أستاذ الحوزة والجامعة السيد محمد علي أيازي، في حوار خاص مع "الفقه المعاصر":

حق الكرامة والمساواة الإنسانية من منظور الفقه/15

نظراً لوجود تخلف وإمكانيات أقل في المناطق المحرومة مقارنة بالمناطق المخدومة، فإن الحكومة تقدم تخصيص الميزانية تمنح ميزانية أكبر لهذه المناطق. وهذا الأمر يُعد تمييزاً إيجابياً ولا يتعارض مع العدالة؛ لأنه يأتي بهدف رغبة الحكومة في تمتع جميع المناطق بمستوى واحد من الرفاهية. ولكن يجب الانتباه إلى أن بحث "التمييز الإيجابي" لا ارتباط له أساساً بحقوق المواطنة؛ ولذلك فإن قبول التمييز الإيجابي في تخصيص الإمكانيات لا يتنافى مع لزوم مراعاة المساواة في حقوق المواطنة.

إشارة: عندما يُثار الحديث عن المساواة في حقوق البشر، يعتبرها البعض مرادفة لمعنى العدالة. هذا في حين أن العدالة لا تعني دائماً المساواة. وحول النسبة بين العدالة وحق المساواة الإنسانية، أجرينا حواراً مع الأستاذ السيد محمد علي أيازي. وهو يعتقد أنه وإن كانت حقوق المواطنة للبشر متساوية ببعضهم البعض سواء أكانوا مسلمين أم يهوداً أم بهائيين، إلا أن هذا لا يعني لزوم تماثل الإمكانيات الموضحة تحت تصرفهم. وبحسب هذا الأستاذ والكاتب في الحوزة والجامعة، فإن التمييز أحياناً—إذا كان إيجابياً—يُعد مصداقاً للعدالة. وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” مع هذا الأستاذ والباحث في حوزة قم العلمية بين أيديكم:

الفقه المعاصر: ما معنى حق التمتع بالعدالة، وهل المراد هو عدل الله في حق العباد، أم الحوكمة العادلة للسلطة تجاه الشعب، أم السلوك العادل للمواطنين تجاه بعضهم البعض؟

أيازي: أولاً، عندما نتحدث عن العدالة، ولا سيما مع النظر إلى القرآن—حيث لديَّ مؤلَف في هذا المجال بعنوان “القرآن والعدالة الاجتماعية”—يجب أن نعلم أن العدالة ليست بمعنى واحد. فالعدالة تكون تارة بمعني العدالة التكوينية التي تتمثل في كيفية خلق الله تعالى للوجود في نظام الخلقة؛ وتكون تارة أخرى بمعنى العدالة التشريعية؛ أي هل أن القوانين والأحكام التي جعلها الله بوصفه المشرّع الوحيد عادلة أم لا؟ وقد أحصيتُ في كتابي هذا ١١ نوعاً من العدالة؛ في حين أن بعض علمائنا أتوا وطرحوا معنى واحداً منها فقط. وعلى سبيل المثال، طرح الأستاذ الشهيد مرتضى مطهري “العدل الإلهي”، وطرح في باب العدل الإلهي مباحث كثيرة ترتبط أحياناً بالعدل التشريعي، ولكنها ناظرة أكثر إلى العدالة التكوينية. وأنا نفسي تطرقتُ أكثر إلى مسألة العدالة الاجتماعية التي هي أصل العدالة.

فإذن عندما نتحدث عن العدالة، لا ينبغي أن يكون قصودنا منها حصراً العدالة التي نطرحها بشأن الله، إلا إذا أردنا الحديث عن قوانین الله، حيث يمكننا في هذه الحالة مناقشة ما إذا كانت القوانين التي وضعها الله عادلة أم لا؟ ومسائل أخرى قد نتطرق إليها في استمرار المباحث.

ولكن تلك العدالة التي ربما تصبون إليها وتُعد محور الحوار، هي العدالة بين الناس، وهي العدالة الاجتماعية. وعنَدما يكون المراد من العدالة هي العدالة الاجتماعية، يتأتى طبعاً بحث حقوق الناس أيضاً. وفي هذا الصدد، فإن مبنانا الأولي هو أن البشر كلهم بشر، ولا توجد فضيلة في الإنسانية ذاتها، وجيع البشر خُلقوا من جوهر واحد. وبناءً على ذلك، لا يوجد تفاضل بينهم من أي جهة في جانب الحقوق، لا من جهة الجنس، ولا من جهة النژاد، ولا من جهة اللغة، ولا من جهة المنطقة الجغرافية، ولا من جهة لون البشرة. وعليه فإن جميع البشر يمتلكون بنحو متساوٍ حقوقاً مشتركة.

الفقه المعاصر: ما هي الفروق بين العدالة بوصفها حق مواطنة، والعدالة بوصفها قاعدة فقهية أو نظرية إسلامية؟

أيازي: عندما نتحدث عن العدالة بوصفها نظرية إسلامية، فإننا نتحدث عن النظرية الكلامية للعدلية الذين يعتقدون أن العدل سابق على الشرع؛ في مقابل الأشاعرة الذين يرى أن العدل لاحق للشرع. ومن منظور العدلية، فإن العدالة أمر سابق على الدين يجب أن تُوزَن الأحكام بناءً عليه، لا أن الأحكام الإلهية هي التي تحدد مصاديق العدالة. ولكن عندما نطرح العدالة بوصفها حق مواطنة أو قاعدة فقهية، فإن المسألة تختلف.

فعندما نعتبر العدالة قاعدة فقهية، فذلك يعني أنه يجب على الفقيه عندما يريد استنباط حكم ما أن ينتهي إلى حكم لا يخالف العدالة. هذا في حين أن بعض الفقهاء، بمجرد وجود آية أو رواية، يستنبطون أحياناً أحكاماً تخالف العدالة، ولا أهمية لهذه النقطة عندهم. وهذا هو مسلك الأشاعرة نفسه. ووفقاً لمسلك العدلية، إذا كان الحكم مخالفاً للعدالة، فيجب التأمل فيه وتغييره أو تأويله. وفي المباحث الكلامية، عندما تكون ظواهر بعض الأدلة كبعض الآيات القرآنية تفيد أمراً مثل جسمانية الله المخالفة لمبانينا الكلامية، مثل {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} أو {الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ}، فإننا نتأول ذلك الدليل فوراً؛ وهنا أيضاً عندما يكون ظاهر دليل ما مخالفاً للعدالة يجب تأويله. فعلى سبيل المثال، إذا كان ظاهر رواية ما يفيد جواز بهت المخالفين وسبهم، فيجب تأويل هذا الدليل؛ لأنه يخالف العدالة. فلا يمكن اتهام شخص لم يسرق بالسرقة بمجرد أنه في نظرنا من أهل البدع؛ بل يجب تأويل هذه الرواية إلى معنى آخر. والسبيل الآخر في مواجهة هذا القبيل من الروايات هو عرضها على القرآن بموجب روايات لزوم العرض على القرآن، ولأن العدالة هي إحدى الأصول الأولية للقرآن وهذه الرواية تخالف هذا الأصل، فإننا نضرب بها عرض الحائط.

وبناءً على ذلك، فإن للعدالة بوصفها قاعدة أثرين: الأول أنه يؤثر في فهمنا للأحاديث، والآخر أنه يُستخدم كدليل في مقام الاستنباط. فعلى سبيل المثال، إذا كانت لدينا روايتان إحداهما توافق العدالة والأخرى تخالف العدالة، فإن مرجحات باب التعادل والتراجيح تقول: رَجِّح تلك الرواية التي توافق العدالة على الأخرى واعمل بها. وعلى سبيل المثال في المادة/الآية ٢٩ من سورة التوبة التي تقول: {حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}، فإن أحد معاني “صاغرون” هو “أنهم ملتزمون”، أي إن أهل الكتاب يدفعون الجزية بمعنى أنهم مواطنون صالحون يؤدون ماليّاتهم، كما فسر ذلك الشيخ الطوسي في التبيان وآخرون أيضاً. وهناك معنى آخر وهو أن تحقروهم وتضربوا على رؤوسهم وتذلوهم. فهذا المعنى يخالف العدالة. وهنا تقول قاعدة العدالة: اختر ذلك المعنى الذي يوافق العدالة لا المعنى الذي يخالفها.

أما العدالة بالنسبة لحقوق المواطنة، فهي بمعنى أن جعل القوانين وتطبيقها يجب أن يكون بنحو منضبط وبضوابط بين المواطنين. وكذلك الأمر بالنسبة للقضاء؛ حيث يجب التصرف وفقاً للعدالة.

الفقه المعاصر: هل يسعى حق المساواة الإنسانية مجرداً إلى مساواة البشر في الحقوق حتى وإن كانت هذه المساواة في الظلم؟ أم أنه يشمل أيضاً عدالة السلوكيات؟

أيازي: برأيي، هذا السؤال معقد قليلاً. إذا كنتم تريدون القول إن المساواة في الحقوق لا تتناسب أحياناً مع العدالة، فإن في هذا القول إشكالاً فنياً. والإشكال هو أن المساواة في الحقوق تختلف عن المساواة في الإمكانيات. فكون الحكومة تضع للمكفوفين إمكانيات خاصة كأن تخصص لهم سيارات وأرصفة خاصة أو تؤسس لهم مدارس خاصة، فإن هذه بعدم المساواة الظاهرية لا تقع في زمرة الحقوق لتكون محل نقاش في هذا البحث. حق المساواة الإنسانية يتعلق بالحقوق؛ مثل أن يكون للشخص الساكن في أعالي المدينة والشخص الساكن في أسفل المدينة حقوق متساوية. ومن هذا المنظور، أي عندما ننظر إلى حق المساواة الإنسانية من زاوية الحقوق، فيجب القول إن المساواة هنا تساوِي العدالة.

وبالطبع نُعَبِّر أحياناً عن بعض الأمور بـ “التمييز الإيجابي”؛ فمثلاً نظراً لوجود تخلف وإمكانيات أقل في المناطق المحرومة مقارنة بالمناطق المخدومة، فإن الحكومة عند تقسيم الميزانية تخصص ميزانية أكبر لهذه المناطق. وهذا الأمر يُعد تمييزاً إيجابياً ولا يتعارض مع العدالة؛ لأنه يأتي بهدف رغبة الحكومة في تمتع جميع المناطق بمستوى واحد من الرفاهية. ولكن يجب الانتباه إلى أن بحث “التمييز الإيجابي” لا ارتباط له أساساً بحقوق المواطنة؛ ولذلك فإن قبول التمييز الإيجابي في تخصيص الإمكانيات لا يتنافى مع لزوم مراعاة المساواة في حقوق المواطنة.

الفقه المعاصر: هل تقولون الأمر نفسه بشأن الظلم، وتعتبرون حصراً الظلم في الحقوق هو غير الصحيح؟

أيازي: نعم، وبالطبع قد يرى العُرف أحياناً شيئاً ما ظلماً بينما هو ليس ظلماً في الحقيقة؛ مثل التمييز الإيجابي الذي طرحناه والذي هو في الحقيقة نوع من المساواة. اسمحوا لي أن أضرب مثلاً. كما تعلمون، فإن الخروج من المنزل ليلاً أيسر للرجال منه للنساء. فمثلاً يستطيع الرجال ليلاً الخروج من المنزل بسهولة والذهاب مثلاً إلى المكتبة للمطالعة، ولكن هذا الأمر قد يترتب عليه بالنسبة للنساء مشكلات ومخاطر. فالآن لو وضعت الحكومة إمكانيات خاصة للنساء ليستطعن المطالعة ليلاً كالرجال دون انعدام للأمن، فإن مثل هذا الشيء ليس ظلماً بل هو نوع من التمييز الإيجابي. وفي أوروبا رأيتُ أنهم وضعوا للمعاقين أو المكفوفين إمكانيات خاصة كطرق خاصة ليستطيعوا التنقل بسهولة كالأفراد العاديين. فهذه الإمكانيات الخاصة ليست ظلماً للآخرين، بل هي تمييز إيجابي.

الفقه المعاصر: هل يختلف حق المساواة الإنسانية عن العدالة؟ وفي أي الأمور يكمن هذا الاختلاف؟

أيازي: نعم، يختلف أحياناً. فعلى سبيل المثال، حُدِّد في القانون للنساء الحوامل إجازة لمدة ٩ أشهر. ولكن لم تُحدد مثل هذه الإجازة للرجال. وبناءً على ذلك، لم تُراعَ المساواة في هذا الأمر، ولكن مع ذلك يراه الجميع أمراً عادلاً. أو إذا قال رجل إن مشكلة طارئة حدثت لزوجتي الآن ويجب أن أذهب، فإن جميع زملائه سيقولون إنه يجب إعطاؤه إجازة ويعتبرون هذا أمراً عادلاً. وبناءً على ذلك، فإن أصل لزوم مساواة الحقوق صحيح؛ ولكن هذا الأمر يكون غير صحيح في بعض الحالات ويُعد خلافاً للعدالة.

الفقه المعاصر: إذاً في الحقيقة، يختلف حق المساواة عن العدالة؟

أيازي: نعم، يختلف. وبالطبع يجب الانتباه إلى موقع الحق ومكانه أيضاً. فعلى سبيل المثال، فإن أجر الطبيب المتخصص الذي درس سنوات واكتسب التخصص ليس متساوياً ولا ينبغي أن يكون متساوياً مع العامل البسيط الذي لا يملك كثيراً من السواد؛ ولكن فيما يتعلق بحقوق المواطنة، يجب أن يمتلكا حقوقاً متساوية؛ ولذا إذا ذهبا إلى المحكمة فلا ينبغي أن يكون بينهما تمييز. ومن منظور حقوق المواطنة، فإن الإمام (ع) واليهودي لهما حكم واحد، وهما متساويان عند القاضي. وفي إحدى الروايات، عندما ذهب أمير المؤمنين ويهودي للتقاضي عند شريح القاضي، قال شريح: السلام عليك يا أمير المؤمنين! فقال له الإمام (ع): أنا هنا مساوٍ لهذا اليهودي، وخارج هذا المكان أنا أمير المؤمنين. وفي رواية أخرى، عندما وقع نزاع بين الإمام (ع) وشخص ما وأرادا المراجعة إلى القاضي، قال الإمام لمالك أن يذهب بدلاً عنه؛ لأنه قال: أخشى إذا ذهبتُ أن يراعي القاضي حالي ولا يراعي العدالة. فمن حيث حقوق المواطنة، لا يوجد أي تفاوت بين اليهودي والمسلم والبهائي مع بعضهم البعض.