إشارة: يواظب حجة الإسلام والمسلمين الدكتور يعقوب علي برجي منذ زهاء عقدين على التدريس والبحث بنحو جاد في فقه البيئة والموارد الطبيعية. وتُعد تأليفاته المقالات المتعددة، ومنها “الموسوعة الإسلامية للزراعة والموارد الطبيعية والبيئة”، جزءاً من جهوده في هذا المجال. وقد أجرينا معه حواراً حول الحمايات الفقهية للموارد الطبيعية. وهو في الوقت الذي يعتبر فيه فتاوى الفقهاء في مجال حماية صيانة الموارد الطبيعية غير كافية أو غير صريحة، يرى أن المصادر الدينية قد أولت اهتماماً كبيراً لهذا الأمر، ويمكن عن طريق هذه المصادر إصدار فتاوى مؤشرة في اتجاه حماية الموارد الطبيعية وصيانتها. وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” مع عضو المجلس العلمي لفرع “فقه البيئة والموارد الطبيعية” في معهد دراسات الفقه المعاصر بين أيديكم:
الفقه المعاصر: كيف تقيمون الحمايات الفقهية للموارد الطبيعية وفتاوى الفقهاء في حماية صيانة الموارد الطبيعية؟
برجي: يمكن تقسيم فتاوى فقهاء الإسلام بشأن الحفاظ على الموارد الطبيعية إلى عدة فئات عامة:
أ) الأحكام المتعلقة بالحفاظ على الموارد الطبيعية ومنع تخريبها:
-
حرمة الإفساد في الأرض؛ [١]
-
النهي عن قطع الأشجار من دون ضرورت؛ [٢]
-
منع تلوث المياه. [٣]
ب) الأحكام المتعلقة بالاستغلال المعقول للموارد:
-
أصل حيازة المباحات مع مراعاة المصالح العامة؛ [٤]
-
قاعدة لا ضرر ولا ضرار. [٥]
الفقه المعاصر: هل يعود جزء من أزمة اندثار الموارد الطبيعية إلى الفتاوى غير الكافية أو غير الصريحة للفقهاء في منع الاستخدام المفرط للموارد الطبيعية، أم أن فتاوى الفقهاء لم يكن لها دور كبير في هذه الأزمة؟
برجي: يبدو أن المشكلة الرئيسية ليست في نقص الفتاوى أو قصورها، بل في الأمور التالية:
أ) عدم التطبيق الصحيح للأحكام الموجودة؛
ب) قلة الاهتمام بالجوانب الاجتماعية والجيلية للأحكام؛
ج) غلبة النظرة الفردية في تفسير الأحكام.
وبالطبع لا يعني هذا أن فتاوى الفقهاء المتعلقة بالبيئة كانت كافية وصريحة؛ بل لأنه في ذلك الزمان لم تكن مسألة البيئة مطروحة بوصفها مسألة رئيسية للبشر والإنسان، ولذا لم تُنْتَج فتاوى جادة في هذا الصدد أيضاً.
الفقه المعاصر: بالنظر إلى أنكم تعتبرون فتاوى الفقهاء في حماية صيانة الموارد الطبيعية غير صريحة أو غير كافية، ما هي المباني والافتراضات المسبقة التي ترونها مدخلة في هذا الأمر؟
برجي: تتمثل المباني والافتراضات المسبقة المؤثرة في هذا التوجه لدى الفقهاء تجاه مسألة الموارد الطبيعية في الأمور التالية:
غلبة التوجه الفقهي الفردي على الفقه الاجتماعي؛
عدم الاهتمام الكافي بمقاصد الشريعة في الحفاظ على الموارد الطبيعية؛
قلة الاهتمام بأصل أمانة الإنسان في الأرض. [٦]
الفقه المعاصر: هل كانت مقولات مثل “عدم القول بالملكية عبر الجيلية للموارد الطبيعية”، و”عدم الإلمام الكافي بالقيم والوظائف المهمة للموارد الطبيعية”، و”عدم الإلمام الكافي بالطبيعة الرأسمالية والأمنية للموارد الطبيعية”، و”التوجه الفردي والجزئي تجاه الموارد الطبيعية”، مؤثرة في عدم صدور فتوى صريحة وجادة من الفقهاء بوجوب الحفاظ على الموارد الطبيعية؟
برجي: يبدو أنه يجب تحليل كل مقولة من هذه المقولات بنحو منفصل. وعلى سبيل المثال، فيما يتعلق بمسألة الملكية عبر الجيلية وعدم اهتمام الفقهاء بها، يجب القول: إن هذا الموضوع حظي باهتمام أقل في الفقه التقليدي، ولكن توجد شواهد عليه في الآيات والروايات. وعلى سبيل المثال، أُشير إلى ذلك في الآية الكريمة {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [٧] والروايات المتعلقة بحق عموم الناس في الموارد الطبيعية [٨].
أو فيما يتعلق بعدم إلمام الفقهاء بالقيم والوظائف المهمة للموارد الطبيعية، يجب القول: إن الواقع هو أن الفقهاء المتقدمين—بسبب الظروف الزمانية—لم يمتلكوا فهماً كاملاً للأبعاد البيئية المعقدة وللموارد الطبيعية، ولكنهم بينوا الأصول العامة للحفاظ على هذه الموارد.
الفقه المعاصر: لدعم علم الفقه للموارد الطبيعية بنحو أفضل، ما هي الحلول والمقترحات التي لديكم؟
برجي: في هذا الصدد، تخطر بالبال الحلول والمقترحات التالية:
-
صياغة فقه الموارد الطبيعية برؤية شاملة: في صياغة هذه المجموعة، يلزم أولاً الاهتمام بمقاصد الشريعة في الحفاظ على البيئة، وثانياً الاستعانة حتماً بآراء الخبراء عند إصدار الفتوى. [٩]
-
تعزيز التوجه الاجتماعي في استنباط الأحكام: في هذا الصدد، يجب فضلاً عن الاهتمام بالمصالح العامة إلى جانب الحقوق الفردية، عدم الغفلة عن مراعاة حقوق الأجيال القادمة في الموارد الطبيعية. [١٠]
-
إعادة النظر في مفهوم ملكية الموارد الطبيعية: يبدو أنه من الضروري إجراء إعادة نظر أساسية في مفهوم ملكية الموارد الطبيعية. وفي هذه الإعادة، يجب التأكيد على جانب أمانة الإنسان تجاه الموارد الطبيعية بدلاً من الملكية المطلقة لهذه الموارد. كما يجب مراعاة حق عموم الناس في الاستفادة من الموارد الطبيعية بالكامل، ولا ينبغي تخصيص الاستفادة من هذه الموارد بفئة خاصة. [١١]
-
صياغة قواعد فقهية خاصة بالموارد الطبيعية: تساعد صياغة القواعد الفقهية على إضفاء المزيد من النظام والانضباط على فقه الموارد الطبيعية. وعلى سبيل المثال، يمكن طرح قاعدة “الحفاظ على التوازن الإيكولوجي” أو قاعدة “المسؤولية عبر الجيلية”. [١٢]
-
ارتقاء وعي الفقهاء بقضايا الموارد الطبيعية: إن جزءاً مهماً من المشكلات الفقهية وعدم صدور فتاوى مؤثرة حول الموارد الطبيعية ينشأ من عدم الوعي الدقيق لدى الفقهاء بالقضايا المرتبطة بهذه الموارد والآثار المترتبة على عدم الحفاظ عليها. وفي هذا الصدد، يلزم عقد ندوات تخصصية والتفاعل الجاد والواقعي مع المتخصصين في الموارد الطبيعية والبيئة. [١٣]
وبشكل عام، يمكن القول: يمتلك الفقه الإسلامي طاقات غنية لحماية الموارد الطبيعية، ولكنه بحاجة إلى: ١. إعادة قراءة معاصرة للمصادر ٢. الاهتمام بالأبعاد الاجتماعية للأحكام ٣. فهم أعمق للقضايا البيئية ٤. الصياغة الممنهجة لفقه الموارد الطبيعية.
[١] المائدة: ٣٣.
[٢] وسائل الشيعة، ج ١٧، ص ١٥٣.
[٣] من لا يحضره الفقيه، ج ١، ص ١١٦.
[٤] المكاسب (الشيخ الأنصاري)، ج ٣، ص ٢٧٤.
[٥] أصول الكافي، ج ٥، ص ٢٩٤.
[٦] البقرة: ٣٠.
[٧] هود: ٦.
[٨] وسائل الشيعة، ج ٢٥، ص ٤١٠.
[٩] دراسات في الفقه المعاصر، آية الله المعرفة، ج ٢، ص ١٨٧.
[١٠] نظام الحقوق البيئية في الإسلام، محقق داماد، ص ١٤٥.
[١١] فقه البيئة، يوسف القرضاوي، ص ٢٣٤.
[١٢] مقاصد الشريعة، الشاطبي، ج ٢، ص ٣٢٠.
[١٣] الاجتهاد في العصر الحاضر، مطهري، ص ١٦٧.
