رؤیة جدیدة للفقه المعاصر فی ندوة «منهجیة الاستدلال بالقرآن الکریم فی الفقه السنی»

٩ Mordad ١٤٠٥ ٥ دقيقة قراءة أیام الأحد: مناقشة المنهج

وفقًا لما أفاد به الموقع الإعلامي لمعهد دراسات الفقه المعاصر، عُقدت الندوة الثالثة والثمانون من سلسلة ندوات «أیام الأحد: مناقشة المنهج» لهذا المعهد بالتركيز على منهجية الاستدلال بالقرآن الكريم في الآثار الفقهية لأهل السنة، عبر الإنترنت باللغة العربية.

وشهدت هذه الندوة مشاركة حجة الإسلام والمسلمين الدكتور سعد الكعبي، المعاون العلمي لكلية الفقه بجامعة الكوفة، والدكتور محمد علي ميرزائي، العضو في الهيئة التدريسية لجامعة المصطفى (ص) العالمية، والدكتور ليث العتابي، الأستاذ في كلية الفقه بجامعة الكوفة؛ حيث ناقشت الندوة بدقة التوجهات التاريخية لفقهاء أهل السنة، مع التأكيد على ضرورة للانتقال من النظرة المقارِنة الصرفة نحو منهج تكاملي ومحوري المسألة في الفقه المعاصر.

في البداية، وإذ أحيا الدكتور الكعبي ذكرى القائد الشهيد وشهداء الحرب المفروضة الأمريكية–الصهيونية، استهل كلمته بالإشارة إلى أهمية البحث العلمي في منهجية الاستدلال بالنصوص القرآنية.

واستعرض المعاون العلمي لكلية الفقه بجامعة الكوفة مطالبه بهدف تبيين المباني الفقهية وكيفية الاستفادة من النصوص القرآنية في أحد أبرز الآثار الفقهية لأهل السنة، مستنداً إلى أهمية كتاب «المغني» بوصفه شرحاً لـ «مختصر الخرقي».

وفي معرض شرحه لمنهج ابن قدامة في «المغني»، بيّن حجة الإسلام والمسلمين الكعبي أنه استخدم الآيات القرآنية في استنباط الأحكام الفقهية بشكل لافت، صريحاً في هذا الصدد: «إن النقطة البارزة في عمل ابن قدامة هي الاستخدام المكثف للنص القرآني في هذا الشرح. فقد وظّف الآيات القرآنية بوفق؛ بنحوٍ لا توجد معه مسألة فقهية إلا واستشهد فيها بجملة من الآيات الكريمة، من بداية كتاب (الطهارت) إلى نهايته».

وبناءً على تحلیل الدكتور الكعبي، فإن المنهج العام لابن قدامة يقوم على «البعد اللغوي والدلالة اللفظية للنص القرآني، وكذلك على الظهور العرفي في بيان الأحكام». وأوضح أن ابن قدامة يستنبط الأحكام بالاعتماد على المعاني اللغوية، والظهورات، والإطلاقات، والتقييدات، بل إنه يولي الاهتمام أيضاً للقراءات القرآنية المختلفة.

واعتبر حجة الإسلام والمسلمين الكعبي أن إحدى الخصائص الفريدة لمنهجية ابن قدامة تكمن في قدرته على توجيه القراءات القرآنية المختلفة وكيفية تخصيص النص بناءً على الإجماع والحديث.

وفي الختام، أعرب الدكتور الكعبي عن تقديره لفرصة تقديم هذا التحليل العلمي، مؤكداً على أهمية الدراسة الدقيقة لمناهج الاستدلال في الفقه، ومبدياً أمله في أن تكون هذه الندوة قد قدمت صورة واضحة عن دقة نظر ابن قدامة ومنهجيته في استخدام القرآن بوصفه المصدر الأساسي للاستنباط الفقهي.

وفي استمرار الندوة، أشار حجة الإسلام والمسلمين الدكتور ليث العتابي، مع إعرابه عن شكره للقائمين على الندوة، إلى اتساع موضوع منهجية الاستدلال القرآني، موضحاً أن بحثه تركز على الجصاص الحنفي بوصفه ممثلاً للمذهب الحنفي.

وتناول الدكتور العتابي دراسة كتاب «أحكام القرآن» لأبي بكر أحمد بن علي الرازي، المعروف بالجصاص الحنفي (المتوفى عام ٣٧٠ هجرية)، لتسليط الضوء على منهجيته في استنباط الأحكام الشرعية من القرآن مع التأكيد على مباني الفقه الحنفي. وأوضح أن الهدف من هذا الاختيار هو التعرف على كيفية تطبيق الفقه الحنفي من قبل أحد أبرز فقهاء هذا المذهب، والذي اشتهر بالتطبيق الدقيق لأصوله، ولا سيما القياس.

وببيانه أن القرآن الكريم، بوصفه المصدر الأول للتشريع الإسلامي، يمتلك مكانة خاصة في استنباط الأحكام، أشار حجة الإسلام والمسلمين العتابي إلى المؤلَّفات المتعددة لعلماء المسلمين في هذا المجال، عادّاً كتاب «أحكام القرآن» للجصاص نموذجاً بارزاً لتطبيق أصول الفقه الحنفي في استنباط الأحكام من الآيات القرآنية.

وأكد الأستاذ في جامعة الكوفة على أهمية فهم منهجية الاستدلال بالقرآن لدى فقهاء أهل السنة. وأضاف أن هذا البحث يسعى من خلال تقديم قراءة من منظار الإمامية إلى بيان نقاط الاشتراك والافتراق في منهج الاستنباط بين المدرستين الفقهيتين.

وشرح الدكتور العتابي نهج بحثه في خمسة محاور أساسية: التعريف بالجصاص وكتابه، دراسة المباني العامة لمنهجه في الاستدلال القرآني، أدوات الاستدلال التي وظّفها، تأثير المذهب الحنفي على استدلالاته، وفي النهاية، تقييم منهجه من وجهة نظر الإمامية.

وقال: يُظهر هذا البحث أن الجصاص، ككثير من فقهاء أهل السنة، يعتقد أن القرآن الكريم هو المصدر الأساسي لاستنباط الأحكام، ويعتمد في تفسير آيات الأحكام على مباني وأصول الفقه الحنفي، ولا سيما القياس والاستحسان. وقام بتحليل منهجية الجصاص في الاستدلال بالقرآن الكريم ودراسة مبادئه الأصولية من خلال اختيار أمثلة كثيرة من هذا الكتاب.

وأكد الأستاذ في جامعة الكوفة على أهمية مثل هذه الدراسات المقارنة في الفهم الأعمق لمناهج الاستنباط الفقهي والعثور على نقاط الاشتراك والافتراق بين المذاهب الإسلامية المختلفة.

وتطرق الدكتور ليث العتابي في الجزء الأخير من كلمته إلى التوجه المعاصر في الفقه السني وفارقه عن التوجهات التاريخية، مؤكداً على أهميته في الحوار الحضاري بين المسلمين.

وفي ختام هذه الندوة، أشاد حجة الإسلام والمسلمين الدكتور محمد علي ميرزائي بالعرض الذي قدمه الدكتور الكعبي والدكتور العتابي في دراسة منهجية الاستدلال بالقرآن الكريم، مؤكداً على أهمية النهج المعاصر في الفقه الإسلامي ولزوم النظرة التكالمية بين المذاهب.

وعدّد العضو في الهيئة التدريسية لجامعة المصطفى (ص) العالمية اتجاهين رئيسيين في الفقه الإسلامي (الشيعي والسني): الأول التوجه التاريخي مع التركيز على المناهج والبحوث السابقة، والتوجه المعاصر الذي يعنى بتقديم الحلول وتمكين الفقه لمواجهة تحديات العصر الحاضر.

وأكد الدكتور ميرزائي على أهمية التوجه المعاصر، عادّاً إياه أرضية مشتركة للحوار الحضاري بين المسلمين (الشيعة والسنة).

ووصف في الاستمرار النظرة التكالمية، بخلاف النظرة المقارِنة، بأنها رؤية ترى الفقه السني والفقه الإمامي مكملين لبعضهما البعض، دون إغفال التمايز والتباين. وينقل هذا النهج النقاشات من الحالة الوصفية الصرفة نحو “العلاج وحل المسألة”.

وطرح حجة الإسلام والمسلمين ميرزائي هذا السؤال قائلاً: «ما الذي دفع المفكرين والفقهاء من أهل السنة اليوم، من أمثال محمد الغزالي، والقرضاوي، وجابر العلواني وغيرهم، إلى دعوة الناس نحو مقاصد الشريعة والابتعاد عن التفسير اللفظي والتجزئي؟ لماذا نما الفقه المقاصدي لدى أهل السنة إلى هذا الحد ووصل إلى هذا المستوى من الديناميكية والإدهاش؟»

ثم أضاف: «صحيحٌ أننا كأتباع للفقه الإمامي لا نتقبل مقاصدهم بتلك المعاني عينها، لكن ألا يواجه فقهنا التحدي نفسه؟ يجب التساؤل: كيف يمكن للفقه الإمامي تعويض الفراغات من قبيل غياب النظرة المقاصدية؟»

وأعرب الدكتور ميرزائي في الختام عن أمله في استمرار عقد هذه الندوات ليُدرس الفقه السني بصورة بنيوية ودقيقة، سواء في قالبه التقليدي أم في شكله المعاصر.

فتحت ندوة «منهجية الاستدلال بالقرآن في الفقه السني» في معهد دراسات الفقه المعاصر نافذة جديدة نحو الحوار البنّاء بين المذاهب الإسلامية، من خلال تسليط الضوء على أهمية الفهم العميق للمصادر الفقهية ومناهج الاستنباط. وإن التأكيد على لزوم النظرة التكالمية والمقاصدية إلى الفقه، بما يتجاوز التحليلات التاريخية والمقارِنة الصرفة، جعل من هذه الندوة فرصة مناسبة للتأمل في التحديات القائمة أمام الفقه الإسلامي في العصر الحاضر. ويُؤمل عبر استمرار مثل هذه الندوات أن نشهد خطوة مؤثّرة نحو إثراء الفقه الإسلامي وتقديم حلول شاملة للمسائل المستحدثة.