إشارة: تُعد مسألة فاعلية الفقه في مواجهة التحولات الاجتماعية ومتطلبات الحوكمة من أهم هواجس الفقه المعاصر. وفي أحدث ندوة علمية لمعهد دراسات الفقه المعاصر، وإلى جانب طرح النموذج المقترح لإعادة تصميم هيكل علم الفقه، جرى نقد ودراسة النسبة بين الفقه والحوكمة، وتحديات الفقه التشريعي، وضرورة التحول الممنهج في أصول الفقه.
أفاد الموقع الإعلامي لمعهد دراسات الفقه المعاصر بانعقاد الندوة العلمية الحادية والثمانين بعد المائتين لهذا المعهد تحت عنوان “حوكمة علم الفقه بما يتناسب مع احتياجات المجتمع (الهيكل المطلوب للفقه المعاصر)” بهمة فرع “مبادئ الفقه المعاصر”، وذلك بعد ظهر يوم الأحد ٥ رمضان ١٤٤٧ هـ (الموافق ٣ إسبند ١٤٠٤ هـ.ش).
وفي هذه الندوة، أكد حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد رضا آصف آگاه الأشكتوري، العضو في فرع مبادئ الفقه المعاصر، عبر طرحه نظرية حول حوكمة علم الفقه، أن الهيكل الحالي للفقه ليس كافياً للاستجابة للاحتياجات المتنوعة للمجتمع المعاصر.
وصرح في بداية كلمته بتقديم تعريف للحوكمة قائلاً: “في التعريف المختار لدي، الحوكمة هي أسلوب التطبيق التشاركي للسلطة على ثلاثة مستويات: الدولة، والمؤسسات، والشعب؛ أي توزيع السلطة بين الفاعلين لتحقيق هدف مشترك”.
واعتبر هدف الحوكمة هو “إقامة الدين وتعبئة الموارد في سبيل تحقيق ذلك”، وموضحاً مفهوم “حوكمة العلم” أضاف: “إذا اعتبرنا العلم مؤسسة اجتماعية تضم الأستاذ، والباحث، والمنهج الدراسي، وهياكل إنتاج العلم، فحينئذٍ سيكون العلم قابلاً للتوجيه والإدارة، ونتيجة لذلك يمتلك القابلية للحوكمة”.
تركيز الندوة على هيكل علم الفقه
وأشار الأشكتوري إلى أن حوكمة علم الفقه تتضمن مجالات متعددة، موضحاً أن هذه الندوة تركز على “هيكل علم الفقه”. وبحسب رأيه، فإن هيكل علم الفقه هو “أسلوب ترتيب وتنظيم أجزاء العلم بناءً على ارتباط معقول ومنسجم للوصول إلى أهداف علم الفقه”.
ووفقاً لما ذكره عضو فرع مبادئ الفقه المعاصر، فقد جرى في بحث مستقل تحديد وتقييم زهاء ٤٠ نوعاً من الهياكل الفقهية في التراث الشيعي والسني، ولكن السؤال الرئيسي هو: أي هيكل يمكنه الاستجابة للاحتياجات الحالية للمجتمع؟
نظرية كون الفقه ثلاثي الهيكل
تمثل الجزء الأهم في كلمة حجة الإسلام والمسلمين آصف آگاه في تقديم نظرية “كون الفقه ثلاثي الهيكل”. ووفقاً لقوله، فإن هذه الهياكل الثلاثة هي:
- الفقه الاستدلالي (لإنتاج العلم الفقهي وتعميقه)،
- الفقه الفتوائي (لتوجيه عمل المكلفين)،
- الفقه التشريعي (لإدارة المجتمع والتشريع).
وصرح في هذا الصدد قائلاً: “الفقه أحادي الهيكل لا يمكنه العمل. الفقه هنا بحاجة إلى ثلاثة أنواع من الهياكل على الأقل؛ وإذا أردنا البقاء أحاديي الهيكل، فمن الظاهر أننا لن نتمكن من تلبية الاحتياجات”.
وأوضح: “المرحلة الأولى هي استنباط الحكم الشرعي الذي يتحقق في الفقه الاستدلالي؛ ولكن مخرجات هذه المرحلة يمكن أن تنقسم إلى فرعين: الفقه الفتوائي للتوجيه الفردي للمكلفين، والفقه التشريعي لإدارة المجتمع”.
نقد الهيكل الحالي للرسائل العملية
وفي جزء آخر من كلمته، أشار عضو فرع مبادئ الفقه المعاصر إلى الفاصلة بين بعض النصوص الفقهية واحتياجات اليوم للمجتمع قائلاً: “الرسائل العملية الحالية لم تُصمَّم بما يتناسب مع نمط حياة المكلفين اليوم ووظائفهم واهتماماتهم؛ وأدبياتها وهيكلها ينتميان عمدتاً إلى عقود ماضية ولا يقيمان تواصلاً فعالاً مع مخاطَب اليوم”.
كما أشار حجة الإسلام والمسلمين الأشكتوري إلى ضعف الفقه التشريعي وأضاف: “نستطيع تحقيق إدارة المجتمع التي هي من رسالات الفقه في الوقت الذي يكون فيه فقهنا التشريعي كفؤاً ويمتلك هيكلاً قانونياً منسجماً”.
اقتراح هيكل جدید للفقه الاستدلالي
وتابَعَ هذا الباحث في مجال الفقه المعاصر تبيين النموذج المقترح لديه لهيكل الفقه الاستدلالي بناءً على “الروابط الإنسانية”، وقال إن الفقه يجب أن يتنظم بناءً على أربعة محاور رئيسية: العلاقة مع الله، والعلاقة مع الذات، والعلاقة مع الآخرين، والعلاقة مع الطبيعة.
وبحسب قوله، يمكن من هذا التقسيم استخراج فروع متعددة مثل فقه السياسة، وفقه الاقتصاد، وفقه الثقافة، وفقه البيئة، والفقه الدولي، وفقه الحضارة، وفقه الصحة، وفقه الروحانية، وغيرها من الفروع التخصصية.
واستناداً إلى قاعدة “لكل واقعة حكم”، أكد قائلاً: “الفقه لا يختص بالسلوكيات الجوارحية؛ بل إن السلوكيات الجوانحية كالأفعال الذهنية والنفسية والروحية تقع أيضاً في نطاق الفقه”.
نقد النظرية ثلاثية الهيكل؛ من النسبة بين الفقه والحوكمة إلى تحدي الفقه التشريعي
وفي استمرار هذه الندوة، أشاد حجة الإسلام والمسلمين محمد رضا فلاح تفتي بوصفه ناقداً بطرح النظرية ثلاثية الهيكل، وأكد بالاستناد إلى “منشور الروحانية” للإمام الخميني (قده) على حيوية الفقه ودور الزمان والمكان في الاجتهاد.
وقرأ جزءاً من هذا المنشور مؤكداً: “الحكومة في نظر المجتهد الحقيقي هي الفلسفة العملية لجميع الفقه في كافة زوايا حياة البشرية… الفقه هو النظرية الحقيقية والكاملة لإدارة الإنسان والمجتمع من المهد إلى اللحد”.
وفي الوقت نفسه، طرح حجة الإسلام والمسلمين فلاح أسئلة حول النسبة بين “الفقه” و”الحوكمة” وقال: “هل جميع المجالات التي يتدخل فيها الفقه تقع أيضاً تحت مقولة الحوكمة؟ يبدو أن بعض المجالات مثل الخصوصية أو بعض الأفعال الجوانحية لا تقع لزوماً تحت الحوكمة، في حين أن للفقه رأياً فيها”.
واعتبر العلاقة بين الفقه والحوكمة في بعض المصاديق من قبيل “العموم والخصوص من وجه”، وأضاف: “إذا لم تقع جميع أجزاء الفقه تحت الحوكمة، فهل يمكن الحديث عن حوكمة علم الفقه بصورة موحدة؟”.
شرط تحقق الحوكمة؛ الهدف المشترك والفاعلون المحددون
وأشار الناقد لاحقاً إلى التعريف المقدم للحوكمة بوصفه “التطبيق التشاركي للسلطة”، واعتبر شرطين ضرورين لتحققه:
- وجود هدف مشترك بين أصحاب المصلحة،
- وضوح الفاعلين وحدود أدوارهم.
وتساءل: “هل يوجد في الفضاء الفعلي للفقه هدف مشترك بين القائلين بالفقه الحد الأدنى والفقه الحد الأقصى حتى نتمكن بناءً عليه من الحديث عن الحوكمة؟”
كما طرح إبهامات حول مفهوم “الشراكة” في فضاء الفقه القائم على علاقة العبد بالمولى، واعتبر موقع الشعب، والمؤسسات، والحاكمية في هذا النموذج بحاجة إلى تبيين أكثر دقة.
تحدي الفقه التشريعي والتحول في أصول الفقه
وفي جزء آخر من نقده، اعتبر عضو فرع مبادئ الفقه المعاصر تقسيم الفقه إلى استدلالي وفتوائي وتشريعي محلاً للتأمل، وصرح: “إذا كان الفقه التشريعي بمعنى إنتاج القانون، فهل يمتلك أصول الفقه الحالي القدرة على مثل هذا التحول؟ في الأنظمة التشريعية، تمتلك المصلحة ورأي الخبراء في العلوم الإنسانية موقعاً واضحاً؛ فهل هذا الموقع محدد في فقهنا بنفس القدر؟”
كما طرح سؤالاً مفاده “احتياجات أي مجتمع” أصبحت مبنى لتصميم الهيكل الجديد، مؤكداً أن الهيكل المقترح يجب أن يوضح نسبته مع المجتمعات المختلفة—سواء أكانت تمتلك حكومة أم لا.
انتقادات تكميلية؛ النسبة بين الهيكل والحوكمة
وفي استمرار الندوة، طرح حجة الإسلام والمسلمين حقاني فضل، مدير موسوعة الفقه المعاصر، أسئلة حول النسبة المباشرة بين “الحوكمة” و”هيكل العلم”، وقال: “لو لم نكن بصدد الحوكمة، فهل كان الهيكل المقترح سيتغير؟ إن الارتباط الدقيق لهذا الهيكل بالحوكمة لم يتضح لي”.
كما اعتبر التقسيم الثلاثي للفقه بحاجة إلى مزيد من التوضيح وقال: “الفقه التشريعي يقوم أيضاً على الاستدلال، والفتوى هي مخرجات الفقه الاستدلالي نفسه. ولذلك يجب أن يتضح هذا التفكيك إلامَ ينظر بدقة”.
رد الُمحاضِر؛ التركيز على حوكمة علم الفقه
في الجزء الأخير من الندوة، أكد حجة الإسلام والمسلمين الأشكتوري رداً على الانتقادات: “بحثنا ليس عن الحوكمة المطلقة، بل عن حوكمة علم الفقه؛ ومن بين المباحث الواسعة لحوكمة العلم، ركزنا حصراً على محور واحد وهو هيكل علم الفقه”.
وفكك بين “الحوكمة السياسية” و”حوكمة العلم”، مشيراً إلى أن هيكل علم الفقه هو أحد مؤلفات حوكمة علم الفقه، والهدف من النظرية ثلاثية الهيكل هو التنظيم الأثر كفاءة لإنتاج وتحويل وتطبيق علم الفقه على المستويين الفردي والاجتماعي.
وأوضح الأشكتوري بشأن الفقه التشريعي أيضاً: “الفقه التشريعي يكون تارة فرعاً من الفقه وتارة رؤية. وفي هذه الرؤية، يمكن لمخرجات الفقه الاستدلالي أن تتنظم—فضلاً عن الفتوى—في شكل قانون لإدارة المجتمع أيضاً”.
كما أكد على ضرورة استكمال وتنقيح أصول الفقه بما يتناسب مع التحولات الاجتماعية قائلاً: “التحول في الفقه يجب أن يكون قانونياً وفي إطار العقل والشرع، لا ذوقياً”.
خلاصة الندوة
في الخلاصة الختامية، أكد الأمين العلمي للندوة، حجة الإسلام والمسلمين الدكتور علي شريفی، على ضرورة استمرار مثل هذه المباحث النظرية وقال: الحوارات العلمية من هذا القبيل يمكن أن تمهد للتكامل التدريجي لنظريات الفقه المعاصر في مجال الحوكمة وتبيين الهيكل المطلوب لعلم الفقه. وأضاف: تُعقد الندوات العلمية لمعهد دراسات الفقه المعاصر بهدف توسيع المباني النظرية للفقه المعاصر تقديم إجابات ممنهجة للمسائل الحديثة. كما أكد على ضرورة إعادة التفكير في هيكل علم الفقه وتصميم نموذج يتناسب مع الاحتياجات الفردية والاجتماعية للمجتمع المعاصر.
