حجة الإسلام والمسلمين الدكتور سعيد فراهاني فرد، في حوار خاص مع "الفقه المعاصر":

تجلیات الفقه فی تسخیر الاقتصاد لخدمة الشعب/33

إذا اقتصرت الحكومة على أداء دور المُنظِّم والمُشرف (أي تجديد الموارد وتوجيهها، مع ترك ميدان العمل للشعب)، فإن هذا الإجراء يصب بالكامل في خدمة شعبنة الاقتصاد؛ أما إذا حلت الحكومة محل الشعب مباشرة وقلصت من دورهم الاجتماعي الفاعل، فإن هذا المسار سيتحول حينئذٍ إلى ضد شعبنة الاقتصاد.

إشارة: إلى جانب قيادته للثورة الإسلامية الكبرى، أسس الإمام الخميني مؤسسات وهياكل متعددة في إيران. وكان جزء من هذه المؤسسات والهياكل في المجال الاقتصادي. وعلى سبيل المثال، في السنوات الأولى للثورة، تأسست مؤسسات مثل مؤسسة المستضعفين والمضحين (المحاربين القدامى)، ولجنة إمداد الإمام الخميني، ومؤسسة ١٥ خرداد، وغيرها. والآن فإن السؤال المطروح هو: هل كان تأسيس هذه المؤسسات في اتجاه شعبنة الاقتصاد (إضفاء الطابع الشعبي على الاقتصاد) أم أن الهدف كان شيئاً آخر؟ والسؤال الثاني: هل نجحت هذه المؤسسات في تحقيق شعبنة الاقتصاد؟ وحول هذا الموضوع، أجرينا حواراً مع حجة الإسلام والمسلمين الدكتور سعيد فراهاني فرد، رئيس كلية العلوم الاقتصادية والإدارية بجامعة قم. وهو الذي يدرس ويجري البحوث في الاقتصاد الإسلامي منذ عدة عقود، ويعتقد أن المؤسسات الاقتصادية الثورية، وإن تأسست في البداية بهدف شعبنة الاقتصاد، إلا أنها كُبِّلَت لاحقاً بالهيكل الحكومي. كما تحدث عن تجارب الدول الأخرى في شعبنة الاقتصاد. وفيما يلي نص الحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” مع هذا الأستاذ والباحث في الاقتصاد الإسلامي بين أيديكم:

الفقه المعاصر: كيف تقيمون دور المؤسسات الاقتصادية الثورية في شعبنة الاقتصاد؟

فراهاني فرد: تأسست معظم المؤسسات الثورية في بداية الثورة بصورة تلقائية وبدوافع غير مادية. وبالنظر إلى أن الأجهزة الحكومية والوزارات القائمة لم تكن تمتلك الهيكلية اللازمة لمواكبة الحركة الثورية للشعب، فقد أُوجدَت بمبادرة من الإمام الخميني أرضيات ليستطيع الشعب نفسه التطوع بدوافع جهادية لتحقيق أهداف الثورة الإسلامية، والتي كان أهمها رعاية المحرومين وإيجاد العدالة بين عموم طبقات الشعب. وفي الحقيقة، كان من المقرر لهذه المؤسسات أن تكون نموذجاً للأجهزة الحكومية. وعلى سبيل المثال، كانت “جهاد البناء” في بداية تأسيسها تضم لجانًا تُكمل كل منها عمل إحدى الوزارات القائمة، وتنشط في المجالات الزراعية، والإعمارية، وإمدادات المياه، وبناء الطرق، وغيرها، وتعمل بصورة جهادية ولا سيما للقرى النائية وسكانها المحرومين.

الفقه المعاصر: ما هي الوظيفة الخاصة للحكومة الإسلامية لشعبنة الاقتصاد؟

فراهاني فرد: يمكن إحصاء الوظيفة الخاصة للحكومة الإسلامية في هذا الموضوع ضمن عدة محاور:

أ) رسم السياسات والتوجيه الكلي:
تحديد السياسات العامة في اتجاه شعبنة الملكية والإدارة الاقتصادية، مثل المادة ٤٤ من الدستور، والقوانين السيادية العليا كوثيقة الرؤية المستقبلية والاقتصاد المقاوم؛
صياغة وإقرار القوانين الداعمة لمشاركة آحاد المجتمع في الأنشطة الاقتصادية (التعاونيات، الوقف، القرض الحسن)؛
رسم السياسات في مجال العدالة في توزيع الموارد الطبيعية والمالية والائتمانية.

ب) التنظيم والإشراف:
الوقاية من الاحتكار، والريع، والفساد في استغلال الأنفال والموارد العامة؛
الإشراف على المؤسسات العامة والخاصة لكي تعمل في إطار مصالح المجتمع.

ج) التسهيل والتمكين:
توفير أرضية المشاركة الشعبية في الاقتصاد (دعم التعاونيات، المنشآت الصغيرة، والأعمال التجارية المحلية)؛
تمكين الفئات المحرومة والمتوسطة للحضور الفاعل في السوق عن طريق التدريب، والتسهيلات المالية، والبنى التحتية.

وباختصار، فإن الوظيفة الخاصة الرئيسية للحكومة الإسلامية في شعبنة الاقتصاد هي إيجاد آلية يكون للشعب فيها دور حقيقي في الملكية، والإدارة، والاستفادة من الموارد العامة، وتؤدي الدولة دور الأمين، والمُنظِّم، والمُيسِّر. ويبدو أن أهم وظيفة خاصة صُمِّمَت من قبل النظام لشعبنة الاقتصاد هي تحقيق الاقتصاد المقاوم الذي يتضمن في ثناياه الاستقلال الاقتصادي وتعزيز الإنتاج الوطني أيضاً.

الفقه المعاصر: هل يمكن تفسير إنشاء زهاء ٨ مؤسسات اقتصادية شعبية من قبل مؤسس الثورة، من قبيل لجنة إمداد الإمام الخميني، ومؤسسة ١٥ خرداد، وهيئة تنفيذ أفق الإمام، ومؤسسة المستضعفين والمضحين، في إطار مساعي فقيه لشعبنة الاقتصاد، أم أن هناك أسباباً أخرى؟

فراهاني فرد: كما أُشير في السؤال الأول، فإنه فضلاً عن هدف شعبنة الاقتصاد، فإن إيجاد هيكل ثوري ونموذج جديد للأجهزة الحكومية، ورفع الحرمان عن المجتمع ولا سيما القرويين، وإيجاد وصول الفئات المحرومة إلى الموارد والفرص الاقتصادية، وإيجاد العدالة والتضامن بين مختلف فئات المجتمع، كانت أيضاً من أهداف تأسيس هذه المؤسسات. وفي الحقيقة، فإن هذه الأمور كلها كانت تمهد لتحقيق المجتمع الإسلامي بناءً على القيم والمباني الدينية.

الفقه المعاصر: هل جعل المؤسسات الاقتصادية الشعبية حكومية، من قبيل “وجوب دفع الخمس لولي الفقيه”، و”السعي لتجميع الصدقات في لجنة إمداد الإمام الخميني”، وإنشاء هيئات حكومية مختلفة لجمع النذور، والفطرة، والزكاة، يصب في اتجاه شعبنة الاقتصاد أم في الاتجاه المعاكس؟

فراهاني فرد: ينطوي تصدي الحكومة لهذه الأمور على نقاط قوة ونقاط ضعف:

تتمثل نقاط القوة فيما يلي:
تمركز الحقوق الشرعية والصدقات في المؤسسات الرسمية يمكن أن يمنع التشتت والاستغلال والازدواجية في العمل، ويؤدي إلى الشفافية والعدالة في التوزيع؛
إنفاق الموارد الحاصلة من الحقوق الشرعية بجمال وعدالة في المصالح العامة؛
عندما يشعر الناس أن حقوقهم الشرعية وصدقاتهم تُنفق في المسار الصحيح ولصالح العموم، تزداد ثقتهم العامة ومشاركتهم.

كما يمكن إحصاء الأمور التالية بوصفها نقاط ضعف لهذا الأمر:
إذا حلت المؤسسات الحكومية محل المبادرة الشعبية بالكامل، تضعف روح المشاركة الشعبية؛
مع إضفاء الطابع الرسمي والحكومي على هذه الأمور، يزداد خطر البيروقراطية، والبطء، والفساد الإداري؛
يؤدي هذا العمل إلى تضعيف المؤسسات الشعبية التقليدية كالمساجد، وال هيئات، والشبكات المحلية التي تولت لقرون مهمة جمع وتوزيع الصدقات والنذور؛

وفي المجموع، إذا اقتصرت الحكومة على أداء دور المُنظِّم والمُشرف (أي تجسيد الموارد وتوجيهها، مع ترك ميدان العمل للشعب)، فإن هذا الإجراء يصب بالكامل في خدمة شعبنة الاقتصاد؛ أما إذا حلت الحكومة محل الشعب مباشرة وقلصت من دورهم الاجتماعي الفاعل، فإن هذا المسار سيتحول حينئذٍ إلى ضد شعبنة الاقتصاد.

وللأسف، فإن المؤسسات التي تأسست في بداية الثورة بهدف شعبنة الاقتصاد وإيجاد نموذج ثوري وجهادي، أصبحت هي نفسها لاحقاً مكبلة بالهيكل الحكومي، ومن أمثلة ذلك “جهاد البناء” التي فقدت طبيعتها الثورية بعد دمجها في وزارة الزراعة.

الفقه المعاصر: كيف كانت تجربة الدول والنظم الاقتصادية الأخرى في شعبنة الاقتصاد؟ هل كانت عبر التأسيس الفعلي والفاعلية أم عبر أداء الدور التوجيهي والإشرافي؟

فراهاني فرد: جُرِّبَت كلا الطريقتين في العالم. فقد بادرت الدول الاشتراكية مثل الاتحاد السوفيتي، والصين، ودول أمريكا اللاتينية فشعبنة الاقتصاد إلى إنشاء مؤسسات مثل التعاونيات، والكومونات القروية، والصناديق الاجتماعية.

ولكن الدول الأوروبية، في إطار نموذج التنظيم والدعم، حسعَى لتوفير الأرضية والإطار للعمل، وترك العمل للشعب، والتعاونيات، ومنظمات المجتمع المدني. وفي هذا النموذج، تؤدي الدولة دور “الحامي والمُنظِّم” لا المنفذ المباشر.

كما استخدمت الدول الآسيوية مثل كوريا الجنوبية وماليزيا النموذج القائم على المشاركة؛ مثل تعزيز الشركات الصغيرة والمتوسطة بالقروض الميسرة، والسياسات الداعمة كإشراك الأقلية الفقيرة في ملكية الشركات عن طريق مشاريع الأسهم الشعبية.