إشارة: إن الكرامة الإنسانية، وإن كانت تمتلك سابقاً عريقاً في اللاهوت الإسلامي مفردةً ومفهوماً، إلا أنه قلما طُرِحَت بوصفها قاعدة فقهية وتُعد موضوعاً حديث العهد. وإن تبلور الكرامة الإنسانية بوصفها قاعدة فقهية لا يؤدي إلى تنشئة أحكام كثيرة فحسب، بل ينفي أيضاً الأحكام التي تخالف هذه القاعدة وتتعارض مع الكرامة الإنسانية. ويعتقد حجة الإسلام مرتضى موسى پور، الأستاذ في السطوح العالية بحوزة قم العلمية، أن الأثر الأول لهذه القاعدة هو حرمة تحقير الذات/امتهان النفس وقبول هوان الآخرين. وبحسب هذا الباحث الحوزوي، فقد وقعت على مر التاريخ إساءات استخدام كثيرة لهذا المفهوم مما أدى إلى حالات متنوعة من الإفراط والتفريط فيه. وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” مع هذا الأستاذ والباحث في حوزة قم العلمية حول موضوع الأحكام الفقهية المخالفة لحق الكرامة الإنسانية بين أيديكم:
الفقه المعاصر: ما هي أشهر آية متعلقة بالكرامة الإنسانية، وما هو مضمونها؟
موسى پور: أشهر آية في هذا المجال هي الآية ٧٠ من سورة الإسراء التي تقول: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}. وفي هذه الآية، يتحدث الله تعالى صراحة عن كرامة بني آدم ويبين أن البشر يمتلكون التفضيل على سائر المخلوقات. وهذا التفضيل إنما هو بفضل قوة التعقل والقدرة على تمييز الحق من الباطل والخير من الشر، مما يتيح للبشر الاستفادة المثلى من النعم الإلهية.
الفقه المعاصر: هل تشير آيات أخرى في القرآن إلى تفضيل الإنسان؟
موسى پور: نعم، تطرقت آيات أخرى أيضاً إلى هذا الموضوع. وعلى سبيل المثال، تقول الآية ٤٧ من سورة البقرة: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}. وبالطبع كان هذا التفضيل لبني إسرائيل على أهل زمانهم، وفي آيات أخرى عرّف الله المسلمين بأنهم خير أمة. كما جاء في الآية ٢٠ من سورة لقمان: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}. وفي هذه الآية، يبين الله أن كل ما خُلق في السماوات والأرض قد سُخِّر للإنسان ليستفيد من النعم الإلهية.
الفقه المعاصر: كيف بُيِّنَت مراحل خلق الإنسان في القرآن؟
موسى پور: في الآية ١٤ من سورة المؤمنون، بُيِّنَت مراحل خلق الإنسان بالتفصيل: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}. وفي هذه الآية، أشار الله إلى المراحل المختلفة لخلق الإنسان وفي النهاية عرّف الإنسان بأنه أحسن مخلوقاته.
الفقه المعاصر: بالنظر إلى هذه الآيات، ما هي الواجبات التي تقع على عاتقنا تجاه الكرامة الإنسانية؟
موسى پور: بالنظر إلى الكرامة التي منحها الله للإنسان، تقع واجبات على عاتق الإنسان. وتتضمن هذه الواجبات صيانة الكرامة الإنسانية الذاتية وكرامة الآخرين. يجب على الإنسان الابتعاد عن أي شكل من أشكال تحقير الذات وقبول الهوان، وأن يحفظ مقامه الإنساني السامي. كما يجب عليه التورع عن الذنب والجدال مع الحق وأن يمتلك الغيرة والحمية لكي لا يطأ كرامته أقدام الضياع. فضلاً عن ذلك، فإن الإنسان مكلف بصيانة كرامة الآخرين، والابتعاد عن التحقير اللساني والظلم تجاه الآخرين، وأن يحب للآخرين ما يحبه لنفسه.
الفقه المعاصر: ما هو معيار تفاضل البشر في القرآن؟
موسى پور: معيار تفاضل البشر في القرآن هو الإيمان والتقوى. فالآية الكريمة {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} تصرح بأن تفاضل البشر عند الله إنما هو قائم حصراً على مقدار تقواهم وإيمانهم، ولا يوجد أي تفاضل بناءً على النژاد، أو القومية، أو اللغة، أو لون البشرة.
الفقه المعاصر: ما هي العوامل التي يمكن أن تضر بالكرامة الإنسانية؟
موسى پور: يمكن لعوامل مثل الفقر والحاجات المادية والاجتماعية أن تضر بالكرامة الإنسانية. وقد تجبر هذه العوامل الإنسان على قبول الهوان. وللمواجهة هذه الأضرار، يجب على الإنسان التحلي بالقناعة والاعتماد حصراً على الله تعالى.
الفقه المعاصر: ما هي مكتسبات الكرامة الإنسانية وثمارها؟
موسى پور: للكرامة الإنسانية مكتسبات قيمة، ومنها الاستهانة بالدنيا وقناعة النفس. وبناءً على فرمودة أمير المؤمنين علي عليه السلام، فإن القناعة تؤدي إلى عزة النفس وصيانة الكرامة الإنسانية. كما أن التودد، والعفو، والتضحية، والإيثار تجاه الآخرين هي من المكتسبات الأخرى للكرامة الإنسانية التي تؤدي إلى الارتقاء بهذه الكرامة.
الفقه المعاصر: هل وقعت إساءات استخدام لمفهوم الكرامة الإنسانية؟
موسى پور: نعم، على مر التاريخ، وقعت إساءات استخدام لمفهوم الكرامة الإنسانية. إذ أُصيب بعض الأفراد بالإفراط واتجهوا نحو “عبادة الإنسان”، كأتباع مذهب النزعة الإنسانية (الأومانيسم) الذين ناهضوا الخالق والمُعطي للكرامة واعتبروا الإنسان كائناً كاملاً بذاته. وقصر آخرون الكرامة الإنسانية على فئات خاصة واعتبروا لهم حقوقاً ممتازة، كتقسيم المواطنين إلى درجات أو التمييز بين الرجال والنساء. وقد نفى القرآن الكريم هذه الإساءات بالآية الكريمة {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} وأكد على العدالة والمساواة بين البشر.
الفقه المعاصر: كيف يمكن صيانة الكرامة الإنسانية بنحو كامل؟
موسى پور: لصيانة الكرامة الإنسانية، يجب على البشر الرجوع إلى فطرتهم النقية والأصيلة واتباع الأوامر الإلهية. ويقدم الدين الإسلامي بوصفه أحدث الأديان الإلهية خريطة طريق كاملة لصيانة الكرامة الإنسانية. ومع ظهور الإنسان الكامل، الإمام المهدي الموعود (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ستبلغ البشرية كمالها الحقيقي وكرامتها الإلهية إن شاء الله.
