إشارة: تُعاد قراءة الحكم الفقهي القاضي بـ «لزوم إذن الزوجة من الزوج للخروج من المنزل» في كل مرة لسبب ما: تارةً بسبب عدم سماح زوج إحدى الرياضيات لها بالخروج من البلاد للمشاركة في المسابقات، وتارةً أخرى بسبب تصريح لإحدى الناشطات المدافعات عن حقوق المرأة. وتُعدّ هذه المسألة منذ عقود إحدى القضايا الرئيسية للحوار حول حقوق المرأة في الفقه الإسلامي. غير أن الدكتورة كبرى پورعبد الله تعتقد أنه يجب تحليل هذه المسألة تحت مظلة نظرية «توطيد أركان الأسرة». ويرى هذا العضو في الهيئة التدريسية بجامعة الإمام الصادق (عليه السلام) أن الحكم الفقهي المتمثل في لزوم إذن الزوجة من الزوج للخروج من المنزل لا يختص بزمان أو مكان معينين، بل هو عابر للمكان والزمان. والدكتورة پورعبد الله، التي حازت شهادة الدكتوراه من حوزة قم العلمية للنساء، عضو في الهيئة التدريسية لفرع البنات بجامعة الإمام الصادق (عليه السلام)، وقد ألفت كتابي «فقه الأطغال» و«شرطية الأمانة للحضانة». وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” مع هذه الأستاذة والباحثة في فقه المرأة والأسرة:
الفقه المعاصر: بشكل عام، في أي الموارد تثبت ولاية الزوج على الزوجة؟
پورعبد الله: استناداً إلى أصل الولاية والاستناد إلى التفاسير المتعددة المطروحة خاصة بين المتأخرين في ارتباطها بدلالة الآية الكريمة: «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا»، يجب القول: إننا لا نرتضي العنوان العام لـ «ولاية الزوج على الزوجة» ولا نجد دليلاً عليه؛ سواء في بحث الخروج من المنزل أم في البحث العام للنشوز والتمكين، فلا أثر لمفهوم الولاية. وحتى في كلام صاحب الجواهر في الجزء ٣١ من كتاب “جواهر الكلام”، حيث يُرجع إلى ملاك الطاعة في تشخيص موضوع نشوز الزوجة، لا تلوح في الأفق صورة لمفهوم الولاية بأن هذه الطاعة هي من باب ولاية الزوج، بل من باب الأدلة المقتضية لوجوب الطاعة والتمكين.
الفقه المعاصر: بالنظر إلى تصريحات الروايات القاضية بلزوم الاستئذان من الزوج لخروج الزوجة من المنزل والسيرة القطعية للمتشرعة على ذلك، هل يمكن اعتبار هذا الأمر عرفياً وناشئاً عن مقتضيات الزمان والمكان؟
پورعبد الله: هذه المسألة مصداق لكبرى كليّة تكررت مراراً بشأن مختلف الأحكام. فعندما نقول إن حكماً ما يختص بزمانه ومكانه وليس دائماً ومستمراً وعابراً للزمان والمكان بالتعبير الاصطلاحي، نُواجه فوراً بهذا الرد: إن الأصل في الأحكام هو الدوام والعموم الأزماني والمكاني، وبناءً عليه يجب على من يدعي اختصاص الحكم بزمان ومكان محددين إثبات ذلك، وإلا فما لم يثبت ذلك نرجع إلى العمومات والإطلاقات القاضية بعدم اختصاص الأحكام بزمان أو مكان.
وفيم يتعلق بهذه المسألة، هناك مضامين مختلفة؛ أحدها أن الأدلة في الأساس لا تفيد لزوم أخذ الإذن من الزوج لخروج الزوجة من المنزل؛ لأنه بالإضافة إلى أن بعض الروايات المبیّنة لهذا الحكم تشوبها ضعف من حيث السند، فإنه يمكن دراسة الحكم أيضاً من طرق كـ الإدراك الفطري، والعقل القطعي، والمصالح والملاكات الناظرة إلى الحكم، والاستنتاج بتمسك بهذه الأدلة اختصاص هذا الحكم بزمان ومكان خاصين. ومن جهة أخرى، قد يُقال إن الشارع صرّح بهذا الحكم لينشد في الحقيقة بیان تقسیم للعمل في الشؤون الأسرية بين الزوج والزوجة؛ بحيث تكون أمور المعاش والخارجية على عاتق الزوج، والأمور الداخلية للمنزل على عاتق الزوجة. وبناءً عليه، يحتاج الزوج للخروج من المنزل لتأمين المعاش، بينما تقل حاجة الزوجة للخروج من المنزل بسبب تدبير الشؤون الداخلية للمنزل ولزوم مراعاة الحجاب والعفاف، ويمكن جعل هذا الخروج تحت إشراف الزوج.
الفقه المعاصر: بالنظر إلى ارتكاز المتشرعة في عصر صدور النص القاضي بإناطة جواز خروج الزوجة من المنزل بإذن الزوج بنحو مطلق، هل يمكن حصره في موارد تنافي الخروج من المنزل مع استمتاع الزوج؟
پورعبد الله: يمكننا الاستفادة من طاقة الارتکاز سواء لتوسيع الدلالة أم لتضييقها للدليل المذكور. فالارتكاز من العناصر والعوامل الملغية للخصوصية؛ إذ يمكنه التعميم من جهة، ويمكنه التخصيص من جهة أخرى. وهنا يُفهم السؤال بنحو التعميم؛ أي إن السؤال هو: هل كان لدى المتشرعة في عصر صدور النص هذا الفهم العام للحكم بأن خروج الزوجة من المنزل يحتاج دائماً إلى إذن الزوج، أم أن الأمر يختص فقط بموارد المنافاة بين الخروج من المنزل واستمتاع الزوج؟
وفي الإجابة عن هذا السؤال وفي فهم أوليّ، يمكنني القول: إن رأيي الخاص يتلخص في أن الأمر الأهم في مسألة الأسرة لدى الشارع هو مسألة «توطيد أركان الأسرة»، والتي يُشار إليها في البحوث المعاصرة بـ «نظرية توطيد أركان الأسرة». فعلى سبيل المثال، يُفهم من الآية الكريمة: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»[١] أن الملاك الأهم لدى الشارع في العلاقات بين الزوجين هو التضامن والتعاطف وتوطيد أواصر العلاقات الأسرية. وإذا فُهمت هذه النقطة وحظيت بالاهتمام، فسوف تُفهم العديد من الأحكام الشرعية، وتُنتفى من الأساس الكثير من المعادلات الحقوقية التي تسعى إليها الحقوق الغربية. وعندما يكون خروج الزوجة من المنزل دون إذن الزوج سبباً للتكدر وزوال العلاقات الأسرية الوطيدة، فإن هذا الأمر يكون غیر صحيح، ولا يقتصر هذا الحكم مجرداً على موارد المخالفة لحق استمتاع الزوج، بل يجب أن يكون بصورة مطلقة مصحوباً بمرافقة الزوج وإذنه كي تظل دعائم الأسرة وطيدة. وهذه النقطة هي من اختصاصات الشريعة الإسلامية ولا تتأثر إطلاقاً بـ المدارس الحقوقية الأخرى.
الفقه المعاصر: بالنظر إلى عرف المدن الكبرى في إيران، والتي لا ترى خروج الزوجة من المنزل -على الأقل في النهار وللأمور المتعارفة كالتسوق وصلة الرحم- متوقفاً على إذن الزوج، هل يمكن اعتبار هذا العرف بمثابة شرط ارتكازي ضمني في العقد والحكم بعدم لزوم إذن الزوج للزوجة للخروج من المنزل في الأمور المتعارفة؟
پورعبد الله: أولاً، يجب الانتباه إلى أن هذه النقطة المطروحة في السؤال لا تقتصر على المدن فحسب، بل توجد في القرى أيضاً، حيث يتعارف خروج النساء لطلب المعيشة والمشاركة مع الزوج أو لصلة الرحم. ثانياً: يبدو أن الملاك الأساسي في المسألة هو بعينه النقطة التي ذكُرتُها في الإجابة عن السؤال السابق، وهي لزوم الالتفات إلى مناط توطيد أركان الأسرة ولزوم الحفاظ على عفاف النساء وحجابهن، وهو ما لا ينبغي الغفلة عنه. فالنساء، بسبب طبيعتهن الشفافة مقارنة بالرجال، يحتجن إلى رعاية واهتمام أكبر، وهنّ أكثر عرضة للحوادث الأخلاقية والشرعية؛ وبناءً عليه فإن لزوم كسب الإذن من الزوج للخروج من المنزل ليس أمراً يمكن لمثل هذه الأعراف مواجهته واعتباره مثلاً كـ شرط ارتكازي ضمني في العقد.
الفقه المعاصر: عندما تكون الفتاة عاملة أو أثليطة (رياضية محترفة) عند الزواج، هل يمكن اعتبار هذا الأمر -على الأقل في المورد الخاص- بمثابة شرط ارتكازي ضمني في العقد والحكم بعدم لزوم إذن هذه الزوجة من الزوج للخروج من المنزل في الأمور المرتبطة بالوظيفة أو الرياضة الاحترافية؟
پورعبد الله: في وقت الزواج، يمكن أن يكون كون المرأة عاملة أو رياضية شرطاً ارتكازياً ضمنياً في العقد؛ ولذا وكما كانت هذه المرأة في فرض عدم زواجها ملتزمة بمقتضيات صيانة نفسها، يمكنها بعد الزواج أيضاً مع أدائها لوظائفها تجاه الزوج أن تولي الاهتمام لمقتضيات صيانة نفسها. وبناءً عليه وفيما يتعلق بهذا السؤال، يمكن القول: لا ينبغي النظر إلى الإطلاق في كلا الجانبين والقول إن إذن الخروج من المنزل من الزوج لازمٌ مطلقاً أو غير لازم؛ بل يجب الالتفات إلى تلك النقطة المتعلقة بـ توطيد أركان الأسرة والأخذ بعين الاعتبار ملاحظاتها ومقتضياتها.
الفقه المعاصر: هل يمكن اعتبار أحكامٍ من قبيل «لزوم إذن الزوج في جواز خروج الزوجة من المنزل» ناشئةً عن ماهية النكاح في عصر الشارع والمتمثلة في «شراء البُضع في مقابل المهر»؟ وبناءً عليه ومع تغير ماهية النكاح في الوقت الحاضر، هل يجب الحكم بتغير مثل هذه الأحكام؟
پورعبد الله: ماهية النكاح لا تختلف وغير قابلة للتبديل بحيث كانت في عصر الشارع شراءً للبُضع وتكون في الوقت الحاضر بنحو آخر. فـ النكاح لا يمتلك ماهية معاوضة صرفة، ولا ماهية أمر عبادي محض؛ بل هو نوع معاوضة تتم في مقابل المهر، وهذا الأمر لا يختص بعصر صدور النص بل يجري في وقتنا الحالي أيضاً؛ ولذا فإن الأحكام التي كانت في عصر الشارع غیر قابلة للتغيير بسبب هذه الجهة المطروحة في السؤال.
[١]. الروم: ٢١.
