إشارة: نبع تشكّل المدارس المتتمركِزة حول الإنسان، ومنها النزعة الإنسانية (الأومانية)، من النظرة الإطلاقية تجاه الإنسان ومتطلباته؛ حيث طرحت نفسها -تحت شعار الدفاع عن كرامة الإنسان- بوصفها الفكر الوحيد المدافع عن الحق الإنساني في العالم. وطبعاً لا يتطرق الشك إطلاقاً إلى لزوم الدفاع عن كرامة الإنسان، ولا تقتصر الدلالة على ذلك على التعاليم القطعية للأديان السماوية لا سيما الإسلام فحسب، بل إن العقل السليم يحكم بذلك أيضاً. لكن السؤال البنيوي الذي يبرز هنا هو: هل الهدف الأساسي في التفسيرات الوجودية للإنسان هو الوصول إلى الحقيقة الإنسانية أم أن الهدف شيء آخر؟ وبعبارة أخرى، إذا أدت النتائج المترتبة على الدراسات والاتجاهات الإنسانية في معرض وصف المقامات الإنسانية العالية وتبينها إلى نقطة مظلمة ومبهمة، أو غير متناسقة ومتعارضة مع الحقيقة الوجودية للإنسان، فهل يجب بالضرورة الالتزام بمثل هذه النتائج واللوازم؟ أم ينبغي البحث عن طريق آخر يبيّن الإنسان والكرامة الإنسانية بنحو واقعي وغير مبهم ولا متعارض مع الحقيقة الإنسانية؟
للتعرف على ماهية حق الكرامة الإنسانية، والدراسة المقارنة لمكانة هذا الأمر الهام في الفكرين الإسلامي والأوماني، وكذلك التبيين الواقعي لكرامة الإنسان، أجرينا هذا الحوار مع حجة الإسلام والمسلمين حسن رضائيمهر. وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” مع هذا الأستاذ والباحث في حوزة قم العلمية:
الفقه المعاصر: بالنظر إلى موضوع الحوار وهو دراسة حق الكرامة الإنسانية في النزعة الإنسانية (الأومانية) والإسلام، اسمحوا لنا أن نركز السؤال الأول على ماهية حق الكرامة الإنسانية وأنواعه؛ بمعنى أنه عندما يُطرح البحث عن حق الكرامة الإنسانية، ما المعنى المقصود؟ وهل يمكن لهذا الحق أن يمتلك صوراً متعددة؟
رضائيمهر: إذا اعتبرنا الحق بمعناه المتمثل في الامتياز الخاص الذي جعله الله لمخلوقاته، فمن المؤكد أن هذا الحق في مجال الكرامة الإنسانية يمكن أن يمتلك صورتين على الأقل. وطبعاً فإن فهم هذا الأمر يستلزم فهمنا لمفهوم الكرامة الإنسانية. وعادةً ما تعني الكرامة بالمعنى المرتبط بهذا البحث العِظَم وقيمية القدر، حيث يكون الفاعل الأساسي لهذا المعنى من الكرامة هو المقام القدسي للواجب بالذات. وبناءً عليه، فإن حق الكرامة يعني حق تعظيم الإنسان، وأن إكرام الإنسان وملاحظة قيمته الذاتية هو حق له جعله الله له ولسائر المخلوقات. وبناءً على هذا، وكما أن الإنسان بوصفه مخلوقاً من المخلوقات شُرّف بحق الكرامة، فإن المخلوقات الأخرى ومنها الحيوانات تتمتع أيضاً بحق الكرامة وتشملها هذه الفيض الإلهي. طبعاً، يتلقى كل مخلوق هذا الفيض بحسب وسعه الوجودي.
أما فيما يتعلق بأنواع الكرامة الإنسانية، فيجب القول إنه بالنظر إلى المصادر الدينية، تثبت للإنسان نوعان من الكرامة: أحدهما الكرامة الذاتية أو التكوينية، والآخر الكرامة الاكتسابية. الكرامة الذاتية تعني أن ذات الإنسان بما هو ذات، وبمنأى عن التعينات الوجودية، متلبسة بهذه الكرامة، وتعدّ هذه الموهبة إلهية عامة للنوع الإنساني.
الفقه المعاصر: هل أُشير إلى هذا النوع من الكرامة في المصادر الدينية؟
رضائيمهر: نعم؛ لقد حظيت الكرامة الذاتية للإنسان بالاهتمام في الآيات والروايات معاً. فعلى سبيل المثال، تدل الآية الكريمة ٧٠ من سورة الإسراء: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» على الكرامة الذاتية للإنسان؛ لأن البحث فيها يدور حول كرامة بني آدم وتفضيل بني آدم على «كثير ممن خلقنا». وإلى جانب إثبات الكرامة الذاتية للإنسان بهذه الآية، فإن هناك استيعاباً هاماً آخر يُستفاد منها، وهو أنه عندما يضع رب الأرباب حق الكرامة الذاتية للإنسان، فيجب على جميع البشر الاعتراف بهذه الفضيلة لبعضهم البعض كحق ورعايتها. ومن الآيات الأخرى المرتبطة، الآية الكريمة: «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي»؛ حيث أجرى الله وأعلن أكبر تكريم بحق بني آدم من خلال إضافة الإنسان إلى ذاته المقدسة. ومن جهة الروايات، يكفي ذکر مورد واحد، وهو كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمالك الأشتر حيث قال: «وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ… فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ»، وهو ما يدل على الكرامة الذاتية لبني آدم؛ لأنه يبيّن أن الناس صنفان: إما إخوة لك في الدين أو نظراء لك في الخلق. أي يا مالك! إن جميع الناس أهل للكرامة ويجب التعامل معهم بكرامة؛ وحتى لو لم يكونوا إخوتك في الدين، فهم متشابهون في الخلق ومن نوع واحد؛ أي إن الرعية غير الدينية يمتلكون حق الكرامة الذي يجب مراعاته بحقهم. وكما هو واضح، فإن هذه الفقرة ناظرة إلى الكرامة الذاتية للإنسان.
أما الكرامة الاكتسابية، فهي نوع من الكرامة يجب على الإنسان تحصيلها، وإذا لم يسعَ في طريق تحصيلها فلن ينالها؛ بخلاف الكرامة الذاتية الكامنة في تكوين الإنسان. وتنشأ هذه الكرامة من التلبس بالصفات الفاضلة وترك الرذائل، وفي هذا الصعيد يختلف البشر في حيثية القيمة والتكريم؛ ومن البديهي أن من لم يتخذ أي خطوة في مسار تهذيب النفس سيكون محروماً من التكريم الذي يسبغه الله وعباده على الإنسان المهذب، ولا يكون صاحب كرامة في هذا الاتجاه. ومن الأدلة الدالة على الكرامة الاكتسابية، الآية الكريمة: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ».
الفقه المعاصر: بالنظر إلى أنه يُستعمل في بعض الموارد «الكرامة الطبيعية» إلى جانب الكرامة الذاتية، يُرجى بيان هل تمتلك الكرامة الطبيعية اشتراكاً معنوياً مع الكرامة الذاتية أم أنها مفهوم مستقل عنها؟
رضائيمهر: بالنظر إلى أن الكرامة الطبيعية ناظرة إلى الكرامة الناشئة عن طبيعة الإنسان وحقيقته، فإنها لا تمتلك مفهوماً مستقلاً عن الكرامة الذاتية والتكوينية؛ لأن المراد بالكرامة الطبيعية هو الكرامة المرتبطة بطبيعة النوع الإنساني، وهي بعينها الكرامة الذاتية.
الفقه المعاصر: إحدى القضايا المطروحة بشأن حق الكرامة هي: تحت أي تصنيف من الحقوق يندرج هذا الحق؟ هل هو من حقوق الإنسان أم حقوق المواطنة أم غير ذلك؟ وقبل الدخول في بحث دراسة كرامة الإنسان في الرؤيتين الإسلامية والأومانية، يُرجى بيان رأيكم في هذا الخصوص أيضاً.
رضائيمهر: إذا أردنا صياغة الإجابة عن هذا السؤال في جملة واحدة، فهي أن حق الكرامة ليس من حقوق المواطنة ولا ينضوي تحت حقوق الإنسان؛ بل إن حق الكرامة هو المبنى والأساس لهذه الحقوق. أي إن حقوقاً مثل حق عدم التمييز، وحق الحياة التي تُعدّ من حقوق الإنسان (أي الحقوق الأولية التي يتمتع بها الإنسان لكونه إنسانًا)، وكذلك حقوقاً مثل حق التمتع بالإمكانيات والخدمات العامة، وحق التصويت والمشاركة في إدارة المصير، وحق التعليم والدراسة التي تُحسب من حقوق المواطنة (أي الحقوق التي تضعها الحكومات والأنظمة الحاكمة أو المجتمع لأفراد ذلك المجتمع نفسه)، كُلّها قابلة للتحقق بالابتناء على حق الكرامة الإنسانية. في الواقع، إن المستند والوثيقة لاعتبار حقوق الإنسان وحقوق المواطنة هو حق الكرامة الإنسانية؛ ولهذا السبب فإن الشخص الذي لا يعتقد بحق الكرامة الإنسانية، ستكون سائر الحقوق الإنسانية المتفرعة عن حق الكرامة بلا معنى بالنسبة له.
الفقه المعاصر: إحدى المسائل المطروحة في مجال علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) هي: لماذا كان الإنسان محور الاهتمام والدراسة في المدارس الهية والبشرية؟
رضائيمهر: إن فضيلة الكمال أمر لا يخفى على أحد ولا على أي مدرسة أو مذهب، وفي هذه الحالة، فمن الطبيعي أن يحظى الإنسان باهتمام مختلف المدارس بالنظر إلى کماله الوجودي الخاص، وتُطرح آراء ووجهات نظر مختلفة حول مكانته وفضيلته الوجودية. بل إن بعض هذه الآراء سلكت طريق الإفراط أحياناً وقررت للإنسان مقامات تتجاوز شأنه ومكانته.
الفقه المعاصر: كيف هي مكانة الإنسان في الفكر الإسلامي؟ ومن أين نبع موقعه الخاص؟
رضائيمهر: في الفكر الإسلامي، الله هو الكمال على الإطلاق. وجميع الموجودات ومنها الإنسان يُحلّون بحلة الوجود والكمال الجميلة عبر الإفاضة الإلهية؛ وبناءً عليه، فإن عناية الباري تعالى بالموجودات تعبر عن موقعها في النظرة الإلهية، ومن هذا المنطلق تحديداً يمكن تبيين الاعتقاد بالمراتب الوجودية لعالم الإمكان. ولما كان للذات الأحدية في الفكر الإسلامي عناية خاصة ومتميزة بالإنسان مقارنة بسائر الموجودات، فإنه يحظى بعظمة وقيمة فائقة للعادة. ويمكن مشاهدة سمو مقام الإنسان وعظمته مقارنة بسائر المخلوقات في مختلف آيات القرآن التي تعبر عن رؤية الإسلام الأنثروبولوجية.
فعلى سبيل المثال، آية تعليم الأسماء وأمر الله للملائكة بالسجود للإنسان، وكذلك آية الكرامة التي تثبت تفضيل الإنسان على جميع المخلوقات حتى الملائكة، كل هذه كاشفة عن الموقع الوجودي الخاص للإنسان في عالم المخلوقات. طبعاً، ينبع هذا الموقع الوجودي الممتاز من خلقه الممتاز؛ فالإنسان مثلاً يمتلك موقعاً أسمى من جميع المخلوقات من حيث القوى الداخلية؛ حيث اجتمعت في وجوده قوى مختلفة ومتضادة جعلته متميزاً عن سائر المخلوقات. وقد تحدث العلماء عن وجود أربع قوى رئيسية في الإنسان، وهي: العاقلة، والشهوية، والغضبية، والوهمية، ولكل واحدة من هذه القوى وظيفتها الخاصة المتضادة مع الأخرى، ولم تجتمع كل هذه القوى في أي مخلوق غیر الإنسان؛ فالملائكة يمتلكون القوة العاقلة فقط، والحيوانات تمتلك القوتين الشهوية والغضبية؛ ولا يوجد لدى أي من الملائكة مزاحم في نمط سلوكهم وعملهم، لأن الملائكة عقل محض ولا يمتلكون قوى الشهوة والغضب وما يتعلق بها لتعيقهم عن أداء وظائفهم. والحيوانات خالية من القوة العاقلة ولذا لا يوجد لديها مانع لأمورها الحيوانية.
أما في الإنسان، فكل هذه القوى ناعمة وفاعلة، وكل واحدة منها تسعى لتسخير نفس الإنسان وتزاحم وتعوق القوى الأخرى بطبيعة الحال. ومن هنا تحديداً تتعرض نفس الإنسان لمواجهة وصراع شاق مع القوى الداخلية، وإذا انتصرت القوة العاقلة في هذا الصراع، فسوف يعلو مقام الإنسان عن الملائكة أيضاً؛ وإذا تبع الشهوة والحيوانية رغم وجود القوة العاقلة والعلم، فسوف يكون أحطّ من الحيوانات. وبناءً عليه، لمجرد أن الإنسان يدعو الله ويسير نحو السعادة من طريق المجاهدة النفسية ومحاربة الأغيار الداخليين، فإن مقامه يكون بمراتب أعلى وأسامى من الموجودات أحادية البعد التي لا تجد أي مزاحم في أداء أعمالها.
الفقه المعاصر: بالنظر إلى أن كرامة الإنسان، أو بتعبير أدق حق الكرامة الإنسانية، كانت باستمرار محط اهتمام المدارس والاتجاهات الإنسانية بنحوٍ رأت فيه كل مدرسة نفسها متعهدة بتقديم تبيين لهذه الحقيقة وقدمت أفكاراً، يُرجى التوضيح بشأن النزعة الإنسانية (الأومانية) ومنشأ التمركز حول الإنسان فيها والذي ربما نبع من نظرة الحقوقية للإنسان.
رضائيمهر: النزعة الإنسانية (الأومانية) أو مذهب الإنسانية بمعناه الأعم، هو كل نظام فلسفي أو أخلاقي تكون النواة المركزية فيه هي الحرية والحيثية الإنسانية. ويمكن اعتبار الأومانية بمعنى «سلطة الإنسان» أو «البشرانية» أو «الاعتقاد بأصالة البشر في مقابل الله». وتعدّ الأومانية بهذا المعنى سمةً للعصر الحديث؛ وبناءً عليه، يمكن في نظرة إجمالية للغاية وواقعية اعتبار الأومانية توجهاً إفراطياً نحو صعيد الإنسان، نابعاً من طبيعة النظرة المعرفية للأومانية تجاه الإنسان.
الفقه المعاصر: ما هو منشأ هذه النظرة المعرفية للإنسان؟
رضائيمهر: تعود هذه النظرة في الواقع إلى المصدر المفيض للمعرفية في المباني الفكرية للأومانية؛ لأنه في النزعة الإنسانية، يعدّ الطبيعة المصدرَ المفيض للمعرفية الوحيد، والإنسان هو الفاعل المعرفي ومعيار المعرفة. فالإنسان هو المقياس والمعيار لكل شيء، ولا يمكن أن يوجد إلا الشيء الذي يؤيده العقل الجزئي التجريبي. ومن هذا المنطلق، فإن أموراً كـ الوحي والتعاليم الدينية لا تُعدّ مصادر مفيضة للمعرفية لعدم قابليتها للتأييد من قِبل العقل الطبيعي والتجريبي، ويجب على الإنسان الاعتماد على فهمه الخاص في كشف الحقيقة.
الفقه المعاصر: هل هذه النظرة مقبولة ومؤيدة من منظار الفكر الإسلامي؟
رضائيمهر: كلا؛ لأن المصدر المفيض للمعرفية في الفكر الإسلامي يختلف عما هو موجود في النزعة الإنسانية. وتوضيح ذلك: في النظرة المعرفية للإسلام، مع الحفاظ على القيم الإنسانية وأدوات المعرفة الموجودة لدى الإنسان كـ الحس والعقل (وليس العقل الذي ينظر فقط في نطاق التأليف والتركيب المنطقي للمحسوسات والجزئيات، بل الأهم من ذلك، العقل الكلي الذي يستطيع التكفل بالحكم بالنسبة لما وراء الحس والطبيعة أيضاً)، يُؤكّد على مصدر مفيض للمعرفية أعلى وأسمى يسمى الوحي والتعاليم السماوية، ولا يرى الأدوات السابقة كافية في معرفة الحقيقة؛ لأن نتيجتها هي الحصول على علوم نزيرة: «وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا». وبناءً عليه، فإن نيل معظم المعارف لا يتأتى في ظل إدراك العقل والحس، وإنما يتيسر حصراً في ضوء تعاليم السماء وعن طريق إنزال الكتب وإرسال الرسل.
والروايات في هذا الباب كثيرة أيضاً يُشار إلى نموذج منها؛ يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «ما من أمر يختلف فيه اثنان إلا وله اصل في كتاب الله عز وجل ولكن لا تبلغه عقول الرجال». وبديهي أن هذا الحديث النوراني دليل واضح وبرهان قاطع على أن الطريق الحقيقي في کسب المعارف والحقائق يكمن في الرجوع إلى الوحي وعدم الاتكاء على العقل البشري العاجز عن إدراك المعارف الوحیانية.
الفقه المعاصر: ما الذي يُعدّ مبدأً للقيم الأخلاقية في النزعة الإنسانية (الأومانية)؟
رضائيمهر: في الفكر الأوماني، فإن مبدأ الأخلاق والقيم الأخلاقية هو الإنسان؛ بمعنى أن ما يصنع السلوكيات الأخلاقية هو أهواء الإنسان ورغباته، وإذا كان السلوك متلازماً مع رغبات الإنسان ونفسه، يُعدّ سلوكاً حسناً، وإذا كان بخلافها يُعدّ سلوكاً أخلاقياً سيئاً، ولا يُدخل في النهاية أي مبدأ غير إنساني في هذا الأمر.
والسؤال الآن هو: هل يستطيع الإنسان، بما لديه من نقاط ضعف ونقص كثيرة، أن يصنع مبادئ الأخلاق والقيم الأخلاقية بناءً على أهوائه ورغباته ودون الاستمداد من التعاليم الوحيانية (كما يعتقد الأومانيون؟)، وهل سيوجد في هذه الحالة شيء يسمى «قيمة أخلاقية» يكون قابلاً للاعتماد والاستناد لجميع البشر؟!
الفقه المعاصر: هل يتقبل الفكر الإسلامي مثل هذا النهج بشأن مبدأ القيم الأخلاقية؟
رضائيمهر: كلا؛ لا يمكن للإنسان والأهواء الإنسانية أن تكون مبنى للأخلاق والقيم الأخلاقية؛ بل إن مبدأ القيم الأخلاقية والإنسانية منحصر بالذات في الباري تعالى، والذي يُبلغ للإنسان في صعيد التشريع بواسطة الأنبياء. ورغم أن الفطرة والعقل يحظيان بإدراك بعض القيم الأخلاقية، إلا أن المقتضى العقلي للآيات والروايات هو أن يخضع الإنسان في مرحلة السلوك والعمل للأخلاق الإلهية والقيم الأخلاقية الصادرة من قبله؛ لأن: «وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ».
في الواقع، إن التفاوت الجوهري والأساسي بين الدين الإسلامي والمدارس المادية، ومنها النزعة الإنسانية، يكمن في تربية الإنسان وإيصاله إلى السعادة. وتوضيح ذلك: إن مبدأ القيم الأخلاقية في الإسلام هو المبدأ على الإطلاق ورب الأرباب، وإن الكمال الأخلاقي للإنسان مرهون باتباع الأصول التي جُسّدت من قِبل المبدأ المتعال في مجال التشريع لهداية الإنسان. أما المدارس المادية التي لا ترى مبدأ القيم الأخلاقية سوى المادة أو الإنسان، فإنها تبعد الإنسان عن عالم النور والحقيقة غير المادية وتجره نحو المادة وتتسبب في إضلاله بذلك. لكن المدارس التوحيدية، ولا سيما الإسلام، تسعى عبر إزالة حجاب المادة عن الإنسان إلى الارتقاء به إلى عالم المعنويات. وكما قال الإمام الخميني:
«جميع المدارس التي تعدّ مدارس غير توحيدية هي مدارس مادية، وهذه المدارس المادية إما أن تعيد الناس من عالم النور إلى عالم الظلمة وتدعوهم إلى المادية والمادة وتصرفهم وتحرفهم عن عالم النور… لكن المدارس التوحيدية -وعلى رأسها مدرسة الإسلام- ورغم أنها تتعامل مع الماديات وفي الماديات، إلا أن الهدف هو تربية الناس بنحو لا تكون فيه الماديات حجاباً لهم عن المعنويات».
وفي فقرة أخرى يقول: «أساساً، لا وجود للإنسان عندهم، ولا وجود لحقوق الإنسان إطلاقاً في هذه المجتمعات التي تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان، حقوق الإنسان غير مطروحة إطلاقاً».
وفي الرؤية الإسلامية، يمتلك الإنسان نقاط ضعف إلى جانب تمتعه بكرامات إنسانية سامية، كما أُشير إلى موارد منها في القرآن الكريم؛ ومنها: «إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ»، و«إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ»، و«إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ»، وكذلك: «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا» حيث هدينا الإنسان الطريق السوي سواء أكان شاكراً أم كفوراً، ولا إكراه في كونه شاكراً أو كفوراً لأن الإنسان مختار.
وبناءً عليه، فمن منظار الفكر الإسلامي، فإن مبدأ القيم الأخلاقية هو الوحي الذي يجب تعلمه من لسان الأنبياء العظام الشريف، وعلى هذا الأساس فإن الفكر الإسلامي -مع تأكيده على انحراف فكر النزعة الإنسانية القائم على مادية العالم والإنسان وعدم وجود حيثية معنوية للإنسان وهو ما يتعارض بنفسه مع الكرامة الإنسانية- يعدّ هذا الفكر محلاً للنقد ويؤكد على انحرافه.
الفقه المعاصر: بالنظر إلى ما قيل، هل يمكن ادعاء أن إحدى الانتقادات القائمة على التمركز حول الإنسان في النزعة الإنسانية (الأومانية) هي أفول حق الكرامة الإنسانية؟
رضائيمهر: هذا صحيح تماماً. لقد وُطئت الكرامة الإنسانية بالأقدام في المدارس البشرية المتمركِزة حول الإنسان، وتبحث هذه المدارس عن المقاصد الدنيوية للإنسان لا عن إصلاح أمره واقعی وروحه، وهذا بعينه ما يسبب ابتعاد الإنسان عن الكرامة الإنسانية؛ بينما يصب كل ما جاء في الأدیان الهية وتعاليم الأنبياء في مسار السعادة الأبدية للإنسان والتعالي الوجودي له.
