمهورية إيران الإسلامية بنحو لا يظهر معه أي مأزق قانوني في مواجهة الظواهر الحديثة. وأعتقد أن هذا كان عمله الأبرز؛ إذ منح هذه الجرأة وهذه الشجاعة للحوزات العلمية، واستكمل العمل الذي بدأ منذ عهد الإمام الخميني في اعتبار الفقه مجيباً عن جميع الاحتياجات، من المهد إلى اللحد، والاحتياجات الفردية، والاجتماعية، والحكومية، والدولية، حيث دفع به نحو الأمام بأفضل شكل وارتقى بالفقه إلى هذه المكانة السامية.

وهو نفسه قد دخل في مجالات متعددة؛ من قبيل المباحث المرتبطة بالبيئة الموجودة في دروس الخارج وفتاواه، والمباحث المتعلقة بالجهاد، والهدنة، ومباحث فقه الاقتصاد، والعمليات المصرفية، والبورصة، والنقد، وخلق النقد/الائتمان، والمباحث الطبية، والفتاوى التي أصدرها حول الاستنساخ وزراعة الأعضاء، ومباحث فقه الفن، والموسيقى، والغناء، وفقه الاتصالات. وبذلك يكون قد عمل في أفقين: أي إن لسماحته وروداً مصداقياً وموضوعياً في بعض المجالات بنفسه، وفضلاً عن ذلك، فقد أقرّ وأكّد وأيّد ووضع السكك والمسارات لكي يستطيع الفقه الشيعي الدخول في هذه المباحث المعاصرة وحلها.

وإن كنتُ—بين قوسين—ما زلتُ أجد مشكلة في استخدام هذا العنوان المسماة بـ “الفقه المعاصر”. فالفقه هو الفقه؛ لا معاصر ولا غير معاصر، بل هو فقه الموضوعات المعاصرة. الموضوعات التي أُثيرت حديثاً ولم تكن بهذه الصورة في الماضي؛ كما هو الحال تماماً في علم الكلام، إذ لا يوجد لدينا كلام جديد وكلام قديم، بل لدينا موضوعات كلامية جديدة. وبالطبع ليست هذه مشكلة في أن يكون لدينا في علم ما قديم وجديد؛ فقد يكون لدينا في علم الطب مثلاً طب قديم وطب حديث، أو في علم النجوم علم نجوم قديم وجديد، لأن المناهج والتقنيات لحل المسألة قد انقلبت رأساً على عقب وظهر اختلاف ماهوي في الطب والنجوم. ولكن الأمر ليس كذلك في الفقه؛ ففقهنا هو الفقه الجواهري نفسه الذي قيل عنه إنه فقه الشيخ الطوسي الذي نما وتطور، فالفقه هو الفقه.

بالطبع، عندما يكون الموضوع جديداً، فإنه يتطلب طبيعياً معرفة جديدة بالموضوع. وقد سمعت أنه في المباحث المتعلقة بالموسيقى نفسها عندما كان يناقشها (مع أنه كان هو نفسه متخصصاً وله ورود في هذا المجال)، كان يستفيد من آراء المتخصصين في مباحث الغناء والفن والموسيقى لكي تتم المعرفة بالموضوع بنحو أفضل.

الفقه المعاصر: هل كانت موضوعات دروسه الفقهية تُنظَّم بناءً على مباحث الفقه المعاصر، أم أنه كان يطرح الموضوعات القديمة لعلم الفقه نفسه للبحث؟

علوي عزيز: فيما يتعلق بموضوعات دروسه الفقهية في الخارج التي بدأت منذ عام ١٤١٠ هـ (١٣٦٩ هـ.ش)، فإن هيكلية درسه هي التبويب والموضوعات التقليدية نفسها للفقه؛ مثل أبواب الجهاد، والقصاص، والمكاسب المحرمة، وصلاة المسافر. هذه هي المباحث التي طرحها سماحته.

ولكن فيما يتعلق بالمحتوى وزاوية الرؤية لديه، فيجب أن نقول إنها كانت معطوفة بالكامل على الفقه المعاصر؛ فمثلاً في كتاب المكاسب المحرمة الذي استغرق تدريسه سنوات طويلة، لم يقتصر الأمر على إعادة قراءة آراء المتقدمين فحسب، بل دخل مفصلاً في المباحث المستحدثة مثل الملكية الفكرية، وحقوق الطبع والنشر، والخصوصية، والغناء والموسيقى، والعقود الحديثة.

وبناءً على ذلك، كان قالب الدرس تقليدياً وبناءً على النصوص الكلاسيكية للحوزة، ولكن الاستنباطات وتحديد المصاديق كانت تتم بالكامل برؤية الفقه المعاصر؛ ومرة أخرى أُصحح عبارة الفقه المعاصر: المسائل الفقهية المعاصرة.

الفقه المعاصر: هل كانت لديه في دروس السطوح العالية التي كان يدرسها قبل الثورة في حوزة مشهد العلمية إشارات وأمثلة إلى المسائل المستحدثة؟ وهل كانت هذه الإشارات تقتصر على مباحث الفقه السياسي أم أنه دخل في سائر المجالات الحديثة للفقه (في ذلك الوقت) أيضاً؟

علوي عزيز: في الحقيقة إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب تحقيقاً وتتبعاً واسعاً؛ ولكن ما رأيته إجمالاً في ذكريات تلامذته في حوزة مشهد العلمية قبل عام ١٣٩٨ هـ (١٣٥٧ هـ.ش) وبعض الوثائق التاريخية الموجودة، هو أن التركيز الرئيسي لآية الله الشهيد في تلك المرحلة كان منصباً أولاً على تفسير القرآن برؤية اجتماعية، وثانياً على الفكر السياسي للإسلام؛ مثل المباحث التي كان يطرحها في مسجد كرامت ومسجد الإمام الحسن المجتبى (ع) والتي تحولت إلى كتاب بعنوان “المشروع العام للفكر الإسلامي في القرآن”.

ولكنه كان أستاذاً مبرزاً، وكان يدرس مثلاً نصوصاً مثل “المكاسب” في السطوح العالية. وفي ذلك التدريس أيضاً، كان تركيزه الأكبر ينصب على استخراج مباني الفقه السياسي؛ مثل نفي الطاغوت، والمقاومة، والولاية. ولذلك، على الأقل لا أملك معلومات تفيد بوجود ورود جزئي لسماحته مثلاً في سائر المجالات الحديثة، مثل الفقه الطبي أو الاتصالات. وبالطبع لم تكن هذه المباحث بارزة في الحوزات في ذلك الوقت أيضاً. وعلى الأقل يمكن القول إن المعطيات الموثقة التي تظهر وجود ورود واسع أو ممنهج أو حتى موردي لسماحته في المباحث المسماة بـ “المستحدثة غير السياسية” قبل الثورة ليست متوفرة بين أيدينا. وهذا الأمر يبدو لي منطقياً؛ لأن الهاجس الرئيسي في تلك الفترة كان تبيين أركان النضال والحكومة الإسلامية ونفي الطاغوت وما شابه ذلك، ولذا كان هذا هو المتوقع.

الفقه المعاصر: كيف تقيمون جهوده الإدارية في سبيل تطوير الفقه المعاصر وتعميقه خلال فترة قيادته؟

علوي عزيز: ذكرتُ جزءاً من الإجابة عن هذا السؤال في الإجابة عن السؤال الأول. فبلا أي مجاملة، يجب اعتباره حامل راية تعميق الفقه المعاصر أو فقه الموضوعات الحديثة والعصرية. ولعله لم يفتح أحد المجال للفقه المعاصر ولم يمنح الجرأة والشجاعة للحوزات والشخصيات البارزة والأساتذة للورود في هذه المجالات كما فعل سماحته.

والشاهد على هذا المدعى هو أنه في الإدارة الكلية أرخى سدول استراتيجية “الحوزة المجيبة”؛ لا المجيبة فقط عن المسائل المستحدثة، بل “المُحْدِثَة للحدث”؛ بمعنى أن الحوزة يجب أن تكون متقدمة عن زمانها. وكان يُؤكّد في لقاءاته المستمرة مع أعضاء المجلس الأعلى والأفاضل والمراجع على ضرورة خروج الفقه من إطار الاقتصار على المباحث الفردية كالطهارة والنجاسة والصلاة وما شابه ذلك، والورود في فقه النظامات الاجتماعية.

وقد قدم سماحته الدعم الهيكلي والمعنوي لتأسيس التخصصات العلمية في الحوزة، وشجع الأساتذة والأفاضل الشباب على إطلاق كراسي دروس الخارج في الموضوعات المستحدثة. كما أحال القضايا الكبرى للبلاد إلى الأفاضل الشباب للاستنباط الفقهي، وعقد جلسات كان يحضر فيها بنفسه لساعات طوال.

وباعتقادي، فإن هذه إجراءات إدارية بارزة جداً تصب كلها في اتجاه إثبات أن الحوزة، وتحديداً الفقه، قادر على الإجابة عن جميع هذه المسائل الحديثة والمعاصرة بالمنهج “الجواهري” نفسه. وأعتقد أن جهوده هي التي استطاعت تحويل خطاب “الفقه المضاف” و”الفقه المعاصر” من مفهوم هامشي إلى مطلب رئيسي لجمهور الحوزة.

والشاهد على هذا أيضاً هو الرجوع إلى كلماته في جمع من أساتذة وأفاضل حوزتي قم ومشهد العلميتين، في الفترة ما بين عامي ١٤١٦ هـ و١٤٣١ هـ (١٣٧٤ و١٣٨٩ هـ.ش) وحتى الأعوام التي تلتها، مما يجعل هذا الموضوع “أظهر من الشمس”.

الفقه المعاصر: إلى أي مدى كانت المؤسسات والمراكز الفقهية التي تأسست في السنوات الأخيرة تحت قيادته في حوزات قم ومشهد وتهران صابّة في اتجاه تطوير الفقه المعاصر، وما هي الأهداف التي كانت تتابعها، وإلى أي مدى نجحت حتى الآن في تحقيق هذه الأهداف؟

علوي عزيز: سأعرض انطباعي الشخصي في هذا الصدد أيضاً. لقد عملت لسنوات متمادية في المراكز الإدارية للحوزة وفي الأقسام البحثية والتعليمية، وكانت لدي هواجس في هذا المجال. ويجب أن أقول، على سبيل المثال، إن مكتب الفقه المعاصر الذي تأسس في حوزة قم العلمية قد عمل بنجاح كبير في تأليف كتب مثل “الفائق” وغيره من الآثار في مجال الفقه المعاصر، وكذلك في ترغيب الأساتذة لتدريس هذه المباحث. وفي ظل هذا الدعم، تم تسجيل أكثر من مائة درس خارج في الفقه المعاصر في مدن قم، ومشهد، وتهران، ومراكز أخرى.

بالطبع، أعتقد أن هذه المراكز قد نجحت نجاحاً كبيراً في إنتاج الأدبيات الأولى وصياغة الخطاب؛ ومع ذلك، فإنها في قسم تأمين جميع الاحتياجات التشريعية للنظام ما زالت تبتعد مسافة عن النقطة المطلوبة. وهذا الموضوع طبيعي أيضاً؛ لأن سرعة تطور الظواهر الحديثة، مثل مباحث الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة، عادة ما تسبق سرعة استنباطاتنا التقليدية والبيروقراطيات التعليمية للحوزة. ومع ذلك، برأيي، فإن هذه المراكز حققت نجاحات جيدة في مرحلة إنتاج الأدبيات الأولى وصناعة الخطاب؛ ولكن فيما يتعلق بمدى قدرتها على تأمين الاحتياجات التشريعية والقانونية للنظام، ففي عقيدتي (وإن كانت معلوماتي قد لا تكون دقيقة تماماً) ما زالت هناك مسافة كبيرة للوصول إلى النقطة المطلوبة في هذا المجال.

الفقه المعاصر: كيف تقيمون جهوده في سبيل تطبيق الفقه المعاصر في المراكز والمؤسسات الحكومية؟

علوي عزيز: أتصور أن هذا الموضوع أُثير في الإجابة عن الأسئلة السابقة؛ فقد أخرج سماحته الفقه من حالة كونه مجرد جهاز نظري، وحوّله إلى أداة كفوءة للحكم. وأكرر مرة أخرى أن هذا التوجه كان امتداداً لرؤية المرحوم الإمام الخميني (ره) الذي كان يرى للفقه مثل هذا الدور والمكانة. وباعتقادي، فإن رؤيته تجاه المؤسسات الحكومية كانت واقعية وعملية وقائمة على قوة الفقه الشيعي ومرونته. ويمكن ملاحظة هذا الموضوع من خلال مؤسسات مثل مجمع تشخیص مصلحة النظام والتوجيهات المتعلقة بمجلس صيانة الدستور؛ لكي يستطيعوا تمهيد الطريق للتشريع بناءً على المصلحة والأحكام الثانوية وما شابه ذلك (وهي من إنجازات الفقه السياسي المعاصر).

وقد أدى هذا التوجه إلى عدم الشعور بأي مأزق حقيقي عند إقرار القوانين المتعلقة بالعمليات المصرفية، والضرائب، والمباحث السكانية، والمعاهدات الدولية، والموضوعات المشابهة. وعلى الرغم من أن مخرجات الفقه في هذه المجالات قد تتطلب مزيداً من التعميق والبحث، إلا أن أحداً لم يكن يشعر بوجود مأزق؛ وبارة أخرى، لم تكن لديه على الأقل هذه النظرة بأن الفقه يمر بمأزق، بل كان يعتقد أن على الفقهاء بذل المزيد من الجهد والبحث. ولتقديم إجابة دقيقة عن هذا السؤال، إذا قمنا بدراسة الاستفتاءات الحقوقية-الفقهية (التي أُحيلت مثلاً من قبل السلطة القضائية إلى مكتبه)، ومقررات مجمع تشخيص مصلحة النظام ومصادقاته بدقة أكبر، فإنه يمكن تقديم إجابة أكثر دقة.